جديد الكاتب

رسالة إلى تلك المرأة دائماً

عزيزتي: صباح الخير
رغم أن الوقت قبل بزوغه ، ولا شي ء يشير حتى الى ملامح فجر كاذب. لا ذئب يعوي. ولا خفقة جناح في الأفق. كل شيء منصهر في جسد الظلمة الباذخ. الظلمة التي كأنما هي تجمع أجيال من الظلمات في عيد ميلاد محتشد على الأرض. أكتب اليك وأنا مستلق على السرير. البارحة سهرت في الصحراء. كان القمر مكتملا وناقصا من فرط اكتماله في تلك الأمداء المترامية في محيط السراب ، حيث يتدفق الزمن والفراغ. ويقف الكائن عاريا وهشا مثل وقفته تماما، أمام مرآة الجبال الضخمة.
الصحراء التي تناسل فيها الأسلاف ، جدا بعد جد، وكانت مصدر الأديان والقيم الخالدة للبشرية ، لم تعد كذلك بالتأكيد. لكن ظل غموضها وعمقها بنسجها رغبة الهرب من زيف المدينة وقرفها. هل قلت “غموضها” الكلمة هنا غير دقيقة ، إلا إذا كان الغموض فيض وضوح مكتمل وكاسر من غير نظرة مانويه ، مثل رؤية المتصوف أوالشاعر حيث يجسد الوصول الى الوضوح أقصى درجات العمق بعد الرحلة الشاقة. وضوح مدوخ ، سرابي
ومدهش.
لو تنظرين الى ذلك السراب الذي يتلألأ تحت سماء خفيضة نكاد نقطفها باليد، ويذكرنا بعبور الكائن ، ومكر وجوده وسط طيش هذه الأجرام والمصائر والحيوات.
المهم يا عزيزتي كيلا أستطرد في هذه الطبيعة الفظة والرائعة ، رغم نزوعي المتجذر الى ذلك ، أحب أن أقول بأني رغم هذا السحر للصحراء والجبال والبحر، لم أعد أستطيع العيش طويلا، بعيدا عن المدينة بكل ما فيها من اتضاع ومصائب وإشاعات كما كنت تصفينها،، إنني كائن مدينة. هكذا نشأت وكبرت. الانسان مقذوف بقدره أمام حياة لم يكن له من خيار في المجيء اليها، لكنه مطالب بتعميق شروط وجوده وكذلك موته ، ولن يبقى من تلك العناصر الأولى لأحلام الحياة البرية إلا ذاكرتها وشعريتها في المخيلة.
كنت بالفعل واقعا بشكل لا فكاك منه تحت سطوة المكان والقمر الذي تزينه هالة مضطربة وأخاذة وعلى مسافة منه الثريا، وبنات نعش ، ونجوم أخرى لم أعد أتذكر أسماءها.. وكنت واقعا تحت سطوتك طوال السهرة ، كجزء من هذا الكون السديمي الذي تزنره الأبدية من كل الجهات.
أتذكرك كآخر تميمة ألوذ بها من الاضمحلال والتلاشي، أمام  زحف الرمال المخيف ، والذي سيكون مقدمة قيامة محتملة.
لماذا أتذكرك أنت بالذات ا: ثمة علاقات أخرى لها سحرها، لكنها لم تغز هواجسي في تلك الليلة ولم تفترسها كما فعلت عيونك المتسللة غزلانها من بين الكثبان وأشجار السدر وحيوانات الصحراء النائحة طوال ذلك الليل الكثيف.
إن ذلك يظل مبهما بالنسبة لمشاعري اللامستقرة دوما مثل ترحلي وحياتي التي عشتها بكثافة سادي – مازوشيه.
نحن – البداة الغامضين – لهذا العصر الموغل ن تنظيمه وعقلانيته. نغير المدن والأفكار كما نغير أحذيتنا. بل بالعكس ، تظل الأحذية أطول عمرا وأرأفه.
