جديد الكاتب

رحلة مع الشاعر سيف الرّحبي إلى أرخبيلاته الأسطورية

1  / وعلَيَّ أيضاً أن لا أُخْدَعَ بلعبةٍ أنا أعرف مكائدها ، وما عليَّ سوى التشبّث على قدميِّ الفِطْنة ، لأفلت من شباك صيادٍ ، ولد قبالة بحرٍ ، مرّ على جسده الصدفي الرجراج ، أدهى ربابنة السفن وأعتى قراصنة البحار . ليس لي إلاّ الحذر من الوقوع تحت طائلة فخاخ مخيلة ذات دربة ومرانٍ للإمساك بتلابيب فضول التلقي ، وذلك باستنفار منظومة التلقي لديّ ، بغية عدم السماح لأشد محاولات الباث مكرا للإيقاع بي . لا خلاص لي دون شحذ فراستي لمواجهة نباهة جبليٍّ دربه الصحراء ووجهته البحر . هذا ما فكرت فيه وأنا أفرغ من أول قراءة لمتنٍ دلفته عبر بوابة ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) المقتلع من كتاب الشاعر ( سيف الرحبي ) الصادر من منشورات دار الجمل 2000 . كررت القراءة ، فوجدتني منصاعاً لوهني  ومسربلاً بقلة حيلتي أمامه . عندها خلعت قناع ادّعائي ، وأبعدت عنتي ، وسحلت عدة التأويل ، علّها ترمم كياستي ، وتعيد بعض وقاري ، اللذين كدت أفقدهما ، لحظة مكابرة ، لا غير . يا لَنزوعيّة الذّائقة ، ويا لغلوّها في التمترس أمام عواطف الرسالة وتوقها للوصول . والآن ما عليّ سوى الاعتراف بأن النص هو سيد الموقف إبان عملية التلقي ، ولكفاءته في تحريض آليات منظومة القراءة على التأويل الخصب ، الدور الحاسم ، فيما لو توفّرَ على تمعّنِ قراءة وحسنِ تأويل ، ولا مفرّ من سلطة النص المعمول بدراية وفي مشغل ذي أصالة واكتمال انصراف للبحث والاكتشاف .

2  / ولي أن أقرأ البوابة بوصفها ثريا تسهم في تبديد عتمة فضاء المتن ، ومدخلاً علامياً أولياً ، يعين التلقي على تلمس خارطة علامات المتن المفضية لدهاليز الثِّيَم . في البوابة / جندي / و طائر / ونوم . أي بمعنى إنسان وحلم وعتمة . وهو تناول لثيمة أزلية هي وجود الإنسان في عالم ضارٍ ، يقارع ضراوته بأحلامه كمعادل موضوعي لقسوة وجوده ، فلا معنى لحياة بلا تطلّع ، ولا تطاق حياة بلا محاولات تشبث بالأحلام ، نشداناً للتخفيف من لامقوليتها وشدة غرابتها وتماديها في اليباس . أن عدم استجابة الحياة لأحلام الإنسان المنقب الفطن المفرط الحساسية ، وذي الوعي النشيط ، تخلق لديه شعوراً بالغربة ، والتي تؤدي إلى عبث الوجود ، ليتخذ بعدها موقفا ،- حسب ما يراه مناسبا – إما بإنهائها أو بالتواصل معها بحذر . وهو قناع فني لفضح عبث الوجود ، حاول الإفادة من لا واقعيته ، لرسم مشهد فنتازي يخرق الترتيب التتابعي للأزمنة والأمكنة ، ويمعن في انثيال الحوادث منصاعة لاشتراطات تداعيات صورها في المخيلة الشاعرة ، كيما يتمكن من الوصول إلى مراميه في التأثير على التلقي ، بمشاهد ترقى على واقع لا معقول ، بفنتازيتها الساحرة . وهي مهمة تستدعي ، مران مخيلة ، وتراكم تجربة ، ونباهة تناول ، وحسبي أن الرحبي يمتلك أرشيف رحال خبر العباب وجال كثيرا في جزر الشعر النائية وغير المأهولة .

