جديد الكاتب

رأس المسافر

لقد تعب الحائط من السفر…

عندما يمشي الجسد

في الظلام تغادره

روحهُ وتتحفزُ خطاه

م.ش

مدينةُ تسْتيقِظُ

تستيقظ آخر الليل،

تُلقي نظرة على الشارع الخالي، إلا

من أنفاس متقطعة، تعبره

بين الحين والآخر.

وحده النوم يمشي، متنزها بين

قبائله البربرية،

تتقدمه فرقة من الأقزام.

وهناك رؤوس وهمية تطل من النوافذ

على بقايا الثلج الملتصق بالحواف وكأنما

تطل على قسمتها الأخيرة في

ميراث الأجداد.

المصابيحُ تتدافع بالمناكب، قادمة

من كهوفٍ سحيقةٍ

لا تحمل أي سر.

السماء مقفرة من النجوم

الجمالُ تقطع الصحراء باحثة

عن خيام العشيرة

القطاراتُ تحلُم بالمسافرين.

لا أحد… لا شيء…

أغِلقِ الستارة

فربما لا تحتملُ

مشهد مدينةٍ تستيقظُ.

من الغرفة إلى المقهى

في الصباح عندما أستيقظ

يستيقظ العالمُ في رأسي،

بكائناته وزعيقه الذي يُهرس العظام.

أغادر غرفتي التي تشبه كهفاً مليئاً

بالقتلى

وأدلف المقهى،

أحدق ملياً في الفنجان الشبيه بأفعى

تسترخي في ظهيرة صيفية

وأفكر أنه فنجاني الأخير في هذه المدينة.

لكن النهار في أوله

وأنا قادم على حُروب وقبلاتٍ

أكتشفُ نكهتها بعد

قرون.

بخطوة الغيْب

ثمة ما يؤذن بإنفجار اللحظة

ثمة في الشارع امرأة تقطع القلب

بخطوة الغيب

ثمة قامةٌ تُشمر الساعد

عن خيانتها الكبرى.

طوفان الشكوك يجثم على

الصدر

وفي الليلة نفسها،

يفتحُ الرأسُ أبوابَهُ

مثل ثورٍ يدفع عاصفة نحو هجرتها

الأبدية.

كل هذا العمر

ثلاثون عاماً.. كلُ هذا العمر الذي

حَوَشْتُهُ من دهاليز الأجداد،

يفيضُ الآن على كتف الصحراء.

وأنهارها الجافة،

وفي شوارع أباحت هذا المساء

كلُ أسرار مزابلها الخاصة،

مضيت باحثاً عن ظل قدمي الذي

أضعْتُه في مُعترك الحضارات

ودكاكين الخُضار.

أجلس على مصطبةٍ  في الشارع

أكتبُ مسودة للحروب القادمة

وملاحظات حول طبيعة الطقس

السري لأحلام الرعاة

وعما قليل ألتقي بالمرأة التي فرغتْ

للتو من تقليم أظافر الكواكب

وجلست على ضوء الفق تستنطق أسرار

الغيب كسلة هواجس معلقةٍ

في زنزانة.

وأخيراً، وليس بأخير، أجلسُ على مصطبةٍ

أخرى، على بُعد ألف سنة ضوئيةٍ

من الأولى

أبحث عن ظل امرأةٍ لنْ ألقاهْ

بمناسبة العام الجديد

منذ أن تمطى جثتي نعيقُ

السنوات

وحلق الطائر الشتوي

في عُنقي،

انبرتْ أحداثُ سنتي الأولى،

سنة ميلادي،

نحو زرقة الأبد

مثل شاحنة غرقت باحتمالاتها

في لجة.

هجرةُ الأسلاف

من التفاتة ذئب أرى في ضحكته

هجرة الأسلاف، انفجرت هذه

الطرقُ التي لا ينامُ فيها المسافر إلا

ورأسه مسنود إلى مُعضلةٍ

وربما يحلم بعد كأس النبيذ أنه

راحل غداً

وأن شرايينه تتوزع في عيني

جائع، يتسلق صرخة احتجاج.

