جديد الكاتب

رجل من الربع الخالي الفصل الثالث النص الثاني سيف الرحبي

من بحث في العنوان والنص اجازة تخرج (نوريّة العسيري) اشراف د. رشيد بحياوي كلية العلوم والآداب الانسانية (أكادير) المغرب.

يعد النص الثاني امتدادا لما يسمى بالنص الاول، لكن الاختلاف الموجود بينهما يتمثل في طبيعة كل واحد منهما، اذ ان كلا من العناوين والقصائد عامة هي من ابداع الشاعر سواء أساهمت فيه الموهبة والاجتهاد الشخصي، أو انتجته كثرة الاطلاع وامتلاك آليات كفيلة بان تخرج هذا الابداع الى الوجود.

ما يهمنا هنا هو الحديث عن النص بنوعيه الاول والثاني، فالنص الاول هو نص صريح أصلي، انه نص غير مواز، بخلاف النص الثاني فهو نص مصطنع خاضع لتأويلات وقراءات متعددة مع ان القراءة لا تواجهه لأول مرة لكن مع ذلك فله خطابه وعلامته ومقصديته ايضا.

بهذا نجد الناقد رشيد يحياوي يقول: “بأن النص الثاني هو مجرد افتراض تتوقف نصيته وشعريته على القدرة الانتاجية للقراءة فلا وجود له الا في فعل القراءة، ولكونه مفترضا فهو محتمل وموجود في إمكان ان يوجد”.(1)

ويقول أيضا بأن: “النص الثاني بمثابة نموذج توليدي ينطوي على نواة، هذا النموذج التوليدي هو القائم خلف التمظهرات اللسانية والشعرية عند شاعر معين وهذه النواة هي التي تتمطط بصيغ مختلفة محدثة في كل تمطيط نصا اولا جديدا”.(2)

يتبين من خلال هذا بانه بدون وجود قراءة لا يمكننا الحديث عن النص الثاني، لكونها هي التي تضفي عليه مصداقية وجوده وان تفاعلات القراءة فيما بينها تسعى جاهدة لخلق نص ثان يكون من انتاج القارئ او المتلقي عموما.

لذلك فاذا كنا في النص الاول قد قدمنا أرضية شاملة لمكوناته وقمنا بدراستها وتحليلها، فالنص الثاني ما هو الا وقوف على جزئيات هذه الشمولية والخوض فيما تبقى منها.

يقول محمد خطابي بأن الهولندي فان ديك يرى: “بان الفروق بين الجملة والجمل المركبة ومتتاليات الجمل فروق نسقية، وعلى الخصوص في مستوى وصفي تداولي، لهذا يدعو فان ديك الى اعادة بناء الاقوال ليس على شكل جمل وانما على شكل وحدة اكبر وهي النص، ويعني ديك بالنص: “البناء النظري التحتي المجرد لما يسمى غادة خطابا”.(3)

ويعقب قائلا بان اهتمامات ديك، كانت منصبة أساسا على ما يسمى بنحو النص لكن تجاوزته الى ما يسمى بلسانيات النص.

ويقول عبالله شريق بان: “النقد النصي ساهم بشكل فعال في تحليل الخطاب الشعري اذ جاء ليعيد الاعتبار للنص الادبي في حد ذاته باعتباره عملا لغويا فنيا وتشكيليا ذا طبيعة تركيبية خاصة، وليكشف عن بنائه الداخلي والعلاقات المشكلة له، ويهتم بالعناصر والمميزات التي تضفي عليه الطابع الفني والادبي وتميزه بالتالي عن أنواع الخطاب الاخرى “التاريخي/ الفكري العلمي….” لذلك رفض اغلب النقاد النصيين فكرة الانعكاس في الادب وركزوا اهتمامهم على العالم الداخلي للنص وما يحمله من مكونات وابعاد على أساس انه عالم فني رمزي له كيانه ووجوده الخاص وليس مجرد انعكاس او صورة او شاهد على شيء خارجي.

ان المواضيع التي تناولها الرحبي تنطلق من نقطة هلامية يتلاقى فيها الذاتي بالموضوعي بيد ان الحفر في دهاليز الذات والغور في سراديبها هو ما يمكن الشعراء عامة من خلق وانتاج رؤى وتصورات للامحدودية العالم من المواضيع.

اذ الجدير بالذكر ان اغلب المواضيع التي تناولها الرحبي في ديوانه “رجل من الربع الخالي” لها علاقة وطيدة بالمكان سواء تعلق الامر بحديثه عن الرحيل والذكرى ونداوة الارض الاولى، وحركة الاشياء والطبيعة والناس  والامكنة التي مر بها الشاعر، او محاولة استعادة الطفولة الاولى التي تعتبر الهاجس الاكبر في تجربته الشعرية هذه.

يحضر المكان بشكل مكثف في تشكيل العبارة الشعرية سواء من خلال العناوين السابق الحديث عنها بنوعيها البدئي والداخلي، والتي تدخل ضمن ما يسميه جيرار جينيت بالنص الموازي او ضمن ما سأقوم بدراسته الآن والذي يسمى بالنص الثاني الذي يتمظهر المكان من خلاله بجميع تجلياته.