الأحذية التي كنا نشتريها من “البالة ” ويتحدث عنها شموئيل شمعون كما يتحدث عن أسلافه الآ شوريين ونضالاته العربية. وقد سبقه الى ذلك “هايدجر” بقوله (ليس سهلا الحذاء) أتذكر قصة الحذاء الذي فقدناه – غالبا مع شموئيل – في باريس وظهر في ألمانيا نظيفا معافى كأنه في رحلة نقاهة واستجمام. يبدو أن الأحذية أيضا لها أسفارها الحرة المستقلة عن حاملها، وربما من فرط ضجرها بالحامل وتقلباته تجترع المعجزات.
ومناك “والت ويتمان ” إذ يقول( إذا بحثت عني فستجدني أسفل حذائك ).
ربما كان يهدف الى تواضعه بين الأقوام والطبقات ، لكن مع ذلك يظل للحذاء حضوره البهيج في هذه الجملة الويتمانية.
ذاكرة الحذاء هي ذاكرة الشاعر والمدينة وذاكرة الذات المشطورة بين جهات التمزيق.
***
عزيزتي : أفكر أحيانا في شأن الرحيل واحتدام نوازعه ، كما فكر الاسلاف في “ظعنهم “، لكن بصورة مختلفة ، طبعا ، في الزمان والمكان. وأفكر أن أولئك الأسلاف الهادئين في موتهم وامجادهم الغابرة خلعوا
علينا عبر القرون ، لاشعورهم الجمعي، الذي ظل تميمة الجاذبية لهذا الترحال الغامض… هذا النوع من الكلام لم يعجب صديقا يريد أن يعطيه أبعادا أيديولوجية وفكرية. ولم أكن ضد ذلك بالطبع بقدر ما كنت مع محاولة استقصاء لمتاه الكائن عبر طرق شتي مختلفة.
بالأمس تلقيت بطاقة من الكاتبة غادة السمان التي أحببتها منذ عمر مبكر، تقول في عبارة منها (حين أرحل أندم وحين لا أرحل أندم أيضا) الحيرة وارتطام النقائض ، الرغبات المطمورة والمفصح عنها تجاه الترحال ونوازعه العجيبة.
في هذا السياق يبدو من السذاجة بالنسبة للشاعر والفنان طرح أسئلة من نوع الاستقرار النهائي أو التكيف.. الخ ، لأنه ، أي الشاعر في ترحل مستمر في اللغات والمخيلات والأمكنة. وهو أحيانا في ترحل دائم حتى وهو لم يبرح مكانه. يجوس الأزمنة والأجيال والقارات. وهو في ترحاله هذا، الرمزي والمعيش يختزل رحلة حياته ويوازيها منذ الطفولة حتى الشيخوخة، إن أدركها ، والموت ، وهو في كل ذلك مخترق بالحنين الى الأشياء ونقيضها، المدن والوجوه والى محوها، الى السكني في قلب الحضور والغياب معا: الى أي مدى عمق هذه المكابدة العذبة القي لا يستقيم أود أي  ابداع حقيقي إلا عبر صراطها الفاصل بين الجنة والجحيم ؟
عزيزتي : منذ الطفولة يلعب الانسان لعبة “الغميضة ” وهي ربما تمرين لا واع ومبكر على رغبة الاختفاء والغياب والفراق. نكبر وتكبر معنا هذا ،”اللعبة ” لتغمر حياتنا وتحتلها كاملة. وما من شفيع يمكنه أن يحرف أو يخفف الوقع المأساوي لهذا اللعبة ، التي انسلخت من براءتها الأولى وأصبحت لعبة جدية. فاللاعب المختفي في هذا الحالة لن يعود، واذا عاد فلن يكون هو. لقد تصدعت الأرض التي يقف عليها، وتصدعت أعضاؤه وأصبح لاعبا آخر، لاعب قسوة ، وعذاب ، وليس عذوبة.
شروط الوجود القامعة في الكون المعاصر لا تسمح بالكائن اللاعب بالمعنى الجمالي. وما نحاوله في هذا الاتجاه ليس إلا فتح نوافذ صغيرة لفك الحصار.