عبر المسافات التي أفرغت عواءها

في قلبه،

يهيمُون، يزحفُون جميعاً كالأفاعي

الجريحة

تتعثرُ في ذاكرة الشتاء

نحو المقاهي ذات الصدر الماسي

ذات الأضواء المركزة على أثداء

نساء تخرج الفصول كالجرذان

من أحلامهن الشبقة، وقف

الرجالُ، يرتقون شروخ النهار

الأحاديث برنينها الحائر كحجرٍ مقذوفٍ

إلى الخلف

النظراتُ، التي تجوس خرائب عابقة

بالذكرى

إذ ليس إلا حوافرُ الثأر

تحفر هذا الرأس المفتوح على

نهارات لا تنتهي،

نهارات تحملُ ثقْل ليْلها الموحش

وستختفي المرأة في رأسك

حالمةً، بريفٍ مُعلق من قدميه

في

فراغ

المدينة.

كل شيء لم يبدأ

كل شيء بدأ

كل شيء لم يبدأ

هكذا أبداً

تموت وعولُ النفس في

خضرة الصُّراخ

هكذا تندلع حروب تغرقُ فيها

سُفن الأفكار

وهكذا أيضا أحلم

أنني قائدُ أوركسترا

في جُزر

تشتعل فيها النيران

أحشاء الصباح

إلى يوسف سامي

الصباح يجرجرُ احشاءه تحت

قدم التيه

والمساء دائما تحت معطفك

عينا جاحظةً

وأخرى تراقب الغيم يسقُطُ

فوق الجبال

تسوقُ قطيع السنوات

بعصيان المحبة

وتحت الشّجر المضرّج بالغُروب

تجلسُ وحيداً

كشارع تلسعهُ افعى

بينما خطواتك المتعثرة بأحجار الألوهة

وأحلام لا تتحققُ

تنهمر على أوجه المارة

فلولَ لعنات.

في رؤياك الأخيرة: ((ابن عربي))

يسرق قبعة

من طفلة

ويتغذى من لهاث الشجر الطالع

من قعر المحيطات.

لكنك المنفيّ أبداً

وعلى بعد خطوات

من موتكْ

مسخُ

أيها الدمُ المتدفق من شريان

يمامةٍ

ومن قطيع الزراف الراكض

في خضم الغاب

يا دم الصرخة الأولى في بهيم البدء

دم السلطعون

ووحيد القرن

وقوافل النّمل التي ورثت

عرش سُليمان

حيثُ سقطتْ قناعةُ الأنبياء

في بطن سمكةٍ.

أيها الدم الأولُ

أعرفُ أنك دمي قبل أنْ يتشكّل

هذا المسخُ.

ذكرى

إلى والدي ناصر بن عيسى

كانا جبليْن تستريحُ بينهما صرخة

الرعاة

كانا منحوتينْ من بازلْت العناق،

على الذروة تُحلق طيور غاضبة ترمي

على السفوح بهمها المقدس،

ومن بين الضباب الأزرق، شاهدنا

زرد البحيرات يغْرقُ في ذهب المساء.

سعيدين بهذا الحُطام الذي تنهبهُ

الخيول بين حوافرها في تلك

الوهاد العصية حتى على النسر

الذي يبْحث فيها عن

أسراره،

والضبعة عن دواء لأطفالها.

الغيوم تلد التوقعات

ولا هواء يُطوح بالأفاعي التي

تحبلُ بها الظلمة الحادة.

صمْتُ الجهات

مطرُ الذكرى.

كانا جبلين منحوتين من بازلت القرون

يذوبان في رأس المسافر

مثل مجرةٍ سقطت بسكانها بالبحر

وكان اسمُهما ((لسان الطير)).