ذلك ان ما تركه المكان في نفسية الشاعر “سيف الرحبي” أصبح محركا أساسيا لتوليد وانتاج العبارة الشعرية هذه الاخيرة التي من خلالها ابتعد الرحبي عن صياغتها في شكل وزني يخضع لمكونات ايقاعية، على اعتبار ان هذه الاخيرة تدخل ضمن ما يسمى بالنمط الغنائي، اذ انه لا يخفى على دارس الأدب والشعر خصوصا بأن شعرنا القديم يدخل كله في نوع واحد هو الشعر الغنائي، أي المقطوعات والقصائد والاناشيد، ودارس كتاب الأدب وفنونه لمحمد مندور يتبين له ذلك، بغض النظر عن الفنون الاخرى التي تعرفها الآداب الاوروبية مثل الشعر الملحمي، هذا الكلام يجرنا للحديث عن “القصيدة المسترسلة” التي من خلالها تمكن الشاعر من التعبير عن تجربته الشعرية باعتبارها تدخل ضمن التجربة العمانية للقصيدة، فانطلاقا من قصيدته الاولى التي تعتبر المحك الاساس والمحرك الفعال لجميع قصائده النثرية سرعان ما يتبين لقارئها بانه يدرس مقالا أدبيا يعرفه بمنطقة “عروق الشيبة” التي تعتبر المهد الاساس لذئاب الصحراء التي تعتبر اول من حطت رحالها بهذه المنطقة الموغلة في القدم.

لكن الدارس للشعر والملم بآلياته يكتشف بسرعة بريق العبارة الشعرية تشع بين سطور هذه القصيدة المسترسلة، ذلك ان المكان بكل ما يملك من ميكانيزمات وسلطة متمكنة قادرة على فرض وجودها على كل شخصية متشبثة به سواء عند الرحبي او عند غيره من الشعراء، فهو يمارس بعدا ايجابيا وسلبيا في نفس الوقت، فتذكره وحنينه للماضي أي للطفولة البعيدة كما عبر عن ذلك بانها بعيدة مثل زحل يشكل له منحى ايجابيا وعدم تذكرها او نسيانها يمثل له منحى سلبيا وكل هذا يدخل في ما يسمى بقدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع، وهذا ما يسمى بالابداع عموما ذلك ان: “هنالك تناقضا بين ثقافة الذاكرة وثقافة الابداع، وهذا التناقض كامل في علاقة كل منهما للزمان هو ثمرة وضع مضى، ومن هنا يمكن القول بأن ثقافة الذاكرة تدور على رؤية ماضوية أما ثقافة الابداع فتتجاوز الوضع القائم Statusquo الى وضع قادم proquo ومن ثم فهي تدور على رؤية مستقبلية(4).

ان ما أثار اهتمامي من الموضوعات التي تناولها الرحبي هي تلك المعالجة النصية للمكان بدءا من مراحل الطفولة الاولى حتى اللحظة الاخيرة وهي طفولة بعيدة يحاول استعادتها عبر الذاكرة فلماذا الطفولة؟

هذه الاخيرة التي نجد العديد من الشعراء والنقاد تحدثوا عنها هل لانها بؤرة حياة الانسان بجميع تشكلاتها؟ أم انها حلقة ضرورية تتأسس عليها شخصية؟

يقول الدكتور حميد الحمداني بأن الناقد الموضوعي كاستون باشلار من خلال كتابه “شاعرية حلم اليقظة” اعطى أمثلة كثيرة من الصور الشعرية التي تستوجب العالم الطفولي عن طريق التداعي الحلمي، ومن أمثلة ذلك المقاطع الشعرية لالان بوسكيه التي يختزلها في ذاكرته فيقول:

بكلمة حماسية، سأقول الذي كانته طفولتي

كان القمر الاحمر قد اخرج من عشه في اعماق الغابة(5)

ويقول سيف الرحبي في قصيدته المعنونة “طفولة”:

لا نستطيع ان نفك شباكنا

من براثن الجوارح

لا نستطيع الذهاب أبعد من ربقة المضيق

سارحين بعذوبة في مهب المقيل

آكلين السمك الذي ادخره اهلنا

للصيف

وبشيء من المواربة كان القمر يسطع فوق

نوام السطوح

إكليل شجر وطلاسم

ولا شيء يفصل بين أجسادنا

وطيور الابدية

ان ما يثير اهتمام قارئ هاتين القصيدتين هو هذه المقاربة المتجلية في قول الان بوسكيه:

كان القمر الاحمر قد اخرج من عشه في اعماق الغابة

وقول الرحبي:

وبشيء من المواربة كان القمر يسطع فوق

نوام السطوح

اذ انه من المحتمل لو ان الرحبي في هذا البيت الشعري استهله بالفعل الماضي الناقص:

كان القمر وبشيء من المواربة يسطع فوق

نوام السطوح

ربما ان البيت هنا لن يتغير معناه.

