جديد الكاتب

رحيل الكبار

برحيلهما , تكاد تكون الأسماء السينمائية الكبيرة والفارقة، قد أشرفت على التواري إن لم تكن قد توارت وغابت عن المشهد رغم إرثها الإبداعي الذي لا يزيده الزمان إلا جدة وبقاءً، في عيون القلة القليلة التي ما زالت تشاهد هكذا أفلام.
تلك الكوكبة المضيئة التي تمتد إلى روسليني، وديسيكا ، وفلليني، وحتى كافياني وبرتلوتشي.
تنسدل الستارة بكثير من التجاهل والإهمال في ضوء القيم الضارية للاستهلاك والتجارة الفظة، على تلك الأعمال المفعَمة بالرؤى الشعرية والفلسفية وبتحليل بالغ الرهافة لأعماق الكائن السارح في واحة العدم الدموي والضياع؛ مفسحة المجال واسعاً لسينما الانحدار الفني والأخلاقي، والسينما المتوسطة في أحسن الأحوال، تأتينا بعض إضاءات منها قادمة من الصين وحواشيها واليابان وبعض دول ما دعي بالعالم الثالث. قليلة هي السينما التي تواصل مسيرة أولئك الراحلين الكبار أوروبياً بذلك الإخلاص والذوبان في حقيقة الفن السامية.

* * *

رحيل إنغمار برغمان وانطونيوني، عن عمر مديد في الزمن والإنجاز، يتذكر محبو تلك السينما كيف غمرت أمواجها الباذخة بالجمال والمرح والرؤى والقتامة، على اختلاف الأساليب والمقاربات عالم الفن والثقافة وشرائح اجتماعية أخرى. وكانت مصدر معرفة وإلهام للشعراء والروائيين والفلاسفة وميدان تحليل ومتابعة وتقييم.
نحن الذين غمرنا رذاذها الندي منذ منتصف السبعينيات وما زالت تسكن الوجدان وخيارات التعبير، ما زالت بؤرة جذْب وحنين. أتذكر فيلم “روما فيلليني” حين نزل في سينما قصر النيل بعنوان “خرافات رومانية”!.
بجانب دور العرض العادية كان هناك نادي السينما وجمعية الفيلم التي كانت تنشط في عرض تلك الأفلام وغيرها من الأعمال الطليعية المنتقاة بعناية والمصحوبة بالنقاش والنشرات التي تضم مقالات لأكثر من ناقد ومتخصص وهاوٍ..
كذلك الأمر لاحقاً في دمشق وبيروت وفي هذه الأخيرة أكثر كثافة وحضوراً.
كان هذا المناخ السينمائي الثقافي هو الذي ربى ذائقتنا السينمائية وجعل تلك الأسماء والأعمال عنصرا صميمياً في ذاكرتنا المعرفية والجمالية.

* * *

برحيل السويدي برغمان والايطالي انطونيوني نستحضر بعض أعمالها.. من يستطيع أن ينسى تلك الآثار البرغمانية في مختلف الأشرطة والمحطات من “الختم السابع” و”برسونا” وحتى “وجها لوجه” الذي شاهدته لأول مرة في سينما الكندي بدمشق. وكنت قد أقنعت الصديق الناقد يوسف سامي اليوسف بالذهاب معي. كان أبوالوليد يحتقر السينما ويعتبرها فن الغوغاء (كذا). وحين شاهد الفيلم.. وبعد أن أخذ نَفَساً عميقاً قال: هذه تراجيديا، تراجيديا حقيقية بكل أبعادها وخطورتها في سبر أعماق الجحيم البشري.
برغمان الذي ينطلق من خصائص الروح السويدية الاسكندنافية الأكثر رفاهية وترفاً وحضارة وفي الوقت نفسه كآبة ووحشة وانتحاراً..
انطونيوني في أفلامه الكثيرة أيضاً، “المخبر الصحفي” ، “نقطة زبرسكي” و”المغامرة” و”الصحراء الحمراء” يكشف في مسيرته السينمائية التي امتدت حتى وهو مصاب ومريض، كان الإبداع رفيقه الحنون، يكشف هشاشة الكائن وفساده وزيف عواطفه. في “المغامرة” حين تضيع الفتاة في تلك الجزيرة البحرية النائية يأخذ عاشقها وصديقتها في البحث عنها، لا يلبث الاثنان أن يقعا في حب بعضها ناسيين معاناة الفتاة ومصيرها.
أفلام عصية على التلخيص من فرط كثافتها ومصبات دلالاتها الكثيرة، إذ ليست “الحكاية” إلا ذريعة من ذرائع المخيلة في جموحها الحر واستشرافها المصائر والأعماق.