جديد الكاتب

زريبة الخنازير

هذا المقال ليس عن الوباء الماثل الذي أخذ في الزحف على الخارطة البشريّة ، كما يتبادر إلى الذهن عبر قراءة العنوان على الفور ، وليس عن الخنازير البريّة والمستأنسة التي احتلت واجهة الفضاء الاعلامي والصورة والكلمة …
إنه عن (بييرباولو بازوليني) عبر كتابه الذي صدر أخيراً والموسوم بنفس العنوان .
ربما هو الكتاب الاول شعراً على هذا النحو الجامع لبازوليني ، الذي عرف على صعيد الثقافة العربية كمخرج سينمائي قبل كل شئ وهو الشاعر أولاً في أرض لغته الاصليّة والروائي والمسرحي والمناضل الذي لا تلين عريكته ضد قوى الفاشيّة والظلم والانحطاط …
كنتُ من ضمن جيل عرف بازوليني ، من خلال السينما قبل كل شئ . وحتى هذا العنوان الذي اختاره المترجم محمد بن صالح عن (كلمه- الجمل) عرفناه إسماً لفيلم سينمائي (حضيرة الخنازير) في سبعينيات القرن الماضي التي تعرفت في سياقها إلى المرحلة الذهبيه في السينما الايطالية والعالمية . قبل ان ينحدر معظمها كباقي قيم الفن والحياة ، وهي التي بجدارة واستحقاق يمكن دعوتها بالمرحلة الذهبيّة ، وليس السينما العربية بأغلبها في ذلك الزمان وقبله والتي لا يضارعها سذاجة ورداءة إلا السينما الهندية التي تفوقها انتاجا باذخا عملاقا ًوبليداً .. بازوليني أتى إلى السينما من جهة الشعر والادب (سينما الشعر) هكذا كان يسمي نشاطه السينمائي العنيف والصادم الذي أدى إلى اغتياله من قبل القوى التي كان يحاربها من غير هوادة ، وعلى ذلك النحو البشع والفاجعي .. كان المخرج والشاعر ، الذي جمع بين المسيح (انجيل متى) وماركس وغرامشي والاستبطان النفسي والهرمسي في تصديه ومعالجته العناصر والشخصيات من أكثر من زاوية ووجهة تناول وتحليل..
روحه المفعَمة برؤى الجمال والعدالة في عالم ينحدر الى زريبة الخنازير ، وهو تعبير أكثر توفيقاً لجهة الدناءة والوضاعه من حضيرة ، التي تلخص العالم الذي يحلم بازوليني بتكسيره وتغييره . وفي سبيل ذلك طرق كل جهات التعبير الفني ، الادبي والفكري . وانفتح على عوالم الشرق وثراء ذخيرته الخياليه والخرافية كي يغني تجاربه وانجازاته من خارج المركز الاوروبي ..
بازوليني السينمائي امتداد للشاعر والعكس صحيح . وان كانت الصورة في السينما أكثر حدة وأكثر مضاء وصداميّة مع الواقع والتاريخ . صورة لا تعرف المهادنة والمسايرة تطال المناطق المحرّمة سياسياً وفكرياً نقداً وتعريةً حتى أقصى حالات الفظاظة والوحشيّة …
يأتي الشعر على وتيرة من هدوء وتأمل جمالي لا ينقصه الوثيقة والتعيين .
الشعر لدى بازوليني ، هو الاساس الذي لا يستطيع أن ينظر إليه إلا بشكل فيه من السمو والإجلال ، الشعر في معناه المطلق بعد أن ازال الوهم عنه ، وهم التقديس الاسطوري ليواجه اليومي والتاريخي والملوث من غير ان ينقص ذلك الإجلال الذي تربى عليه منذ طفولته في بولونيا في الشمال الايطالي.
على كل تلك الأجواء والمناخات الشديدة القتامة والسوداويّة لدى بازوليني وهو يغوص عميقاً عبر تمظهراته التعبيرية المختلفة ، في الواقع الايطالي والبشري عامه، سُئل ذات مرة (فريدريكو فلليني ) عن المستقبل.
فكان جوابه لو ما زال بيننا بازوليني لكان من الممكن الحديث عن شئ من هذا القبيل …
زريبة الخنازير والضباع ، سمومها وطواعينها ، ملوكها وخدمها وجيفها في كل زمان ومكان.