ويقول حميد الحمداني بانه في اعتقاد باشلار ان احلام اليقظة التي ترجعنا الى المراحل الطفولية لها في الواقع من العمق ما يجعلها تتجاوز حياة الطفولة لتحيلنا الى طفولة الانسان في الكون، فقوة تأثير الذكريات الطفولية لا يفسرها تاريخ الطفولة انها قوة كامنة في طبيعة علاقة الانسان بالكون وهي كذلك نموذج مثالي “archetype” ضارب بجذوره في تاريخ الكون، وهو ما جعل بالاشلار يعتقد ان الطفولة هي نوع من الماء الذي هو في نفس الوقت نار تتحول الى نور وهذا هو السر الذي يجعل احلام يقظتنا بالطفولة تعيد الى الحياة كل العلاقات الاصلية للانسان بالكون ، فنعيشها من جديد.(6)

بهذا نجد مراد وهبة في دراسته لفلسفة الطفولة يقول بان تحديد سيكولوجيا الطفولة مهمة شاقة، اذ ان جان بياجيه أمضى ما يقرب من اربعين عاما في دراسته “فكر الطفل الصغير” وهو عنوان الفصل الثاني من كتابه “ستة أبحاث سيكولوجية” ومع ذلك يقر بانه لم يكن في امكانه تغطية هذا المجال برمته واعتقد ان سبب ذلك مردود الى ان الطفولة لم تدرس دراسة سيكولوجية منظمة الا ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، من اجل تأسيس نظم جديدة للتربية تخدم خصائص الطفولة، ثم سكنت هذه الحركة في النصف الاول من القرن التاسع عشر حتى استؤنفت بدراسات TAINE في فرنسا عام1876 ودارون في انجلترا عام 1877 غير ان الدراسة التي تناولت الطفولة، لم تتسع دائرتها الا في مؤسسة جون بيايجه وهنري فارون.(7)

بعد حديثنا عن مختلف المواضيع التي تناولها الرحبي في ديوانه ننتقل الآن لدراسة المعجم، اذ ان  المنطلق الذي سانهجه في دراسته هو اختيار قصيدة من الديوان ككل تكون ذات شعرية عالية، فكانت الافضل بل الاجمل هي التي تحت عنوان: “أودية وشعاب” يقول الرحبي فيها:

بين ليلة وضحاها

اكتشفت انني ما زلت امشي

الهث على رجلين غارقتين في النوم

لا بريق مدينة يلوح

ولا سراب استراحة

على رجلين ثاويتين في النوم

انا الذي ظن بانه وصل

وعند اول مدخل

تنفست رائحة قهوة ونباح كلاب

فكومت جسدي

كحشد من المتعبين والجرحى

لكني عرفت ان الضوء الشاحب

يتسلل من رسغي

خيط دم يصل الشعاب بوديانها الاولى…

ان المعجم الموظف في جميع قصائد هذا الديوان معجم مألوف لدى القارئ العربي، والقارئ للشعر خصوصا وكذلك الشأن بالنسبة للغة، اذ ان معظم الكلمات منحدرة من المعيش اليومي وبالتالي فاللغة اكثر يومية، ولعل السبب الذي جعل الرحبي ينحو هذا المنحى هو اشتغاله في الصحافة اذ ان طبيعة العمل الصحفي تستدعي بدورها ضرورة ايصال الخبر بأي طريقة كانت.

الى جانب فلسفته في الحياة، التي جعلت قصيدته الحداثية تتسم بنوع من البساطة التي لا تخلو من تعقيد، اذ ان هذه البساطة لا تعني خلو القصائد من البلاغة المألوفة وانما الشاعر في قصائد هذا الديوان وخصوصا ما يتعلق بالنص الثاني يترك اللغة تتحرك مقتفية اثر الزمن بشكل افقي وليس عمودي، فتراه يحدثنا عن المكان، الرحيل، الذاكرة، الطفولة، الضياع على الصعيد الفردي والجماعي ولا يتأتى ذلك الا من خلال تفاعل الذات مع الاشياء.

من العلامات ذات القيم البانية لهذه القصيدة والممتدة في قصائد أخرى من الديوان بحيث ان هذه العلامات نفسها ومصاحباتها ومرادفاتها ومجاوراتها يمكن ان نجعلها المعجم الاساس لنصنا المفترض او القابل للانتاج والاخراج الى حيز الوجود.

ذلك ان قصائد هذا الديوان تجمع تأليفا من الافعال والاسماء، سواء الافعال المضاربة او الاخرى الدالة على الماضي وتتمثل مجموع هذه الافعال في: أمشي، الهث، ظن، مقتفين، ذاهبين، اقتفي، راحلين، اختفي، ينهبون، لا يصلون، يستنطقون، يمضي، يستقصي، يضيء، تذكر، متذكر، ارى، يرحلون، تمرون، يجرون، افتش…

ولعل السبب الذي جعل الشاعر يوظف بكثرة الافعال المضارعة هو هذه اللغة اليومية التي طغت على ديوانه ككل فهي تعبر عن المعيش. انه البصري الذي يظهر جليا ولا يمكن نكرانه، فهو يحاول استنطاق ما هو كائن وما لم يكن بعد، اذ ان هذا البعد هو الذي يشكل بالنسبة له الحلم، اما الماضي بالنسبة له هو شيء ساكن تحاول الكلمة عند الرحبي ان تحوله من هذا السكون الى لحظة متحركة لذلك شغل المكان وخصوصا الصحراء كي يترك للذاكرة فرصة لاستعادة الماضي الذي يستحيل نكرانه، كما ان هذه الافعال المضارعة خصوصا يتبين انها تتخذ كلها مسارا وعنوانا واحدا الا وهو فعل العبور هذا الاخير الذي يستشف من خلاله الرحيل والتيه، وهما سمتان بارزتان ميزتا قصائد الرحبي خصوصا.