***
حين عدنا ، يا عزيزتي ، من لعبة “الغميضة ” بما أن العالم لاعب وملعوب حسب “أكسيلوس ” التي استمرت دهورا طويلة ، لم نكن نحن.
هل تغيرنا أم عادت أشباحنا تجوس أماكن الطفولة ومستنقعاتها الزرقاء؟ لقد تغيرت اللهجات والسحنات وتغير الخطاب ، وتغيرت أشياء كثيرة جوهرية، على طريقة الشاعر القديم (عرفت شيئا وغابت عنك أشياء ) وأصبحت المسافة بيننا وبين من نحب ، تقاس ببرازخ الصمت والذهول والغياب المضمر، دائما أثناء الجلسات الخاطفة الحزينة.
لا شك أننا نحبهم ونحبهم كثيرا، لكنه حب مجهض داست عليه قطارات كثيرة في ليل دامس.
وداس عليه جلادون وقتلة ، وفتك به الزمن والمسافة. يتصور المهاجر أنه حين يعود الى صحرائه الأولى ، يهدأ نحيب روحه وقلقه ، أو كما عبر أحد الأصدقاء : حين تعود الى البيت ويفتح لك أخوك أو أختك أو… الخ ذلك حلم لا يعوضه شيء آخر. وهو كذلك فعلا حين يظل في عرين الأحلام والأوهام السعيدة للحالمين ، لكنه يكف على صعيد الواقع.فالصديق نسي الزمن والمسافة ونسي صدوع الغياب.
يلملم اللاعب أشلاءه كي يخلق نوعا من تماسك يمكنه عل الأقل من سلام نسبي مع نفسه ومحيطه ، اذا صح التعبير، لأن عزلته في هذه الحال ليست عزلة المبدع فحسب ، وإنما ستتخذ طابعا قسريا وانطوائيا ذا وجوه منشطرة في مرآة تعددها.
هو الغريب العابر.، لم يعد جزءا من اللعبة ، لقد تغيرت طبيعة اللعب حيث لم يستطع بحكم طبيعة خياره ، أن يبني ويؤثث ، عدا الغياب والمحو والإختلاف. تغيرت طبيعة اللعب… لقد بنى الآخرون مدنهم وأحلامهم وحساباتهم المختلفة ، وهو موغل في نأيه وترحاله.. صار غريبا حقا.
ماذا يعنى هذا الصمت الذي ران بيننا؟
ثمة رغبة سحيقة في الكلام
رغبة في القبلة
هذا الصراط الذي يفصلنا
هذه الهياكل المحطمة
هذه السفن التي تبحر بقراصنتها بيننا
ثمة رغبة سحيقة في الكلام
رغبة في القبلة
*****
عزيزتي: لقد ذهبت بعيدا وان مازلت في منطقة همومنا وهواجسنا المشتركة. هذه النقطة الملتهبة التي أدت الى اللقاء والحوار ونحن في قلب المضيق نكاد نختنق من عفن الأجساد المنفسخة.
كنت أريد أن أكتب لك رسالة خاصة ، أصفك فيها، أتغزل بجسدك ذي الخصر المائل نحو الغابة ،كأن أقول مثلا:
صوتك جدول جريح
هديل يمام بري في الظهيرة
شعرك ينابيع جبلية في عيني مسافر
رضابك عسل الجنة
خطواتك رشيقة وأنت تدوسين على قلبي.
أيامك بيضاء من فرط ما اغتسلت بدموعك.
حدائق غناء في حوضك الولود من غير ولادة.
ينبت العشب من إشراق لمستك الصاعقة.
صباح الخير…
لقد أطل الفجر أخيرا كأنما هو أول فجر يطل على البشرية. ربما لأني كتبت بعضا مما يؤرقني.وما يؤرقني كون بكامل ضحاياه ، كنت أريد أن أحدثك عن رحلتي الصيفية الأخيرة بين الشام وبيروت والقاهرة ، مرحلة الطفولة الثانية ، لكن الوقت قد تأخر.. تأخر الوقت كثيرا وأنا أغالب النعاس والضجر وفيالق الصباح.