جديد الكاتب

“سأُلقي التحية على قراصنة…” نصوص جديدة للشاعر العُماني سيف الرحبي:

 لا قطيعة مع الزمن العربي ولا تبشير بالموت القادم الى الشرق
المستقبل – الاربعاء 9 أيار 2007 – العدد 2608 – ثقافة و فنون – صفحة 20

جهاد الترك

خرافة هي، على الأرجح، تلك القطيعة بين القصيدة الحديثة والزمن العربي. قد تبدو هذه المسألة ضرباً من “الفانتازيا” المتعالية على واقع ضُبط متلبّساً بالجحيم الأرضي. والأغلب أنه متهم بارتكاب صنوف من الانتهاكات المبتذلة التي تبعث على السخرية أو الشفقة أكثر منه على القلق والرعب والريبة. يعضّ الإنسان العربي على جرحه. ينفجر من الضحك في سرّه. يمارس التقيّة السياسية والاجتماعية ليس خوفاً من محاكم التفتيش، بل لقناعة لديه بأن المسرحية التي دُعي إليها، قسراً، فاشلة، وأن الممثلين مهرجون من الدرجة الثالثة، يتوهمون بأنهم يؤدون دور المأساة، بينما يعمدون، في حقيقة الأمر، الى تلاوة “صلاة” الاستقالة من “وظائفهم” الرخيصة. يبدو الزمن العربي، في هذه المرحلة الحاسمة، حصاناً رابحاً لا يجرّ وراءه أذيال الخيبة. ومع ذلك، يراهن المهرجون على خسارته. يضعون في طريقه العراقيل. يرشون المراقبين لإعلان هزيمته. يتّهمونه بالافتقار الى السلالة الأصيلة. يراهنون ضده من جديد. عبثاً يحاولون. ألم يكن هذا “الكائن” الآتي مع الريح من المجهول هو من أضفى على الشعر الحديث هوية هي من نسيج الفجر الآتي من عالم العتمة الموحشة؟ قد يتآمر الشاعر على الزمن العربي منذ أن جُعل أضحوكة على “المنابر”، أو راحوا يجرّونه بالسلاسل في أسواق النخاسة. لم يتطوع أحد، كشعراء الحداثة، لرد الاعتبار إليه، وإدراجه في التاريخ من جديد. ليس صحيحاً أن الشعر الحديث انقلب على الزمن العربي، أو تبرّأ منه، أو سخر منه في لحظة ضعف لم يكن مسؤولاً عنها. وإن جنح بعض الشعراء الى إعلان التوبة منه باعتباره من فضلات التاريخ، فإنهم أمعنوا، في المقابل، في بعثرته واستخدام شتاته لإقامة زمنهم الذاتي. ثمة شعراء آخرون، شكل تمردهم على الزمن العربي، انسحاباً من الزمن الإنساني بأكمله. هؤلاء وجدوا ضالتهم في المتاهة الدائمة حيث ينكسر الإنسان أمام كل الأشياء. فأعلنوا موت الحضارة وانهزامها في معركتها الأخيرة ضد الخوف النابع من جوف الذاكرة.