أما بالنسبة للاسماء التي تم توظيفها في قصائد هذا الديوان فهناك: الليلة، الصحراء، الفجر، الصباح، الليل، الجبال، الاحلام، البارحة، النوم، ليل، الاقدام، المسافة، الضوء، غابة، الحرب، الطريق.

وقد وظفت كلمة ليل حوالي ثمانية وعشرين مرة في هذا الديوان ككل، ووظفت كلمة صحراء حوالي سبع مرات على اعتبار ان الليل يشكل زمنا خفيا لتلك الطبيعة الغريبة التي تربى الشاعر بين تضاريسها الاسطورية، تلك المجرات من الجبال في عُمان. والصحراء بجميع حمولاتها هي مجرى الاحداث والحلقة التي تدور حولها هذه الاحداث،اذ ان تكرار الشاعر لكلمة ليل لا يعني انه اهتم بمؤشر زمني واغفل ما هو مكاني “الصحراء”، اذ ان الليل والنهار هما حياة الانسان فبهذين المؤشرين اللذين يتعاقبان نعيش هذه الحياة، بحيث يكون الليل رمزا للغموض والخوف والنهار رمزا للاشراق والوضوح.

لذلك فقارئ الديوان يتجلى له الليل واضحا في العديد من القصائد أما المكان فيشير الشاعر له باشارات عدة، أما تكون في وسط القصيدة او في نهايتها.

وما يهمنا هنا هو ان المكان موجود وطاغٍ في الديوان الا ان اسم الصحراء لم يذكر الا سبع مرات في الديوان ككل وهذا يدل على ان التعبير عن المكان لا يقتصر فقط بضرورة ذكر اسم الصحراء، لذلك نجد الشاعر يقول في قصائده:

–         بحثا عن مكان بين اضلعي والمسافة… ص11

–         هناك في الجروف البعيدة ص13.

–         وحدها ذئاب الصدفة تعرف ص14.

مطارحهم في المرة القادمة

–         ينبلج الشرق في دمي ص29.

–         مسافة المكان بين غرفتي وعنق الخراف ص35

–         في الغابة التي يتصادم فيها الغرباء ص49.

الى جانب ان الشاعر وظف في الديوان ككل اماكن متعددة واشياء لها ارتباط بالمكان نفسه كالغرفة، منضدة كتب، الجدار…

فيقول في القصيدة المعنونة “الاسم القديم”:

–         وجدت افقا يعيد الي اسمي القديم

فهذا الافق هو المكان الذي يعيد للشاعر اسمه القديم هو مكان الجبل والذئب والاغاني التي تصعد من افواه بنات آوى.

اما بالنسبة للصحراء فوردت مقاطعها في الديوان على الشكل التالي:

–         مقتفين اثر الكلاب المندفعة كمبضع ينتهك صدر الصحراء ص11.

–         ناحتا للصحراء أحوالها المريرة التي ص39

–         كسنام يواجه فيض الصحراء ص43

–         عبر الصحراء باقفالها الاربعة ص69

الى جانب ان كلمة صحراء وظفها الشاعر انطلاقا من التعريف الاولي لمنطقة عروق الشيبة هذه المنطقة الخطيرة في شبه الجزيرة العربية فتراه يقول:

–         هكذا يسميها البدو، ذئاب الصحراء ص9

–         منعقد لواء العواصف لحظة هيجان الصحراء ص9

اما بالنسبة للرؤية فان هنالك الانطلاق من الغموض الذي يكتنفه نوع من الوضوح المعبر عنه في قول الشاعر:

بين ليلة وضحاها

اكتشفت انني ما زلت امشي

على اعتبار ان الليل رمز للغموض والخوف والغدر والمجهول، والضحى الذي يضم نوعا من الوضوح الى جانب رؤية المتاهة والسير المعبر عنهما في جمل داخل القصيدة.

–         اكتشفت انني ما زلت امشي

فهذا البيت الشعري دليل على العبور او السير من مكان الى آخر وتتماشى معه في ذلك مقاطع شعرية من قصائد عدة في هذا الديوان:

مطارح

في الليل … في الليل غالبا

اقتفي اثر البداة

بكلابهم النابحة على الحافة

ومواقدهم المرشوشة بالريبة

في جوف هذا الليل الموغل

في القدم

اقتفي اثرهم

لا اتبين الضوء الا على رؤوس اصابعي

هناك في الجروف البعيدة   ص13

ويقول ايضا:
الذين كانوا

كنتم تمرون على ايامنا

وتلامسون الزهر

ذلك الندى في الكلام

وتلك الاغاني

كنتم ذكرى قيامة للفرح

وافاقا تستحضر قتلاها

كلما جن الليل  ص47

ففعل المرور والعبور كان في الليل، اذ ان الشاعر يتتبع اثر البداة وسط ذلك الليل الموغل في القدم حيث ينعدم الضوء.

انتقل الآن الى نقطة اساسية وهي كيف يتشكل المكان انطلاقا من هذه القصيدة؟ أي “أودية وشعاب”.

