جديد الكاتب

رطانة الجهل

والذي قصر بالشعر كثرته وتعاطي كل أحد له حتى الغوغاء والسفلة
العسكري- في كتاب الصناعتين))

هذه العبارة العاصفة في غضبها ورفضها من قبل ناقد ألمعي مثل العسكري، صرخة احتجاج لما لحق الشعر والأدب في عصره من ركاكة وانحدار مقيت، جعل الجهلة والأدعياء يسطون على هذا الحقل الذي هو من السموُّ والرفعة بمكان قصيّ و”صعب سلّمه”.. عبارة العسكري أو صرخته تنسحب على الأماكن والعصور بمختلفها. وهي دفاع عن الحقيقة الإبداعيّة الأصيلة في وجه الزيف والإسفاف والرطانة حيث السماسرة والدجّالون أصبحوا يحتلون الحلبة من كل حدْب وصوب. والتبس على القارئ البسيط الفرق الجوهري بين الحقيقي والزائف وغامت الحدود والمسافات. خاصة في غياب المعيار النقدي الصادق موقفاً والكاشف معرفة. وفساد الذوق.. في المشهد الأدبي الراهن، يكفي ان نلقي نظرة ولو سريعة على النتاجات المطبوعة والمنشورة لتكشف البداهة الطبيعية لمقولة العسكري في الكثير من هذا النتاج. ومما يزيد الأمر فداحة في زمننا هو تطور أدوات النشر الطباعي والالكتروني والفضائي، مما يوسع رقعة الانحطاط الأدبي بمسافات ضوئية عن زمن أسلافنا. ويجعل فرز الحدود بين النقيضين صعباً وملتبساً على غير القارئ المتمرّس.
التسويق الإعلامي الذي يعتمد على توفر الشرط المادي والشطارة والعلاقات العامة.. اذا كانت هذه المسالة لا يخلو منها زمن أو ثقافة وأسلوب تعبير.. فرطانة “الحداثة” وغموضها المفتعل، ذاك القادم من السطحيّة والجهل والفبركة، وليس الغموض (بالطبع) القادم من شروط المعرفة الإبداعية، البعيدة الغور والأبعاد وهي تلامس هاويات الوجود وتعقّد الحياة والإنسان (الغموض الماسي)، من فرط ما يختزن من طبقات دلالية وجمالية. هذه الرطانة الحداثيّة التي تزيد خطورتها على التقليد السطحي الذي يدعى التراث ، جعلت الكتابة مسرحاً للبلاهة المدعيّة والغباء المتعالم وتفريخ العقد والاحقاد الصغيرة. وتلك النـزعة في الكتابة تقدم نفسها صعبة المنال ومعقدة، وهي لا تحتوي إلا على الخواء المفبرك في نصوص وجمل ذات بريق براني، إذ ليس كل ما يلمع ذهباً كما قيل، ذهب الكتابة في مكان آخر تماماً..
في الشعر ، في الرواية التي أضحت تشبه الصرعة الاستهلاكية، وليست حاجة تعبيرية وروحيّة تتلمس شكلاً بعينه. وما نصادفه في المجال النقدي “التفكيكي” وغيره من هول المعاناة، وأنت تقرأ، جبينك يتصبب عرقاً وتسرح بين الجملة والأخرى، لعلك تجد ضالة المعنى او اللامعنى الذي يرتطم بأعماقه الكائن والكتابة، لكنك في النهاية لن تجد إلا التفاصح والتذاكي وتلك الرطانة البائسة التي لا تزيدك إلا ظمأ ومسغبة.. في جو الميديا والكذب يلتبس مشهد الكتابة وتمحى الحدود وتتساوى.
الشاعر والكاتب الذي أفنى حياة وعمراً ليقول تمزّق روحه ويؤشر لمرحلته وعصره ، يتساوى مع مهرجي هذا المشهد ، أحفاد الرطانات والانحدار الأدبي والقيمي.