3 / وماذا عن المتن ؟ هل تمكن بمستوييه العلامي والثيمي أن يرغم التلقي على الانقياد لمغريات  التواصل معه ؟ وكيف ؟ لنقرأ : علىَّ أن أبعثر الجهات والمرايا ، كرجلٍ ينهض من نومه ، بطيئاً متكاسلاً . بداية المتن ترسم مشهداً موجّها للتلقي ، ما سيجري من وقائع ، هي أشبه بحلم لنائم ، غير أنها تومئ لحياة لا معقولة / جهات لاهبة / مشي متعثر / هطول وجوه حيوات بقامات مديدة وبلا رؤوس ، حياة تحيلك إلى مناخات خرافية توغل فيها مرغماً بفعل الصيرورة والتّشكل وصولاً للحاضر . ويتواصل في كشف تداعيات المشهد من خلال إعادة تشكيل الأمكنة التي تحتشد فيها كائناته الخرافية ، بغية رؤية الحبيبة – الجمال الرادع لضراوة القبح – رغم كونه قطرة في صحراء الحياة المعتمة . وينجح في إرغام التلقي على متابعة مشاهداته لسفر حياته منذ التكوين وحتى اللحظة . عبر سردية محببة ، يتحول الراوي من ضمير المتكلم إلى المخاطب والمثنى والجمع ، مبديا فيها كفاءة عالية على إعادة كتابة المشهد المروي لمرات وبسياقات عدة ، دون أن يؤدي ذلك إلى بعث الملل والنفور لدى التلقي ، والمغلوب على أمره في الانقياد وراء ألاعيبه السردية المثيرة لشهوة التلقي .

4 / ترى من هو الجندي ؟ حاول المتن برمته الإجابة عن هذا السؤال ، هو الشاعر وحامل الحلم الذبيح والباحث عن مغزى الحب والضوء المتمثلان في المرأة وهي تلوح له في أقصى نهايات التصحر والظلام بفعل سفر دوّنته الحروب وسلالات الرق ومحو الآخر منذ عقدة حجر قابيل وحتى عصر المحو الذري : طائر جريح وجندي مهزوم ، لا لم يكن مهزوماً ولا منتصراً ، كان الضمير الخبئ لحروب البشر والآلهة ، النغمة الشاردة لناي مكسور ، حمل ارثها من بابل وفرعون حتى عصور الذرّة ، كما تحمل السحب أثقالها في الأزمنة والمحيطات ، حمل سرّ الأمانة . الشاعر هنا يبعثر سفر الأسلاف بناة حضارة الرمل وعالمها المغلق ( الخيمة والسيف والجمل ) والذي بنى أهرامات الدم والارتياب من تكنولوجيا الآخر .

يبعثره ناتفاً هالات النصر المزيف لغزوات الغابرين ، الماحقة لواحات الألفة وبراعم التوق للاخضرار ، ومعرّياً نشاز موسيقى طبول حروب الأجداد منذ البسوس التي كانت ( تعدّ القتلى على أنغام النجوم ) ومروراً بداحس والغبراء وما تلاهما والتي تركت لهم أثراً يعوي حنقا على بعضهم ، ويضيع رويداً تحت غياهب رمال تعبث بها رياح ٌ نزقة .

5 / والمتن تضمن ترصيعات قصدية لمرويات قصصية ، وتضمينات لنصوص أخرى ، تردع هيمنة الانثيال الشعري ، حتى بات لك أن ترى مستوى المتن العلامي وكأنه ( كولاج ) مشكل من أجناس أدبية شتى ، تتيح لمنتج النص حرية التنقل بالمتلقي من زمن لآخر ومن مكان لغيره ومن واقعة لما قبل أو ما بعدها ، (( ولقد حلمت بعروق الشيبة، فبدت لي أكثر ارتفاعاً من جبال الهملايا (…) ……. لقد انتهينا فعلا )) وبعضها يحيلك لكتاب ألف ليلة وليلة (( كانت مزدانة بالدر واللآلي الحمراء والبيضاء ….. وماؤها أحلى من اللبن وأحلى من العسل )) أو إلى نصوص الموروث الديني ( يا ربي هؤلاء قومي وأنت أدرى بهم وأني لبرئ من حربهم وسلامهم.. أيها الطائر امنحني قطرة من ماء روحك ، امنحني السكينة . ) إننا أمام فسيفساء نصي تتواشج فيه مصبات قادمة من مرجعيات شتى تتباين في أزمنتها وأمكنتها وأحداثها ، مانحة إيّاه فرصة سانحة لبث رسالته المعرفية للمتلقي في سياق ملحمي ذي أبعادٍ أسطورية ، لم يتمكن من نيلها ، لو لم تتوفر له مخيلة شاعرة تمتعت ببصيرة نافذة ، وجرأة اشتغال لِلَمِّ شمل التناقض ضمن صيرورة جديدة ، فضاءاتها تمنح التلقي فسحا خصبة للقراءة والتأويل .