ان الممارسة التشكيلية لهذه القصيدة تتمثل من خلال قول الشاعر:

لكني عرفت ان الضوء الشاحب

يتسلل من رسغي

خيط دم يصل الشعاب بوديانها الاولى….

فأي مكان كيفما كان نوعه بدون ضوء لا تستمر الحياة فيه لذلك فالقصيدة تحفل بأمثال من هذه المعطيات التشكيلية مثل النوم، السراب، جسد، شاحب، اذ ان الشاعر يمارس التشكيل انطلاقا من تقديمه لصور الاشياء والفضاءات معبرا ضمن ذلك عن معاناته بسبب سلطة المكان التي تمارس في حد ذاتها أما بعدا ايجابيا او سلبيا فبعده عنه يشكل ارقا وحيرة وقربه منه بمثابة دواء لجرح عميق. يقول الشاعر:

لا بريق مدينة يلوح

ولا سراب استراحة

هذا المقطع يظهر ميل الشاعر لتشكيل الصورة وهي صورة منطلقها الغموض اذ لا نور ولا ضوء يظهر. فالمسافر والمتنقل عموما حين يقترب من مدينة معينة قبل دخولها تتراءى له الانوار ببريقها اللامع لكن الرحبي وهو سائر في تخوم الصحراء لا بريق مدينة يظهر له، ولا حتى سراب استراحة اذ ان السراب له ارتباط بشدة العطش لكون الصحراء لا بريق مدينة يظهر له، ولا حتى سراب استراحة اذ ان السراب له ارتباط بشدة العطش لكون الصحراء يصعب الحصول فيها على قطرة ماء باستثناء الواحات، فالشاعر وهو يمشي يظن بان الماء قريب منه لكن في الحقيقة ذلك ما هو الا سراب اذ ان هذا الاخير يدل عموما على الخداع والغموض.

اما بالنسبة لكلمة ليل والتي تتكرر بكثرة في هذا الديوان فلا وجود لمكان بدون ليل ونهار، فهما يتعاقبان على المكان ليضفيا عليه النور والظلام، الاشراق والغموض ولعل الامثلة التي سنبينها تحدد هذه الهيمنة:

–         بين ليلة وضحاها ص10.

–         في الليلة الاخيرة التي تشبه قلبا ص11.

–         في هذه الليلة ص11.

–         في الليلة ابتكر حربا اخرى ص11.

–         في الليل … في الليل غالبا ص13.

–         في جوف هذا الليل الموغل ص13.

–         طلائع هذا الليل القادم           ص15.

–         ينهبون الليل والاحلام           ص16.

–         وفي الليل حين يأوي الى شجرته التي ص20.

–         ليل لا يمكنك ان تقطعه بمنشار ص21.

–         ليل ثعلبي المزاج                       ص21.

–         ليل غير قابل للاندحار          ص21.

–         ليل وعر                               ص21.

–         يضيء الليل                            ص24.

–         في ليل تحتضر بقاياه                   ص25.

–         والبكاء المر لسكارى منتصف الليل ص35.

–         ولا احد يعبر في هذه الليلة الملأى ص40.

–         كلما جن الليل ص47.

–         لم تهدأ العاصفة، هذه الليلة ص48.

–         في هذا الليل الضارب في القدم ص48.

–         الليل يزحف من وراء الزجاج ص51.

–         في ذلك الليل القصي من شبه الجزيرة.. ص53

–         العيون التي توقظنا حدقاتها في الليل ص59.

–         هذه الليلة ص71.

ان قصائد هذا الديوان ككل من الناحية التركيبية تميزها الاسترسالية فالشاعر وهو يبدع تعتريه ما يسمى باللحظة الاملأ كما يسميها سيد قطب فهو ينطلق من بداية القصيدة ثم يشرح هذه البداية تدقيقا، وتفصيلا حتى النهاية ويقول اشياء اثناء تجربته لا يستطيع ان يرى بانها ستوظف ولا يكتشف هذا الا عندما تكتمل تلك التركيبة العامة للقصيدة، ففي قصيدته “امام النافذة” يقول:

مأخوذا بجلبة الشارع

بداء الباعة وصراخ الشحاذين

والبكاء المر لسكارى منتصف الليل

الحوذي يجر عربته امام الغيم

والجزار يفقأ عين الضحية

بسكين يبزغ من يده ملتهما

مسافة المكان بين غرفتي وعنق

الخراف

فاذا دققنا النظر في الكلمات الموظفة في هذه القصيدة وغيرها من القصائد فهي تنتمي الى اللغة اليومية، لغة الذات لغة الجسد، لغة الاشياء المعتادة ففي هذا المقطع لم يتكلف الشاعر أي شيء اذ ان ما نظمه هو موجود مرئي، بصري سواء قوله جلبة الشارع، نداء الباعة، صراخ الشحاذين، بكاء سكارى منتصف الليل.

اذ ان الشاعرية في نظري في هذه القصيدة لا تظهر الا في قوله:

بسكين يبزغ من يده ملتهما

مسافة المكان بين غرفتي وعنق

الخراف.