لا تبشر بالخديعة الكبرى
يبدو أن هذه التصورات المبدئية قد تصلح إطاراً عاماً، إذا صح التعبير، لمقاربة الفضاءات الشعرية التي تخيّم على نصوص الكاتب العماني، سيف الرحبي، في مجموعته الصادرة حديثاً عن “دار النهضة العربية” في بيروت، بعنوان “سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الإعصار”. ثلاثة نصوص مطوّلة يفرد لها الشاعر 79 صفحة من القطع الصغير. أولها بعنوان الكتاب نفسه. ثانيها: “موسيقى اليمامة الهاربة من سطوة الهاجرة”. ثالثها: “كقطيع كباش بيضاء أثخنها الهياج”. يمارس فيها سيف الرحبي، هوايته المفضّلة، على الأرجح، وهي استعادة الزمن العربي من وراء القضبان التي أُقحم خلفها زوراً وافتئاتاً، ومن ثم قهراً وتدجيناً، وبعد ذلك تعذيباً لحمله على الاعتراف بشهادات كاذبة. لا نلحظ، في هذه النصوص، على الأغلب، ما يحملنا على الاعتقاد بأن الشاعر يستمتع بإلغاء الزمن العربي واعتباره عظاماً لجثة مهترئة ضاع مثواها الأخير. لا يتنكر للزمن العربي بوضع الرأس في الرمال المالحة. لا يبدأ من فراغ في المكان والزمان. ولا رغبة لديه في أن يخترع مرادفاً لهذين الإثنين. ليس عدمياً، على هذا الأساس. ولا يستلهم أدواته الشعرية من ذاكرة مغرقة في الانتحار الإرادي. ولا يسطّر بلاغات في حتمية الموت الآتي الى الشرق العربي. ولا يبشر بالخديعة الكبرى ومشاهد يوم القيامة. ولا يترقب الجراد الزاحف من أعماق الذات المتشققة على إيقاع العطش الأبدي. لا يفعل شيئاً من هذا القبيل. كما لا يمضي أوقات فراغه في المقابر ليرثي الحشرات، متأملاً الأشباح التي تبحث، من دون جدوى، عن أعينها الهاربة.
ينطلق سيف الرحبي في بحثه المضني عن الزمن العربي من الزمن العربي نفسه. من تلك اللحظة النائية التي تاه فيها هذا الزمن وهو يبحث عن صداه المتنقل بين الجبال البعيدة. الزمن العربي المرتقب هو ذلك الكامن في أقاصي الروح. شد الرحال إليه هو المهمة المستحيلة التي تجعل منه أمراً ذا مغزى. تحيل الإنسان العربي سندباداً معاصراً يلقي نفسه في المتاهة الغامضة. يتلمّس نفسه في متاهة نفسه. يسعى الى اكتشاف الأشياء في بريقها الأول قبل أن تتشكل في بلاد الأفاعي والأرواح التي هجرت مدافنها للتو. صحيح أنه يعلن عصيانه على الزمن العربي، والمدينة العربية، والإنسان العربي. غير أنه لا يقدم، أبداً، على عرضها للبيع في المزادات العلنية. يكتب قائلاً:
في الليل الفاحم البليد
ليل المناجم والرق
استيقظ مهرولاً نحو الصالة
مهوّماً كمن يمشي في نومه
على حافة سطح ولا يهدأ روعي
إلا بتأمل ذلك العناق النوراني
في بهو النافذة.
أرض كاذبة
ليس عتمة بالمطلق، هذا الليل العربي الفاحم. ثمة في ثناياه عناق نوراني لا يكشف عن سره بسهولة. يتطلب الأمر وسيلة هي أقرب الى الرؤيا منها الى أي شيء آخر. الرؤيا هي الأداة التي تفتح صناديق الذاكرة الموصدة. تنفض عنها غبار العناكب ورائحة النسيان المنتنة. ليس الترهل في الزمن العربي، بل في متاهة الذاكرة العربية التي ابتلعت الرؤى المتوثبة الى حيث كانت في الأساس. الى تلك الأمكنة الجميلة المختبئة في الحلم. المدينة العربية، في هذا السياق المحموم، قد انطفأت، منذ أن خبا النور في الذاكرة. لا ضوء في الخارج مستقلاً بذاته. ظلال لأشباح تائهة، على الأرجح تحيل المدينة أرضاً كاذبة لكائنات يتأكلها الخراب:
هذه المدينة بأوقاتها الخربة المنذورة للهلاك
تنمو فيها البنايات والأبراج كسرطانات
تفترس جسد الطبيعة وروح الجذور
ليزدهر السماسرة القادمون من كل الجهات
أهتف باسمك، أحمله كتميمة
تدفع عني هاتف الإنقراض.
المدينة في نصوص الكتاب هي الأكثر تعبيراً عن تعثّر الزمن العربي، والأغلب ترهّل الزمن الإنساني برمته: (“جنازة واحدة وإن تنوّعت الأماكن والطقوس ـ جنازة البشرية جمعاء ـ يدحرجها الطغاة والجلادون الى منفاها الأخير”). إحدى الإشارات القوية في الكتاب الى متاهة الثقافة الانسانية كلها. يرتقي الشاعر بالزمن العربي والمدينة العربية الى حيث يدرجهما في سلسلة السقوط الكبرى للانسان المعاصر، ومع ذلك، يبدو معنياً، بالدرجة الأولى، بتحولات الذات العربية وهي تتكبد المشاق في رحلتها المرهقة من متاهة الى أخرى: “قارب هرم مهشم الاضلاع يشبه صاحبه السكران ـ مبحراً في ليل البحر وخطر الحيتان ـ نحو الجزر التي شهدت طفولة القارب والانسان”.
