جديد الكاتب

دمشق الأصدقاء

شكلت دمشق بالنسبة لي نقطة انطلاق أساسيّة نحو العالم شعراً ومخيّلة وفي صميم التكوين الوجداني والعاطفي، الذي يمدَّ الكائن مع مرور العمر وتقدم الزمن، بتلك الحيويّة الروحية وذلك الزخم الإنساني الذي لا ينضب إلا مع الانطفاء النهائي والتلاشي.
دمشق محطة أساسيّة في مساري الشعري والإنساني حيث شكلت لي وللكثير من أبناء جيلي العربي عبر سنين من الإقامة، حاضنةً وملاذاً في ذلك العمر المبكر حيث توهج العشرينيات في مطلعها.
هذا العمر الذي أخذ يبتعد سريعاً لكن المكان الدمشقي والسوريّ عامة بطبقات روحه عبر الأزمان وبحيواته العصيّة من فرط رهافتها وجمالها، لا يبتعد ويبقى ملهماً للأدب والشعر في سبيل إنسانية أفضل.
لا أتطرق في هذه الإشارة الى دمشق السجال الثقافي والفني بأساليبه وتعبيراته المتصارعة الرؤى والأفكار في تلك الفترة، وإنما اكتفي بما جادت به الذاكرة من بعض مواقف حميمة وذكريات ثرّة لا تزيدها الأيام إلا نضارة وتجدداً.
كانت البدايات الشعريّة والكتابيّة بمعنى النشر والظهور على صفحات الصحف والمجلات داخل سوريا وخارجها.. وأول ديوانين صدرا لي كانا في دمشق، كانت الانطلاقة الفعليّة في بعدها الواقعي والرمزي.
ومنها ترحلت نحو بلدان أخرى في أوروبا الاشتراكيّة آنذاك مثل بلغاريا وعربية مثل الجزائر وغيرها.
أتذكر كنا نأخذ من حلب القطارات البطيئة التي تصل بعد أيام الى اسطنبول.. وأحيانا الباخرة من اللاذقية، منطلقين نحو آفاق مجهولة تماماً بالنسبة لي، منتشين بلذة الكشف وشعريّة الإشراق.
كانت دمشق المرجع المكاني الذي يلم شتاتنا المبعثر في الأنحاء المختلفة.
يأتي هذا في سياق المجيء لأول مرة إليها، حين ضاقت بنا سبُل الحياة والمعيش ضمن معطيات تلك المرحلة.. حين كنا نعيش في القاهرة أولاداً حالمين فكرياً وسياسياً وشعرياً.. القاهرة تلك المدينة المدهشة التي قضيت فيها زمن الطفولة والدراسة والإرهاصات الأولى لما سيكونه الكائن لاحقاً..
استمر هذا السياق القاهري الحالم الجميل، حتى الزيارة الشهيرة للرئيس المصري الراحل الى اسرائيل، التي دفعت بهاجس الرحيل القسْري والطوعي باتجاه بلاد الشام.
هذه الإشارة التاريخية لا تروم توَسِّل الأحداث المفصليّة، في التاريخ لإضفاء أهمية ما، لكن هذا ما حصل بالفعل..
أتذكر حين جئت دمشق لأول مرة عبر بغداد، بعد فترة عمل قصيرة في الإمارات. وصلت متعبا حد الإنهيار إلى عنوان الأصدقاء العُمانيين والبحرينيين في حي (ركن الدين) بالقرب من ساحة (شمدين).
فلم أجد أحداً، فرشت حقيبتي وتهاويتُ عليها مغمض العينين بين النوم واليقظة المترقبة، حتى جاء من يوقظني.. ليس الأصدقاء الذين كنت قاصدهم وإنما جيرانهم في الشقة المقابلة من السوريين الذين استضافوني حتى عودتهم من خارج دمشق..
كانت تلك لمسة الكرم الأولى، الذي سيغمرني لاحقاً وأعيش فضاءه الصداقي الشاسع.
كانت دمشق تعج بالوافدين إليها من العرب، من البلدان المغاربية حتى مصر وبلدان الجزيرة والخليج العربي سياسيين وأدباء وطلبة ، استمرت علاقتي بالكثير منهم حتى اللحظة الراهنة.
من حسن حظي أن أصدقاء تلك المرحلة الفاعلين ثقافيا وإبداعيا في البرهة الراهنة، ما زالوا على قيد الحياة.. يبدو أننا لم نتقدم في العمر نحو النهاية الحتميّة بما فيه الكفاية، رغم هول الزمن وثقل خطاه المريعة..
من حسن الحظ أن معظمهم لم تصبه صروف الأيام بالفتك النهائي والأذى، عدا البعض الذي غادر في مقتبل العمر، مثل رياض الصالح الحسين ودعد حدّاد. ذلك النوع من الموت “الذي لا يغتفر” مثلما يصفه نيتشه.
أكرر أن من حسن الطالع وجود الأصدقاء في سوريا وخارجها، لأن الحياة من غير ذكريات مشتركة مع أناس نشاطرهم هذه الذكريات تغدو مضجرة وقاحلة حدَّ الإستحالة، خاصة في أزمنة الإنحدار القيميّ وضمور الروح، أزمنة الفظاظة والإستهلاك التي نعيشها من سوء الطالع ونكبته إذا كان هناك ما هو نقيض ذلك، خارج الطفولة والذاكرة والحنين.
رغم أننا أصبحنا غرباء في كل الأماكن والبلدان، لكن ومض الذاكرة الصداقيّة الحميمة، ما يفتأ يمدنا بذخيرته الخفيّة للتجدّد والاستمرار.