وتستمر الشاعرية الى قوله:

كذلك الرعود وهي تنقر نافذة

بيتي ليل نهار مثل طيور الوادي

مبشرة بمقدم ضيف ربما لن أراه بعد اليوم

فالشعر عموما هون ضد الجاهز النمطي، ففي الشعر لابد من بذل مجهود كي تتحقق الشاعرية، ولا يتأتى الا من خلال ما يسمى بتلك اللحظة الاملأ، حيث يفرغ الشاعر كل ما يجيش في ذاتيته ووجدانيته ويتولد عنده ما يسمى بالرؤية وهذا لا يعني ان الرحبي ليس بشاعر متضلع، ما يهمنا هنا هو ابراز الجانب التركيبي الذي نهجه، فالى جانب أخذه بالظواهر أي السطحي، هناك الجانب الباطني الذي يتم استكناهه انطلاقا من قراءات وقراءات متعددة، كذلك من الادوات البلاغية التي وظفها الشاعر بكثرة في قصائد هذا الديوان هناك الاستعارة اذ انها في النص الشعري عموما تكون دائما هي الآلة التعبيرية المهيمنة فيه وكأمثلة على ذلك:

* الهث على رجلين غارقتين في النوم          ص10

* اصغي بين اضلعي . لزئير الاجداد           ص11

* واذ اعبر بارجل مثقلة بالنوم صخب الضواري

وفحيحها ، اتعثر باحشاء تمساح يشبه خريطة

مدينة لم أرها قبل اليوم                         ص28

* والاغاني تصعد من افواه بنات آوى

مطرزة بالنجوم                         ص40

* الليل يزحف من وراء الزجاج                ص51

هذه نماذج لبعض الاستعارات التي وظفها الشاعر في قصائده، فعموما الرجل لا تلهث اذ نقول الهث من شدة العطش وليس من شدة النوم.

وفي المقطع الثاني الذي يصف فيه الشاعر زئير اجداده، فالزئير ليس صفة للانسان بل هو صفة للحيوان وهو صوت الاسد خصوصا، وانما لكي يبين بان اجداده أقوياء يتصفون بالشجاعة والبسالة في الحروب.

أما قوله في ص28 بانه يعبر بأرجل مثقلة بالنوم صخب الضواري، ففي الحقيقة اللفظ المستعمل في غير ما وضع له هو ارجل اذ ان الرجل لا تكون مثقلة بالنوم لان النوم له ارتباط بالعين ومقرون بها.

وفحيحها، أتعثر باحشاء تمساح يشبه خريطة

مدينة لم أرها قبل اليوم

يتبين من خلال هذا البيت الشعري تلك الثقافة الصوفية التي تأثر بها الرحبي في طفولته الاولى، اذ ان الشعراء عامة هم مثاليون صوفيون يحاولون الوصول الى درجة أعلى من الكمال الروحي والتغلغل والتدقيق في وصف الاشياء، اذ من خلال هذا البيت تبرز تلك الغرائبية التي نعتت بها قصائد الرحبي والخيال الصخب لصاحبها، اذ ان الصورة التي جاء بها الرحبي في قوله ايضا:

–         والأغاني تصعد من أفواه بنات آوى

مطرزة بالنجوم

فهي عموما تكون مجسدة حاضرة اذ ان شكل النجمة كثيرا ما نجده في شكل مطرز وغيره من الاشكال الجمالية الاخرى اذ ان الغناء يصعد من أفواه بنات آوى وكأنه يشبه شكل النجوم، وهناك ميزة أخرى مهمة تخص الجانب التركيبي لقصائد هذا الديوان الا وهي خاصية الانسجام فقارئ هذه القصائد يرى بأن كلماتها تتميز بالانسجام، اذ انها مرتبطة بعضها بالبعض الآخر، بحيث تتضافر جميع عناصرها ومكوناتها النصية على بلورة عالم رمزي ضمن سياق دلالي فني متكامل معجميا وتركيبيا، كذلك فطبيعة السرد عامة ولغة الحديث اليومي خاصة تسهل عملية التأويل لوجود هذه الانسجامية.

وبخصوص الانسجام عامة فان محمد خطابي أعطاه أهمية بحيث يقول بأن الباحثين “رجي سايمت” و”شانك” يذهبان الى القول بان انسجام النص او اكتشاف القارئ او السامع لانسجام النص يتم عبر مرحلتين:

المرحلة الاولى: يقوم فيها المتلقي ببناء تصور للنص، أي اكتشاف ترابطات والعلاقات الداخلية التي تبني النص وتشد بعضه الى بعض، والمرحلة الثانية يتم فيها ادماج التصور في معرفة المتلقي للعالم، فحيث تقبل معرفة العالم التصور المبني للنص يكون هذا الاخير منسجما، وفي حالة عدم قبوله يحصل العكس، على ان التحليل كما قلنا يستحيل فيه الفصل بين المرحلتين، ذلك ان القارئ وهو يبني تصورا للنص يبنيه مستعينا بمعرفته للعالم وتجاربه السابقة ومعرفته الخلفية عموما.(8)

فهناك أمثلة متعددة تبين الانسجام الحاصل في قصائد هذا الديوان نأخذ على سبيل المثال القصيدة المعنونة (سليمة الازدي) يقول الشاعر فيها:

