جديد الكاتب

حول المشهد الثقافي العماني وحزمة الأوهام الجميلة

يتضح المشهد الثقافي العماني، شعرا وبحثا وسردا في بعض نتاجاته عن تلك الروح الباحثة وسط المنجز المتحقق عربيا وعالميا، عن ملامح هوية ابداعية خاصة. واذا كان القديم حقق هذا البحث عبر تراكم الأزمنة والنتاجات في مجالات مختلفة، فالجديد يتوسل طرائقه في الوصول الى صوته وهويته الابداعية، ليس على خطي الماضي وعلى ضوء معيارها الصارم، لكن عبرها وفق ما يقتضيه شرط المعيش والراهن. رغم الأخطاء والعثرات الكثيرة التي تصاحب عادة كل ابحار جديد في الكتابة كما في الحياة.

التغيرات والتصدعات التي أصابت بنية المفاهيم والتصورات في الكتابة والحياة عالميا وعربيا، أهما بت بالضرورة البنية العمانية في السميم، كونها جزءا من هذا العصر وتقلباته وعواصفه.

تبدو الرحلة شاقة ومليئة بالهرام، اذا عرفنا أن العماني جاء الى العصر و”حداثاته ” وانشطاراته متأخرا نسبيا حتى عن أقرانه وأبناء جلدته.. هناك بحث دائب ولاهث عن هوية إبداعه وصوته وسط هذه الجلبة الكونية التي تضيع في تضاعيفها وأنفاقها هويات الشعوب والوجوه والا بداعات تحت يافطات أوهام كالكونية والعالمية و… كما يرؤج الكثير هذه المفاهيم التي لم تستوعب في منطقتنا، وأخذت على نحو سطحي، كما أخذ مفهوم “الهوية ” والخصوصية في سياق النظرة الضيقة الى الخصائص والهويات التي هي ليست ماهيات ثابتة. والنظر اليها في ضوء هذا التغير الذي يعصف بالعالم، في الاصطدام “بالأخر” والتفاعل معه، هذا “الآخر ” الذي يواصل حتمية الهيمنة المطلقة على المصائر الى زمن يطول أو يقصر.

عبر البحث في المناطق الوعرة للمعرفة واللغة والحياة الذي توارثه العماني عن أسلافه وقدمائه، أولئك الأسلاف الذين أبدعوا رحيق فكر فريد وسط شروط حياة قاسية _ شجرة الانساب الروحية للبحث هزأ، يمكن اكتشاف الصوت الخاص القادم من فجاج القرون كما هو قادم من أعماق الراهن والمعيش.

عبر هذه المناطق وليس عبر الاستسهال والتطفل الثقافي أو افتعال المواقف والهذر الكلامي، باسم “الحداثة “، الذي يمس مقدسات الناس، ويعتدى على مناطق شعورهم العقائدي والقيمي.

عبر هذا البحث يمكن للابداعات العمانية أن تحظي باحترام الآخر واعترافه الذي تفرضه قوة الابداع والمكابدة والتميز. وفي المسار نفسه لابد من ارتباط الأدب بمكانه واطاره الروحي الجغرافي والتراثي، وتأصيله إبداعيا بهذه المناصر، كي ينقذ نفسه من الانسحاق تحت سطوة النموذج وسحره كما نرى في كتابات كثيرة. التراث العماني في مختلف تجلياته وعصوره، إذ فهمناه عبر وعي نقدي، معين لا ينضب لمدنا بضياء الجذور وعمقها وطرائها. نستلهم رموزه التاريخية والأسطورية ونستلهم طقوسه وتضاريس مكانه ومتخيله الجمعي. هذا المتخيل وهذه الطبيعة <بمناف ادما المكانية والزمانية التي تصل هد الغرابة والادهاش لـ “ميتافيزيقيا المكان ” تشكر مادة خاما، غنية للكاتب والفنان وكذلك الجيولوجي والرحالة. يملؤها بشواغله وهواجسه، وتتحول الى محور لانشغالات الابداع وأسئلة الوجود. وهي طبيعة بكر، صافية. طاغية في حضورها حد القسوة والتدمير. لكن في ثنايا هذه القسوة، ثمة شجر، ثمة عشب ندي ورقيق ينتزع حياته من براثن بحر صخري هادر. أو صحراء تاه الأدلة في تخومها وكثبانها. ومحيطات وبحار يجثم موجها في ليل المنتيلة : لنتأمل شجرة الأثل في الاودية الجافة إلا من بقايا مسيل قديم. حفنة النخل في نحر الجبل المأهول بالجوارح والوحشة. ربما أكثر إثارة للخيال وأكثر تمثيلا لروح إنسان العصر، رغم الفوارق التي تبدو أسطورية في اتساعها، هذه الروح المشروحة في العمق والمستوحشة رغم انغراسها وسط حشود التكنولوجيا وأدواتها والصخب الجماعي الكبير. ألم يتحدث “نيتشه ” عن الكتابة، تلك المسكونة بفحيح الصحراء وجذور العزلة. ربما هي أكثر إثارة وتمثيلا من غابات المدن الكبيرة المفعمة بمظاهر الجمال والراحة. إن هذه الأخيرة كرسها الوعي الأوروبي السائد كنموذج وحيد للجمال يحتذى ويقلد وما عداه قبيح وفظ. عين الفنان الحقيقي تعرف كيف تفوفد الجمال من تلك الفظاظة وتلك الوحشة وذلك السديم البعيد.