ديار الأحبة

ها هي رُعوم الانتقام تقصفُ

ديار الأحبة،

فتطير النوافذ والأبواب لآخر زقاقٍ في القارات

التي لم تكتشف بعد..

أدركنا ذلك حين شاهدنا

الذكريات تحوم فوق الأطلال

مثل ابتهالات

تقذفها

طيورُ ليلية.

القدم النرجسية

في الليلة نفسها التي لا تُحلق العقبان

فيها إلا على رؤوس

ضحاياها،

رحلت قدمٌ قرويّة المزاج

إلى حيثُ لا تنتهي الرحلة

بين أصابعها كانت الآفاقُ تتحرّك

مثل حشد نجوم تتهيأ للقفز

وفي ظلها الشبحي، فرش الحلمُ

ساحة تمرح فيها

الثعابين.

لم تكن وليدة تخطيطٍ ولا صدفةٍ

كاتن هكذا وحيدة

تطلق صرخة الضياع في

مهب القارات

مثل منارةٍ خلعت ضوءها للبحر.

وفي الطرف الأقصى لديجور

فحيحها، كان القلبُ يسكنُ

غابته السرية،

باحثا عن مرايا الأبد في حطام الذكرى

وفي المدن التي لا تتسع إلا لحديثٍ

عابرٍ، كانت الأرض مدلهمة

بالأقدام.

أقدام تتبع خيط المستقبل الواقعٍ

في مأزق الولادة.

أقدام آسيوية، إفريقية

أمازونية،

تحلم بالعودة وأخرى بالرحيل نحو

جُزر النّهب

أقدام تحشر أسلافها في زرقة

ليل يُشبه ذاكرة الغريق.

أقدام أو قدمي وحدي (ليكُن)

التي ولدت سرّها في

عرين النمر ليستشري في المدن

مثل شحّاذ مُصاب

بالسرطان.

القدم التي لا تستسيغ السعادة

إلا خلسة

وعلى حافة هاويةٍ.

وللقمر أيضاً قدمه النرجسية التي

ترفس الشمس

بغية احتلال الموكب،

يتجولُ القمر وحيدا، نراه بين حشدِ

الأقدام والرؤوس

مضيئا طرف الحانة

كما يضيء السجين في زنزانته

ولأُمِّي كانت قدمها التي تنوءُ

بثقل المذابح

قدم الكمثرى

وأنين المسافات.

لم أكن اعرف سر الأقدام،

حتى تربع النسر في عرشه الفظيع،

خالعا وتد النميمة في صرخة

الرعد.

ولأنيّ كنت المدعو لهذه الوليمة من

الأقدام والأدمغة المستفزّة،

غامرت بسمعتي الأخلاقية

لأكون سيّد المأدبة أو خادمها،

بحيث لا تنقضي الأرابة للوقوع

دوماً بين أسنان ذئبٍ.

أهكذا يبدأ المجوس رحيلهم

تاركين في كل طريقٍ أثرا لجريمةٍ

عذراء

وبقايا عشاء

يمتدّ حتى الأبدية.

مشهد مكرر

ما بين شارع الشهداء في الحيّ التاسع

و((السَّان ميشيل))،

تُحلق حكمة اليوم بأنفاق المترو.

الطيور تحتلُ الثكنات بصياحها العجيب

المهاجرون ينتظمون صفوفا أمام التفتيش

وصداع الرأس لا يأتي إلا بمزيدٍ

من المحبة للفئران.

مشهد عابر لامرأةٍ مغتصبةٍ

قرد يعوي،

تحيط به مجموعة فيلةٍ جُلبت خصيصاً من الهند،

بينما العُراة والسكارى يحتلون الحلبة

بشفاه يابسةٍ،

ممنطقين بزنار من الضفادع.

حفنةُ نجومٍ تهذي أمام المخرجِ

والسماء تلقحُ الأرض بمصلٍ جديدٍ.