السهام التي انطلقت في بطن ذلك القفر المعتم

الغليظ العتمة، من قوس سليمة الازدي

باتجاه والده مالك

وباتجاه مقلة التاريخ

ليست سهام غدر وخيانة

بل سهام محبة

في ذلك الليل القصي من شبه الجزيرة…

لعل قارئ هذه القصيدة سيدرك للوهلة الاولى هذا الانسجام الحاصل في كلماتها ومفرداتها، اذ باستطاعته ان يتتبع مسار الحدث من أوله حتى آخره ليستشف بعد ذلك بأن سليمة الازدي قتل أباه لانه كان يظن بان احدا آخر هو الذي تسلل باتجاهه فكانت المفارقة المأساوية وقال والده مالك ابن فهم قصيدته المشهورة:

أعلمه الرماية كل يوم   فلما اشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي  ولما قال قافية هجاني

فالى جانب الانسجام هنالك الاتساق ويوجد خصوصا في العنوان الفني مقاطع وكمثال على ذلك:

اسطبلات خيل المقدوني

مهاميز الشيطان

عكاكيز الوراثة

قوس قزح مزمن أمام نافذتي

انطلاقا من مقاطع هذه القصيدة يتبين اللاانسجام الحاصل بين الكلمات الموظفة في هذا المقطع فالآخر المتمثل في قول الشاعر:

اسطبلات خيل المقدوني

والانا المتمثل في قوله قوس قزح مزمن امام نافذتي يخرق قاعدة الترابط لان دراسة جمل معينة يتبين لنا أما انها مقبولة، اقل مقبولية او عدم مقبوليتها والهدف من هذا كما بينه محمد خطابي، هو ان بعضها اما ان نجد فيه روابط او انه خال من الروابط ومن ثم فان الترابط لا يتوقف على وجود الروابط، كما ان عدم وجود الروابط لا يعني عدم الترابط، لذلك يطرح محمد خطابي سؤالا هو ما هي الشروط التي تحكم الترابط؟

يقول بان الباحث فان ديك يعتبر الشرط الاول هو العلاقة بين معاني الكلمات الواردة في الجمل لذلك فالترابط يتطلب شرطا أعم هو تعالق الوقائع التي تشير اليها القضايا وخضوعها لترتيب زمني وكذلك تعالق الامكنة.(9)

لذلك كما قال خطابي: “بان الاهم في النص الشعري هو الانسجام وليس الاتساق اذ ان الاتساق شيء معطى لا يصعب تتبعه في النص ومن ثم يسهل على القارئ ارجاع الضمير الى صاحبه والاشارة اليه وهلم جرا”.(10)

الى جانب كل من الانسجام والاتساق فالكلمات في قصائد الرحبي متشابكة كما الاغصان في غابة كثيفة فكرة تشد بتلابيب أخرى، وقد ساعد على ذلك نوعية المصطلحات المستقاة من الواقع المعيش، اذ ان الشاعر ينطلق في ابداعه عموما من الحاضر في اتجاه الماضي وينتهي بالحاضر، وخير دليل على ذلك القصيدة التي تحت عنوان “طيور هيتشكوك” يقول فيها:

الابواب تصر على الحركة

مقابضها واطرافها تفيض في أعماقي

كما لو أن الزوابع وجبتها اليومية، افسحت

المجال للطيور التي ستفترس السيدة

بقلب بارد

وكان بين هذه الابواب والاشجار

في الخارج

همهمة سماء توشك على الانتقام

الطيور تسترخي

عيونها تفتر عن غضب يلجم الهواء عن مسيرته

وبكسل حالم، أحيانا، يجعل منهن

شقيقات الغيب

فبالرغم من ان شعرية هذه القصيدة عالية بسبب كثرة الاستعارة التي وظفها الشاعر الا ان كل فكرة تشد بأخرى ومن ثم يسهل التأويل على المتلقي.

ان أي نص شعري يكون دائما صاحبه مسلحا بترسانة من المرجعيات، فبالنسبة لسيف الرحبي جاءت قصائده مشحونة بعدة مرجعيات دينية، وثقافية، وعلمية، وسياسية، والامثلة في الديوان كثيرة ومتنوعة يقول:

بين ليلة وضحاها

اكتشفت انني ما زلت امشي

ان المرجعية الدينية حاضرة وبقوة في هذه القصيدة فمن خلال هذا يتبين ان الشاعر له دراية كبيرة وعلم بالنص الديني، فبين ليلة وضحاها تحيل الى سورة الضحى، وفي المقطع الاول من العنوان الفني مقاطع يقول الشاعر:

اولاد آدم، وقبله ابليس

الاثنان ولدا من طوفان خطيئة   ص64

هذا المقطع بدوره يحيل الى مرجعية دينية محضة تحيل الى سورة البقرة (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم،فسجدوا الا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين). الآية34.

ويقول تعالى (وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فازلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع الى حين). آية 35-36.