6 / وما لا يمكن نسيانه اللغة الشعرية للنص . فالتجربة الكتابية للشاعر ، هيكلت نصاً ذا لغة مشحونة بدلالاتها ورموزها المرجعية أفقيا وعموديا . والكلمة بوصفها وعاء المعنى ، سواء جاءت مستقلة أو متجاورة مع أخرى ، تستمد كفاءتها الأدائية من قاموس الشاعر المرجعي .

وهو ولا شك عند شاعر مجرب كالرحبي ، قاموس متعدد المسارب والتحوّلات ، ولغة النص هنا ، ابتعدت عن الغموض المفتعل ، المتأتي قطعا من تجاورات لغوية غير منتجة إيحائياً ، مما أنقذها من اليباس والخواء العاطفي والمعرفي . فتارةً يلجأ إلى التشبيه بين صورة وأخرى بسياق مدهش : تشبه المغيب الناضج كثمرة / كأنما صنعت من قُبلات ملاك / عن الصباحات التي تسيل على الوجنتين . أو ينقل هول ظلمة الصحارى بتركيب غرائبي : الضوء القليل الراشح في ليل القوافل . ونراه يتوغل في الأراضي الحرام للذائقة القارية : امنحهم فردة حذاء من رحمتك / بالفرج الذي ينبت على حوافه عشب الخلود . ويبتكر صورا شعرية ذوات دلالات موحية بجماليات فلسفية ضاربة في التشفير والترميز : كان القتلة يصطادون الفراشات في الحديقة المجاورة / كان النيل يجري حاملاً الأبدية في خَرْجه / كان القبر المفتوح كنهر من عظام الهالكين . اللغة إذن وبسياقها الملحمي رازت لنا نصاً ، تشظّت رؤاه على أمكنة وأزمنة الشرق ، ليخلق أسطورته المعاصرة والتي نهلت من روح الذاكرة الجمعية الخازنة لحكاياتها ومروياتها الأسطورية عبر سفر أسيل من الوجع والرق والفتك ، وهذا ما كشفه نصّ ينضح بعبقٍ أسطوري ، قدّمه الرحبي على طبقٍ من لغة شفيفة موجوعة تتزيّا بحلةٍ سردية ، ذات رنينٍ داخلي شرقيٍّ لذيذ .

7 / وحاولت أن أطوي رقع النص ، منهيا بذلك متعتي برحلة استطلاعية مع البحار العماني سيف الرحبي ، متمنياً قيامي برحلةٍ أخرى معه : لكن الجندي استلني من أحشائك ، رغم أن أذني بقيت لصق فوهتك الهائلة ، مصغية لأنين القادمين من أغوارها العميقة . أعلاه كان مقطعا كاشفاً للعبة الشاعر الفنية ، وهي أن ما جرى هو غيبة حلمية للشاعر مع همومه الإنسانية ، بسبب طعنات الموت المتكررة على جسد حياته – الأم والحبيبة – لينصرف إلى رحلة انغمار غرائبية في السفر الكوني ، وهي لعبة تشي من جانب آخر إلى عزلته وانشغاله عن العالم ، وتشير إلى ضراوة الموت الذي يباعد بين الأحبة ، بوصفه لغزا يطبق بظلمته على الحياة ، والتي تفقد جدواها ، وعبث مرورنا فيها ، لولا معادلة المخيلة العجيبة – النسيان والتذكر – والتي تعيد التوازن للإنسان ، وتبعث في نفسه فسحة أمل للتواصل مع ما تبقى له من حياة ، مستثمرا طاقات المخيلة المذهلة ، في استحضار غياب الأحبة ، في أية لحظة وفي كل الأمكنة : أستطيع الآن أن أتبيّنك : صورتك المعلقة على الجدار ، فرشاة الأسنان والأمشاط المشتركة ، أشياؤك المبعثرة في جنبات الغرفة ، طيورك الصّاخبة تحلق فوق رأسي طوال الليل ، والموجة التي تغمر الفراش بالزّبد والأنين . لم يقدم لنا الرحبي بوحا شعرياً مباشرا بل أخذنا معه برحلة مغامرة للتنقيب في أرخبيلاته الأسطورية .