من المتاهة الى المتاهة
انها الرحلة اليومية، على الأغلب، التي يقطعها الشاعر في حلمه بحثاً عن التوهج، واستشرافاً لذلك التوحد مع الذات، واستنهاضاً للرؤيا المتعبة يقصد فيها الشاعر الجزر التي لا وجود حقيقياً لها الا في محيطات الذاكرة. غير ان قاربه متعب لا يصلح لابحار قاتل من هذا النوع بصحبة الحيتان. ومع ذلك، يزمع على الرحيل بديلا من السقوط في متاهة المدينة المسكونة بأشباح السماسرة. من متاهة المدينة الجوفاء الى متاهة الابحار في الليل الدائم، على ايقاع التجرؤ على اقتحام مخاوف الذاكرة. المتاهة في كل الأمكنة، في كل الأزمنة، في كل المدن التي تحولت مقابر للاحياء ومساكن للأموات. لا شفاء من المتاهة الا بالمتاهة، يأخذنا الشاعر الى لب المتاهة حيث الجزر التي تنبعث منها رائحة القلق وظلال الخوف المدفون في ارضها الغامضة. استفزاز مرهف للرؤيا الشعرية وهي تنتقل من رعب الى آخر، من دهشة الى اخرى، من موت محقق الى آخر، غير ان سيف الرحبي لا يعلن استسلامه للمتاهة. ولا يترقب موته بين لحظة وأخرى، ولا يطبع شهادة وفاته مسبقاً، على النقيض من ذلك، نراه ينفذ بجلده، بأعجوبة، بدفق الرؤيا التي راح يبحث عنها في طفولة القارب والانسان. يصبح الزمن العربي الذي يستولده الشاعر في ذاكرته مدعاة للحياة وسط مشاهد الخراب. يتحول الزمن، في هذا السياق، الى استيلاد داخلي للانسان الباحث عن ظله في غابة من الظلال. يكتب في نص آخر:
على الشرفة اياها
ينبلج فجر من احشائي
أرى جزراً وطيوراً تحلق في النعيم
ألمح الراعي يلتقي ثبوره
بعد ان ضاع في ظلام الوجود
الرؤيا تميت وتحيي
يبلغ الشاعر، في هذا النص، شيئاً يسيراً من رؤياه الشعرية، لا يحصل هذا الكشف في العالم الخارجي. يتحقق داخل الذاكرة. يتراءى الفجر، بعد غياب طويل، من قلب الاحشاء، من صميم الأرض اليابسة التي لن تعود، كذلك، على الأرجح. ولكن دون ذلك عقبات، وصعاب، وأحلام مجهضة. فالرؤيا الشعرية، ان لم تتجدد، وتنقلب على نفسها، وتذهب بعيداً في طلب المتاهة، وتدفع من بريقها ضريبة التعرض الدائم للانسحاق في الأراضي الوعرة للذاكرة، تنضم، هي الأخرى، الى عالم المدينة الزائل. تصبح رقماً وهمياً يضاف الى سلسلة الأعداد التي تلتهمها المدينة المعاصرة:
ايها الشاعر القتيل يا صديقي وأخي
أحاول ان أتبيّنك وسط مواكب هذه الأشباح
وسط جلبة اللهاث ودفق الدماء المراقة
وسط عالم تتكسر نصاله في القلوب والأفئدة
حيث لا ثغرة تنفذ اليها ولا مكان
وسط يباس الروح احاول ان ارمي حنان الزهرة
على قبرك الغريب.
