جديد الكاتب

سارتر ونجلاء فتحي

سارتر ونجلاء فتحي
سيف الرحبي

ما ذكرتُه في الرسالة السابقة، أيتها العزيزة لم يكن القصد منه، سرد بداهات يعرفها الجميع عن فلاسفة وكتاب شكلوا مفاصل فارقة في تاريخ المعرفة.. ولا يعني ذلك شيئاً إلا حين يرتبط بسياق ما، ذكريات وصور تطالب بحقها في الظهور والإفصاح.. في الرسالة السابقة، حدثتك عن المكان الآسيوي النائي في الخيال والذاكرة والذي ما زلت أحدق في تضاريس جغرافيته الروحيّة والمكانيّة، ويا لها من متعة جمالية عميقة، النظر الى تلك الخصائص والمعالم التي يمتزج فيها الحسي والروحي، البشري والحيواني والنباتي بشكل قل مثيله، بوحدته العميقة، في الثقافات الأخرى. ما أردت الإشارة إليه في هذه الرسالة كاستطراد ماضوي للرسالة السابقة. البير كامي، الرحلة الطلابيّة و(الموت السعيد).. كنت في رحلة طلابية أخرى في الفترة نفسها تقريباً، من القاهرة الى إسبانيا.. أتذكر فيها تلك الوجوه التي ما زال بعضها حتى الآن، كما هو مضيء في الذاكرة، بعد كل هذه الجبال من الزمن المتراكم. القليل منها غيّبه الموت، والكثير ابتلعته متاهات الحياة ورعبها. أتذكر حين عودتنا من إسبانيا، الأندلس ومدريد، التي كانت رحلة العودة منها عبر مطار (اورلي سود) بباريس. نزلنا لنستأنف الرحلة منه نحو القاهرة. فترة وقوفنا وتجوالنا على غير هدى في المطار، كنا كعادة سلوك ذلك العمر الفوضوي الجميل، نضحك ونعلق ونناقش، الأفكار الكبيرة خاصة، حتى وقعت عين زميل لنا على رجل يجلس بهدوء ووقار، على العربة المخصصة للعاجزين والمْقعَدين. سألني الزميل وكان بجانبي سلطان يعرب وعبداللطيف حسين وأحمد عبدالوهاب وآخرون، إن كان ذلك الرجل الجالس على المقعد المدفوع من قبل مضيفة الطيران، يشبه الفيلسوف (جان بول سارتر)، لمعت في ذهني صوره المطبوعة على كتبه المترجمة الى العربية (غالبا عن دار الآداب) فأجبته أعتقد انه هو.. ذهب فاروق أحمد صاحب الاكتشاف الى المضيفة وسألها، أجابت انه بالفعل سارتر.. كان أحد زملاء الرحلة يحمل كاميرا. تلك الآلة السحريّة النادرة في تلك الفترة. طلبنا منه أن يصورنا مع الفيلسوف.. وبما انه كان مشغولاً بالتقاط صور أخرى، ألححنا في الطلب حتى الصراخ كي لا يضيّع فرصة هذه الصورة النادرة.. حين رآنا صاحب الكاميرا على هذا النحو الهستيري من الإلحاح، صرخ هو بدوره في وجوهنا (هوه مين دا اللي عايزين تتصوروا معاه، الراجل العجوز، هوه ده نجلاء فتحي؟!). تحولت هستيريا الإلحاح على الصورة الى هستيريا الضحك والتنكيت. ولا أتذكر إن أُخذت الصورة أم ضاعت في ذلك الصخب الذي أخذ شكلاً جماعياً بعد تفجير صاحبنا المصور، تلك العبارة البريئة حدَّ الجهل المتمادي، والذي من الممكن وصفه بأحد مفاصل الجهل التاريخي الذي يأخذ شكل المفارقة. لكننا نحن الذين نعتبر أنفسنا «الطليعة» الطلابيّة، هل كنا نفهم شيئاً من سارتر وأمثاله؟ في هذه اللحظة أمام بحر العندمان بجزيرة (ساموي) الغارقة في خضرة الجبال والبحر، وصياح ديكة تتهادى في البعيد، حيث تتبدّى قبّة ذهبيّة لمعبد بوذي، أتذكر هذه الحادثة الطريفة. وأتمثل عمق اللحظة العبثيّة التي يحاول فيها (انطوان روكنتان( بطل قصة «الغثيان» أن يرمي حجارة نحو البحر وتسري منها إلى يده رعشة العبث والاشمئزاز، لتشلّ حركته وتسقطه في دوّامة غثيان الوجود.