تصل المقهى أخيراً

وكأنك اجتزت أرخبيلا خرافيا في نومك،

حيث تتركز نحوك نظراتُ الزبائن

والكلماتُ التي تحتدمُ فيها المصائر.

تنظر إلى الخارج:

القوارب ما زالت في مكانها

الأشجار تتمايلُ بفعل ريح خفيةٍ

والنهر الذي ابتلع قرونا، بدأ يلتهمُ هدوءه بعمقٍ.

وحين تكون راجعا إلى بيتك يتكرر نفس المشهدِ

مع زيادة خفيفة: فالرجالُ الملثمون الذين

يعترضون طريقك، ليسوا إلا ذئاباً طردها

البرد من الغابات.

سهرةٌ

كل شيء بانتظارهم:

الكؤوس والأدمغة وعناكب الرفوف،

والصالة وهي ترسمُ بلعابها المدعوين،

لتغطي بياض عُريها المائل للوحشة.

سَتنتزعُ مجد هذه الليلة من حنجرة الوقت.

الأبواب مشرعة منذ القدم، تدخل منها

ذئاب صغيرة، تشارك المدعوين

في الرقص

هنا في هذا المكان، اجتمعت هجرات كثيرة

أطلت من نوافذها البحرية، رؤوس دلافين.

في هذا المكان ذبلتْ مسافات كثيرة، يعرفها

سائقو القطارات

جيداً

في هذا المكان أمطرت سحب كثيرة

يعرفها القرويون

جيداً

وقدم الهستيريا قادت شعاب الذاكرة

في غلواء الليل.

ومن هذا المكان رحل الجميع الى بيوتهم، تاركين

ذئابا صغيرة تحدَّقُ في ديكور الصالة،

حيث الأغاني لا تزالُ

سكرانة، تدخن سيجارة

الغياب.

هل ثمة فرصةٍ للهرب؟

كل شيء يهرب من بين أيدينا

ويتسلل إلى جرح في قارةٍ مهجورةٍ

وفي الجرح تنامُ آلاف الجثث المخمرة

حيث لا أضواء ولا حنان افتقدُ غيابه.

وفي بوابة شتاءاته الكثيرة، حشرتني

الأقوام تحت مظلة الجريمة.

هل ثمة فرصة للهرب مع قراصنة ينامون

في الهدير؟

هل الجبال هي الجبال حين تستدعيها الذاكرة

إلى زقاق ترقص فيه الوعولُ والغزلان

التي نسيت روحها في وديان تخطط حتفها

كل لحظة؟

أين أنا من ذلك الصخب الذي

يخرِقُ أذن الحارة

كلما غطست في النوم؟

بحثا عن قطعة خبزٍ أو قماشٍ

في ليلة الخامس والعشرين من…

حيث كان الربيع يزفر موسيقى أحشائي

الناعمة، وحقول الطرقات في باريس

مرمية بين أضراس الخوف والمزابل التي

يضيع أطفال المشردين فيها بحثاً عن قطعة

خبز أو قماش.

وبعد أن قرأت فصلاً من ألف ليلة

وليلة، أدرت زر التلفزيون.. كان فيلماً

أميركيا وكان المشهد الأخيرُ الذي تُحرق

فيه جان دارك معكوفة على الصليب.

بعد ذلك أو قبله بقليل:

رأيت جمال الأسطورة تنيخ أحمال

ذكرياتها

على كتفي

رأيت ذئباً يتجول في تلة أفقٍ

بعيد أظنه رأسي.

رأيت أميّ تلدُ طفلا يبتسم لي بخبث،

لا تلبثُ أن تظهر بصقيع سيبيريا

تغني مع الرعيان والمجلودين وبمشهد

آخر ميتةً تحضن المجرات التي لا يعرف العلماءُ عنها شيئاً.

وعلى أي منقلب نحن تلاميذك

أيها البحر الذي يعتقل أمواجه بسبب

سيجارةٍ.

