جديد الكاتب

خمسون عاما على تأسيس مجلة “شعر”

خمسون عاما مرت على تأسيس مجلة “شعر” الطليعية في التحديث الادبي والتجديد هذه الخمسون هي عمر الجيل اللاحق على ذلك الجيل التأسيسي الذي واصل حفريات البحث لمن سبقوه، بجرأة ومغامرة، اجترحت تلك الثغرة الحادة في الادب واللغة العربيين عبر اراض سكونية وعرة من الانكفاء على الماضي بقداسة انماطه وقوالبها الجاهزة.
خمسون عاما ليست عادية، انها أرخبيل أزمنة ضوئية متراكمة من الأحداث والتحولات الكبرى في الوعي والمعرفة والتاريخ.
عالميا، ما زالت آثار المجزرة الكونية وجراحاتها الغائرة، وتشكيل خارطة القوى الجديدة والافكار والعلوم والاشكال للحقبة اللاحقة اوروبيا وعالميا.
وعربيا، لم يمض على قيام الدولة العبرية الا سنوات قليلة، وكانت الأرض العربية على حافة زلزال من الطموحات الثورية والانقلابات والمشاريع والغضب على الاوضاع القائمة والموروثة من الحقبة الاستعمارية بأنظمتها الثيوقراطية التي أوشكت على الانقراض والافول أمام زحف الافكار والاحلام الجديدة.
فترة التوترات والغليان مندفعة كالصاعقة، وما هو ثوري وتقدمي في السياسة، محافظ حد الرجعية في جبهة الادب والافكار المؤدلجة التي من فرط أدلجتها الدوغمائية تتبنى اليقين اللاحق بالغاء الوعي النقدي المخالف والغاء اي تعددية ممكنة محل اليقين السابق المذموم والمنهار.
في هذا الجو الزلزالي على كافة الاصعدة تأسست مجلة “شعر” اللبنانية العربية عبر طليعتها المتنوعة المشارب والافكار لكنها المنحازة دائما الى التجديد الادبي والفكري الطليعي الذي تمور به تلك المرحلة عالميا. والى تحطيم كافة أشكال التابو وفتح المجال شاسعا للتجريب والتيه والابتكار، في اللغة والرؤى.
كانت الحرية هي كلمة السر الجامعة بين أفراد ذلك الفريق التأسيسي للمجلة الذي ذهب به الطموح الابداعي المشروع والمنطقي، الجنوني العاصف الى اقتحام المرحلة الجديدة في الادب والشعر العربيين والتي تقف على عتبة الانعطافات الاساسية في تاريخ الادب، او هي في العمق منها.
***
كانت مجموعة “شعر” ورمزها القيادي يوسف الخال بشخصيتها المتسامحة المقنعة ونزوعه الأبوي “بالمعنى الحر” والرسالي كما عرفته عن قرب وان في فترة متأخرة من تلك المرحلة. كانت المجموعة المتحلقة حول المجلة تعي ان المناخ الادبي مشبع بعناصر التحول حتى الانفجار، فأطلق شرارة هذا التحول الذؤي سيصيب البنية الشعرية والثقافية العربية في الصميم كما تعيش نتائجه البرهة الراهنة. كانت “شعر” مسكونة في الهم الادبي والابداعي مبتعدة في حدود الممكن عن الاستقطابات الايديولوجية التي تعج وتفيض بها المرحلة برمتها. عكس مجلة “الآداب” ومنابر أخرى لعبت دورا أساسيا في هذا السياق، اذ كان وضوح التوجه القومي السياسي بتنظيراته وشعاراته وأهدافه عالي النبرة والخطاب.
لكن من يستطيع الزعم ان “شعر” بتبنيها أكثر للخطاب الشعري والثقافي كانت بعيدة عن ذلك التوجه في الكثير من عناصرها كما يقول خصومها الذين ذهب بهم الاتهام والتخوين الى حدود غير ديمقراطية ولا منطقية كعنصر من سمات تلك المرحلة الكاسحة بالهواجس والاحترابات النظرية تجاه كل ما هو مفارق ومخالف اذ تحول الخطاب اليساري القومي والماركسي، على نبل اهدافه، الى سد منيع لا يأتيه الشك حول المستقل المفروش بجثث وزهور الثورة القادمة لا محالة.
***
نحن الجيل الذي وصل الآن الى الخمسين من عمره، وهو عام تأسيس تلك المجلة الرائدة التي أضاءت مع غيرها، الكثير من دربنا الأدبي والحياتي المثخن بالجراحات والحروب وكافة انواع الشتات والتصدع والانهيار.
نحدق في تلك السنوات وكأنما على شفا هاوية قيامية ستجرف الجميع الى حلقات اعماقها السحيقة. كم من المشاريع والاحلام والثورات انكسرت بداية الطريق او منتصفه لا فرق. كم من المفاهيم والتنظيرات الواثقة استحالت الى غبار وحطام؟. كم من الحروب والمجازر العبثية المجانية التي ما زال اوارها يشعل على الارض العربية ويلتهم اليابس والاخضر إن مازال من بقايا لهذا الأخير. لبنان الذي تأسست على أرضه تلك المنابر والطموحات والمفاهيم نال قسطه الاكبر وما زالت الاحتمالات مفتوحة على صحارى القسوة والضياع.
ماذا تبقى في وعينا وكتابتنا من مجلة “شعر” محاولة الإجابة تحتاج إلى بحث اكثر تمعنا من هذه العجالة. لكن هناك الكثير مما تحبل به وتعيشه لحظة الكتابة العربية الراهنة. كانت “شعر” سباقة الى طرحه عبر الترجمة والابداع. اشكال تعبيرية كان طرحها مستهجنا كقصيدة النثر وغيرها اصبحت الآن الخيثار الأوسع في الساحة العربية. هذا لا يعني بالطبع عصمة الاطروحة لكن ليس من غير دلالة حقيقية. وربما الخيار الابداعي والجمالي الذي تمسكت به “شعر” للتغيير وجافت من أجله السياسة باشكالها السائدة المباشرة، اصبح الان ما يشبه طريق حياة ووجود في ظل الحصر الطائفي والتهريج المفتوح على مصراعيه الذي انحطت بسببه السياسة إلى أرذل السلم المعرفي وادناه. حين نقرأ المشهد الشعري والثقافي العربي الراهن نقرأ عناصر التأثير لمجلة “شعر” بإيجابها وسلبها اذ ان هذا الاخير جزء عضوي في أي تأسيس أو مغامرة. ويبقى الكثير أمام الزمن الذي من غير رحمة يكتسح الافكار والاجساد والجماد. “شعر” في قلب أي سجال ثقافي عربي عبر ذلك الارخبيل المهول من السنين وعبر المستقبل.

 

 
1