الأغلب، ان الشاعر، في هذا النص، هو قتيل الرؤيا. تستولي عليه الصورة الشعرية، بالكامل. تستحوذ على طاقته. تلقي به في كل الاتجاهات. يرتطم بكل الصخور التي تتربص به في الذاكرة. غير ان هذه الرؤيا عينها التي تميت الشاعر سرعان ما تحييه. لا موت دائماً ولا حياة دائمة. يتقاذفه الاثنان، على الدوام، ليدرك، في نهاية المطاف، ان قدره الحقيقي ان يسير على حافة الهاوية. ان يتذوق طعم الموت ليفرح بالحياة. ملعون هو الشاعر. يدفن في يباس الروح، ثم يقوم معافى، ثم يموت من دون ان يصلى عليه. من دون ان تواكبه الجنازة: (“أين انت ايتها اللحظة الممتلئة بذاتها ـ تحرقين الماضي والمستقبل في جيشان نيرانك المشتعلة ـ أينك كي القي القبضة عليك كما القيتها ذات يوم على قرن الثور الهائج في القرية النائية”).
اللحظة الممتلئة بذاتها هي ما يسعى الشاعر الى الحصول عليها. سواء أكان ذلك، في الحياة أو الموت، أو في كليهما، أو في البقاء أسيراً على حافة الهاوية.
اصطياد الأحلام
انه الوطن العربي الذي يتلبس الروح اليباس، والذاكرة الصدئة، والمدينة المبهورة بأمواتها. والأرجح انه الزمن العربي المتبلد، متثاقل الخطى، مكتئب الملامح وهو يبحث عن مراياه القديمة في متاهاته القديمة. انه الزمن الذي يستلهمه سيف الرحبي على الرغم من كونه ماهراً في اصطياد الأحلام وذر الملح في العيون الصافية، واقامة المقابر لاشخاص لم يلقوا حتفهم بعد:
نعم هذه هي البلاد هذا هو الوطن العربي التائه
بين خرائط ومسافات. اي لعنة مخبأة بين ضلوعنا
أي صرخة يتسلقها جوعي ومقاتلون في حروب عبثية.
أي كوكب يتداعى في الرأس بمثل هذا العتو والانهيار؟
اي قطار مندفع في براكين الدم
تشيعه النظرات الوجلة ليتلاشى في هباء الدخان
اي قارب يضمحل في هيجان الغروب؟
لعنة، صرخة، قطار مندفع، قارب مضمحل، تحولات عدة لوطن عربي واحد فقد ظله بين الخرائط والمسافات. ومع ذلك، يبقى الوطن العربي، في نصوص سيف الرحبي، الحافز الاهم لمخاض الروح وهي تعبر المسافة الطويلة لتعانق ذاتها بذاتها. نلحظ، في هذا النص المكثف، خلوا مطلقا لأي من التنظيرات الايديولوجية الفارغة، والأغلب ان فيه ما ينقلب على هذه الاخيرة باعتبارها من سماسرة المدن التي ورد ذكرها آنفاً. قد يميل بعضهم الى تأويل هذا النص، على نحو سياسي. من يفعل ذلك يستهدف، بالضرورة، وأد هذا النص في تربة السياسة المملة. يذهب الشاعر، في هذا المقام بالتحديد، الى ما يحيل السياسة ضرباً من التفسير المتخلف للواقع العربي. اجترار وتكرار مقززان لحالة من التردي الثقافي لا تزيدها السياسة الا فقرا في الرؤية وابتعادا مريباً عن طبيعة الحقائق. الوطن العربي، في النص، هو الوجه الآخر للعنة مخبأة في الضلوع. لانكماش في قدرات الروح عن اجتياز المتاهات. عقم مرعب ينمو كالفطر السام على ضفاف الذاكرة جاعلاً منها مستنقعات تبتلع الاحياء وتجرّد الاموات من عظامهم الهشة. ومع ذلك نلحظ ان النص يتمتع بايقاع سريع بعيداً عن الاستكانة، القطار والقارب واللعنة والحروب والصرخة والنية، تعبيرات متحركة في كل الاتجاهات، تندفع، كالغريزة، لا تهدأ. ذات طبيعة عشوائية، وكأنها، تسعى الى الخلاص من المتاهة، وهي لم تدرك، بعد سبيلاً الى ذلك. الزمن العربي، كما يبدو في النص، لا يزال ينبض بالدماء على الأرجح.