وجوه تطلعُ من السديم

حيثما تقعُ عينك على حديقةٍ

أو مبنى أو إنسان،

يشتعلُ فيه شبقُ الحريقِ

حيثما تهيمُ على وجهك ضائعاً

في الدروب والأزقة، تستحيلُ

إلى طفلٍ يقذفُ أمعاءه في الرصيف

لقد نسيك الجميع إلا روحهُ

يظل ساهرا بين

حنايا عظامك القصديرية،

حيث تتناوب الفصول على

أبوابها الكثيرة.

هل تتبع خطوات حذاء يتجولُ

في أعماقك؟

أم تمضي الى شارع آخرأو

كتاب يتحدثُ عن

انتحار فيلسوفٍ

في مبغى؟

لتلم كلماتك

المبعثرة في

وجوه الطْلع

دوما من السديم

فعما قليلٍ يأخذ المدعوون طريقهم إلى الموت.

مرايا القفار

في القطارات التي تحملني دائماً

إلى البعيد

وعبر مرايا قفار أفقية، نزقةٍ

لا أكادُ أتعرفُ

على وجهي الذي

خمشته طيور الهجرة.

لكني حين أنزعُ قُفازات الرؤية

عن حدقة الظلام

وفي الأنفاق السحيقة

للألم الإنساني،

أتجشم المسير ثانية

لعلي أرى ما لا تراه عين الصوفيّ

أو السندباد

[لؤلؤة أو امرأة

أو فكرة]

أو العدم الذي

تجرف وديانهُ

الجميع لحظة

صحو زائلٍ.

نجمةُ الأعاصير

ليس ما يجعل الصباح نديا هذا اليوم،

غير ذلك الانبجاس الخفيّ لهياج الروح،

متربعة في صحنها القمريّ

غير هذا التلعثمُ في وجْنة النحاس.

امرأة تحرق عشب القارات

لتضيء نجم الشكيمة المتدليّ

مثل نية انتقام لسماء مدلهمة.

تقطع ذراع الفجر من أجل ظلها الهارب

في مغارة الأبعاد

تستجلي لآليء الشك

في مركبة البرق

فكأنما الرعودُ طرائدُ لأحلامها

الليلية،

لا شيء يستثنى من قبضة ومضها،

المستفز حتى

مكان السرة النابت

في مقبرةٍ

بجبال الهملايا.

سعيدةً أحياناً سعادة المبدع باكتمالِ

قصيدةٍ

أو سعادة النسر بالتهام ذروةٍ

جبليّة

وحزينة، ربما كان ذلك

حين تدخل ريح الجنوب إلى رأسها

المخضّب بعواء

المقاهي والقطارات

ترنو من وراء النوافذ والأسلاك

إلى

عيني ضبع مُسن

لتعرف اتجاه الأعاصير

وتستدير، استدارة شمس

في ليلتها الأبدية.

غيمةُ جنس تجأر بالفضيحة

ومنارة هذيان لأجيال تلفت

منذ قرونٍ

لا شيء يرحل عن مدى ناظرها

إلا وتحصده بفأس النبوءة،

النبوءة التي تتنزه في شرايينها

مثل ضبّ يتنزهُ

في مغارة الليل

تفركُ عينيها المرهقتين من سفر

الأيام الطويلة، حيث كان البدو

يحدَّقون فوق أحصنتهم وهي

تتوارى خلف زجاج الأفق

وتسقط مثل نيزكٍ في شواطئ

مجهولةٍ.

محاولات فاشلة

حاول أن يعصر عظامه في قصيدةٍ

حاول أن يدفع لياليه الموحشة إلى المقصلة.

لا يمكنه النوم لا يمكنه الكتابة

لا يمكنه اليقظة.

أشباحه تتقدّم إلى الغرفة و

تتمدد على السريرٍ.

صقور ترعى في عينيه بمسرةٍ

قرية بكاملها ترتجف في أحشائه

وجد نفسه جنديا في حروب لا علاقة له بها

وجد نفسه مايسترو لجيش من المتسكعين.