فهذا الحضور للنص الديني يغني الابداع عموما ويعطيه نوعا من الصدق كذلك فالرحبي ملم بالشعر العربي القديم، أي الثقافة العربية الاصيلة يقول: على رجلين ثاويتين في النوم

هذا البيت يحيل الى قول الشاعر:

ثاو على صخر أصم فليتني             كنت كهذي الصخرة الصماء

اذ ان هذا الاقتباس والاخذ عن الشعر القديم يدل على الثقافة الموسوعية للشاعر وهو موجود منذ التأسيس الاولي للقصيدة العربية الحديثة، وهنالك كذلك المرجعية السياسية فهي حاضرة بشكل مكثف وخصوصا تلك التي تشير الى العنوان الفني مقاطع:

* رجل مبصر يقود قطيعة

نحو المتاهة             ص64

* عراقي ينحني ليلتقط تمرة

في مهب المنفى

ويتذكر تمر العراق

فهذه المرجعية السياسية تولدت لديه بسبب طبيعة عمله الصحفي فساعدته في الابداع الشعري خصوصا، فهي تشير الى الحالة التي اصبحت عليها الامة العربية والمصير الذي آلت اليه لتوالي الانكسارات والانهزامات منذ 1967، اذ ان الفترة التي نظمت فيها هذه القصائد وهي الفترة الممتدة بين 1990- 1992 كانت فيها الساحة العربية تعرف غليانا سياسيا بدءا بحرب الخليج 1991، وتوقفها ثماني سنوات ثم اشتعالها من جديد وما زال الوضع على ما هو عليه.

الى جانب هذا هنالك المرجعية العلمية وهذا يبين بان الشاعر لا تقتصر ثقافته على الجانب الادبي بل يتعداه الى ما هو علمي يقول: يقول العلماء:

تملك الشمس كميات من

الغاز الهيدروجيني يكفيها كي تعيش متلألئة

عشرة مليارات أخرى من السنين…

كم يلزم الانسان من المليارات

كي يغسل تاريخه من الوحل

ان النص الرحبي نص تغلب عليه الكآبة، والسخرية، والعزلة، بحيث ان قارئ قصائده جميعها لابد ان يستشف هذه الدلالات العامة والتي تشمل العديد من شعره، فبسبب الذل الفردي والجماعي الذي اصاب الامة العربية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، تولدت هذه الافكار واجتمعت لتكون لنا نصا جريحا.

فالديوان هو خزان لمجموعة قصائد، بقراءتها تظهر هذه الكآبة واضحة ومتجلية.. على سبيل المثال قول الشاعر في اصدقائه:

يحجزون المقاعد في الصباح

كي نشرب القهوة وندخن

لا يكاد يسطع الكلام من أفواههم

الا وتمتلئ الطالاوت

بالغياب                         ص17

ويقول في قصيدة أخرى:

” قبر هنري باربوس”

اغلق الباب وانظر من ثقب

عاصفة

الى الحشد البشري

واعرف، بعد قليل… ستنتقل المدبحة

بتفاصيلها

الى قلبي

فبعده عن أهله منذ طفولته الاولى جعله يعيش حالة من العزلة والوحدة، تعتبر محور تلاق لمجموعة من القصائد ايضا فتراه يقول:

رضيت بالوحدة كقدر

وتألفت مع قدري               ص57

ومن ثم فالعديد من قصائده يتحدث فيها عن وحدته وتخلي أعز الناس عنه الا وهم اصدقاؤه الذين نظم فيهم شعرا غزيرا يؤنبهم من خلاله ويحاسبهم على فعلهم الذي يتناقض تماما مع اخلاق الاصدقاء ويقول في قصيدة له بعنوان: “ذكرى الحاضر”

وحيدا, وخلف الجبال البعيدة في الذكرى

… سادرا ارقب المغيب

استهل هذا المقطع الشعري بالوحدة وهذا دليل على انه يعاني ويتألم من مسبباتها ومخلفاتها على شخصيته ونفسيته.

الى جانب كل الكآبة والعزلة وكي يضفي الشاعر على قصائده جمالية لابد من السخرية التي تعتبر أحد مضامين الشعر في هذا العهد، اذ انها عند الأدباء وبصفة عامة وكما قال محمود درويش، البكاء المبطن ظاهرها كلام وباطنها مرار، فالرحبي لم يسخر من موجودات هذا العالم الا عندما فقدت الأشياء معانيها وشعر بأن خللا باطنيا يحدث في العلاقات الاجتماعية وهي في نفس الوقت حنين وحلم الى وضع آخر وعالم آخر. يقول الشاعر:

النائحات في خضم الجنازة

غدا يزغردن في عرس القاتل

بدراهم معدودة

فهنا الشاعر ينتقد ويسخر من هذا التناقض الحاصل في العلاقات الاجتماعية التي يعتريها النفاق والتخلي عن كل ما هو معنوي لأجل دراهم معدودة.

الهوامش

1 – الشعر العربي الحديث- دراسة في المنجز النصي- رشيد يحياوي ص29.

2 – نفسه ص30.

3 – لسانيات النص- مدخل الى انسجام النص- محمد خطابي- المركز الثقافي العربي- الطبعة الاولى 1991 ص29.

4 – ابداع – مجلة الادب والفن – 1993- تصدر أول كل شهر ص9.

5 – سحر الموضوع عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر- الدكتور حميد الحمداني- منشورات دراسات سال 1990 مطبعة النجاح الجديدة.

6 – سحر الموضوع- الدكتور حميد الحمداني- منشورات دراسات سال ص32.

7 – ابداع مجلة الأدب والفن – فلسفة الطفولة مراد وهبة ص7.

8 – لسانيات النص- مدخل الى انسجام الخطاب- محمد خطابي- ص386.

9 – لسانيات النص – محمد خطابي: ص32 – 33.

10 – نفسه.