وربما لم يجد شيئاً، عدا رماد ايامه

المقبلة

وحين أيقن أن لا فائدة حمل بندقيته

وبرصاصةٍ واحدة ٍ سقط الفضاء

صريعا في الغابة.

قصيدة حبّ إلى ((مطرح))

حين تمددت لأول مرة على شاطئك

الذي يشبه قلبا، نبضاته منارات

ترعى قطعانَها في جبالك الممتدة

عبر البحر.

أطلقُ بين مقلتيك منجنيق طفولتي

وأصطاد نورساً تائها في زعيق

السُفن.

نجومك أميرات الفراغ

وفي ليل عُربك الغريب تضيئين

الشموع لضحاياك كي تنيري

طريقهم للهاوية.

أبعثر طيورك البحرية لأظل

وحيداً. أصغي إلى

طفولة نبضك المنبثق من

ضفاف مجهولة،

تمزق عواصفها أشرعة

المراكب

كم من القراصنة سفحوا أمجادهم

على شواطئك

المكتظة بنزيف الغربان

كم من التجار والغزاة

عبروك في الحلم

كم من الأطفال منحوك جنونهم

مثل ليلة بهيجةٍ

لعيد ميلاد غامض؟

القرويون أتوك من قراهم،

حاملين معهم صيفاً من الذكريات.

مطرح الأعياد القزحيّة البسيطة

والأمنيات المخمرة في الجرار،

الدنيا ذهبت بنا بعيداً

وأنت ما زلت تتسلقين أسوارك القديمة.

وما بين الطاحونة و((المثعابْ)).

يتقيأ الحطابون صباحات كاملة،

صباحات يطويها النسيانُ سريعاً.

هذه القلاع بقيت هكذا تحاورُ

أشباحاً في مخيّلة طفل، حيث

بناتُ آوى يتجولْن جريحاتٍ

بين ظلالها كموت مُحتمل

وحيث كنا نرى عبر مسافة قصيرةٍ

ثعباناً يخْتن جبلا في مغارة

لم أنسك بعد كل رحلاتي اللعينة

لم أنس صياديك وبرصاك النائمين

بين الأشجار.

حين تمددت لأول مرةٍ

كان البحر يشبه أيقونةً

في كف عفريت

لأنه كان بحرا حقيقياً يسرح زبده

في هضاب نساء يحلُمن بالرحيل

حين تمددتُ لأول مرةٍ

ÿÿont face=”Arabrm Transparent” si 4″ color=”#FFFFFF”> لم أكن اعرف شيئاً عدا

ارتجافة عصفورٍ

في خصرك

الصغير

ليلة أخرى

سأنام وأترك كل شيء للريح

النابحة أمام بابي

سأترك القلم والسجائر والمنفضة

الملأى بفيالق المغول وهم

يغتصبون السبايا في

مدن الذاكرة

سأنام وأترك كل شيء للريح

والمطر الراعدُ وهو يقْرعُ نافذتي

طوال الليل ويتسلل إلى نومي

مثل كابوسٍ هائجٍ أو رحمةٍ إلهيةٍ.

رسالة

الفجرُ ينتشر في غرفتي كذئبٍ.

يتقدمه زحف عوائه نحو

قرية مهجورة.

الفجر يفرض لياليه ثقيلاً بارداً،

والساعة تزأر مثل لبؤةٍ في

مُستنقعات بعيدة،

يُعربد صداها في الرأس.

الفجرُ هذه الليلة هكذا

وأنت غائبةُ عن السرير.

بائعة فطائر

دائماً أقطعُ الطريق المؤدي إليها

وهي ترمق صباحاً يطلع من رأس

بُحيرةٍ،

بينما كلبُ المقهى يزداد نباحهُ

كأنما حدأة ستمزق مضجع الحارة بعد قليل.

الشاحناتُ عبرتْ في اللحظة حدبة الجسور

لتستوطن قلبَ مشردٍ (خاصَّة وقت النومِ)

أراها تهرش اللحم كالطيور الجارحة

وتختفي في أزقة الشرايين.

لكن المطر لا يزال ينزل أمام دُكانها وهي

ترتب الفطائر بهلوسات ملاكٍ.

* فطيرةُ واحدةُ.

– 4 فرنكات.

وتختفي الشاحنات والنباح في

أنفاق المترو، أستمعُ

إلى عازف ((الجاز)) الذي لم يعد يتحدثُ

عن أية أحلام.

((كلوشار)) نائمُ، بين تعاريج صرخاته،

أرى قطيعاً من الثيران

الوحشية

تتدفق على الشوارع المأهولة بالقتلى

تاركة

بصمة الزمان.

البراءة الأولى

براءة الخطوة الأولى،

بالبراءة نفسها

تقمصتُ ملاك أوهامي

وذهبتُ نحو المرأة التي أنقذفتْ

دهور وجدْها في رأسي

نحو المرأة التي أحب.

كان الليلُ يتكوّر مثل قتيل في الحانةِ

والشارعُ يتلوى جوعاً باحثاً عن

فريسةٍ، تخترقه بين الفترة والأخرى

جلبةُ قطارات تشبه لغط ذئاب

في صحراء، أو هلوسات جيش يحتضرُ

كنت أعبر الرصيف نحو الضوء

الذي انفجر فجاة من تحت أضلعي

شارداً في أزقة الذكرى حيث

يتسكع السكارى والمشعوذون

على ضوء الشموع التي أوقدتها

المرأةُ، التي دوّختني عبر

القرونِ

أصعدُ السلم الخشبي الذي طالما

تدحرجتْ في ثنياته كل طفولةِ

أيامنا المعّشبة.

وكما في قصص ((الجنيات)) ينفتح

البابُ، يقودني ضوءُ أضلعي الشاحبُ،

وبجرأة عاشق وحيد يهوي وسط

ظلال الأساطير على سرير الملكة.

وبالبراءة الأولى، براءة الحُلم التي تلمعُ

في الليل مثل بريق شفرةٍ لم تستعملْ،

صرختُ ((إن ما أحضنه كان جثماناً

للمرأة الغابرة)).

زورق في المغيب

وأنت هنا أو هناك

لا يجب أن تلتفت كثيراً الى الخلف،

الغيومُ المقذوفةُ على كتفيك

من النوافذ،

تشبه نظرات امرأةٍ

رأيتُها قبل قليل في الحانة

والطرقات المليئةُ وقد

تركها أصحابها مع الفجر،

ذاهبين إلى الحرب،

وأنت هنا، محدقاً في الطيور

التي تحمل في مناقيرها العواصف، اعوجاجُ

لا تنقصهُ الاستقامةُ

غرابُ يتقمص هيئة عصفور بلا واسطة.

وأنت هنا أو هناك

جالساً أو ماشياً

فوق الجبالِ أو في أسفل السفوح

حيث البراكينُ، نشوى، تزغردُ

في أعراس المدن

هكذا أنت:

خطوةٌ وحيدةٌ تدحرج زورقاً

في المغيب.

النّوم

كل صباحٍ حين تنهضُ من نومك

الضارب في القدمْ،

تفتحُ نافذةَ

تدخل منها موسيقى

ورجال يحملون على أكتافهم

قوارب

تسطعُ فوقها شمسٌ مريضةٌ.

وكان الجميعُ مربوطا

بقدم العاصفةِ

التي تُرتب نوايا رحيلها

في نومك

الذي لم تستيقظْ منه بعدُ.

النافذة مفتوحةُ، وأنت

تقتلعُ رؤوساً

بشريةَ

تظهر على شكل

نُجوم

في فنجان القهوة.

لحظاتُ

وستغيب في زحام الشارع.