هناك أيضا على صعيد المعيش الطبيعة الاجتماعية ذات السمات الانتقالية والتحولية عبر مراحل التاريخ، تغري بالبحث والكتابة والرصد.

هناك البحث المعرفي الذي يمني قدما في اضاءة التراث العماني ودرسه في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الانسانية فهذه المعرفة التراثية إذا درست وقدمت بشكل مقنع بعيد عن العشوائية التي طبعت الكثير من التحقيقات الخاطئة التي أساءت الى الكتابة الأصلية أيما اساءة. إذا ما تحقق ذلك يشكل اضافة حيوية للثقافة العربية. والقيام بهذا الحفر في ثقافة التراث المنتشرة ليس في عمان فحسب وانما في امتداداتها التاريخية منى افريقيا وشرقها خاصة. وما قدمه في الفترة الأخيرة كل من عبدالله الحراصي ومحسن الكندي وعبد الملك الهنائي ومحمد المحروقي ومحمد البلوشي وعبدالرحمن السالمي وشريفة اليحيائي وهلال الحجري وآخرون- مثالأ لا حصرا -نموذج لهذا الاستقصاء والحفر والتوثيق.

بهذا المعنى ليس التراث استعادة فلكلورية وانما إعادة خلق وتجديد وابتكار، وهذا ما نشاهد ملامحه الأولى في الجيل العماني الجديد عبر جامعة السلطان قابوس وأفراد ومؤسسات أخرى، نتمنى تفعيلها وتكاتفها للقيام بهذا العب ء الحضاري الصعب. وليس تركها هكذا واجهات تصفر فيها الريح ويرتادها اللاعبون للتسلية والندوات الموسمية.

ليس هناك تحديث أو تجديد في الأدب وغيره الا عبر هذا التواصل الخلاق مع الجذور والينابيع. وما أحوجنا في أفق هذا العصر المدلهم الى خلق منابر حقيقية لحماية وتنمية الابداع ووقائع الروح من الافتراس الزاحف بتقنياته المختلفة ني تسويق وتسويغ كل ما هو رخيص ومدمر لروح الانسان

ونبضه وامكاناته رغم ظهوره بعكس حقيقته وفحواه.

نقطة أخرى تتعلق بالحوار المعرفي واشاعته في وسطنا الثقافي. إذا كان هذا الحوار منجزا بين أزمنة المعرفة العمانية وطبقاتها فلابد منه حتما بين أطراف الثقافة الواحدة الواهنة. فمهما اختلفت الوجهات والأراء والأمزجة. فعبر هذا الحوار الجدي يمكن التوصل الى ما هو مشترك وانساني وعميق. أما التقوقع والانغلاق عل الرأي الواحد والفكرة الواحدة التي لا يطالها الشك في شيء،فلابد يفض الى جحيم التطرف والانحياز الأعمى الذي نشهد تجسيداته البربرية على امتداد الساحة العربية والعالم من كل الطوائف والأديان والاتجاهات.

حين يأتي طالب علم ويمتنع عن قراءة مجلة وجدت لتخاطبه وتتبنى حوارا مع عقله وخياله مثل مجلة “نزوى” بحجة أنها صنيعة “العصريين ” و”العلمانيين ” أو أي شيء أخر، أي عبر إشاعة تبناها كفكرة مسبقة بنى عليها موقفا حاسما، فهذا أحد أمثلة سلوك الانغلاق المخيف. وما أسهل أن تشكل الاشاعات وعي الناس في غياب حوار ثقافي حر وصريح. عبر هذا الحوار نستكشف أن شقة الخلاف ليست بهذا الاتساع الذي لا يلتئم، وأن العلامة العماني الخليل بن أحمد جدنا جميعا. وهو لم يأت لسجننا في قوالب وأقفاص يسري مفعولها عبر الأجيال وانما أتى لتنويرنا بنور العقل والموسيقى والمعرفة.

وأن انتماءنا وحنيننا اليه والى رموز الثقافة العمانية الكلاسيكية هو حنين الى الأصول والمنابت الثقافية الأصلية. وعر انتماء قوي مهما شعلت المسافة وتبدلت الأحوال. لكن هذا الحنين وهذا الانتماء بدل تحنيطه وتحويله الى “تابو” نفتحه على أسئلة المعرفة والعصر واشكالاته وأساليبا وبهذا نكون أكثر وفاء لطفولتنا ومرابعنا الأصلية.

الدارس للثقافة العمانية عبر تاريخها العريق سيكتشف حركية هذه الثقافة في  طبيعتها الحوارية والجدلية مع الخصم والصديق وصاحب الرأي، كونها ثقافة تنبني وتتأسس على خلفية مرنة ومتحررة من حيز الانغلاق المسبق الحاجب لأي أفق اجتهاد وحوار وتجديد.

النص الكتابي الذي أضحى تراثا هو ملك مشترك للقراء والباحثين والمشتغلين في حقول المعرفة المختلفة وليس حكرا على فئة دون غيرها وهو (النص ) مشحون لا محالة بطاقة من الدلالات تصل أحيانا حد التناقض بين مقاربة وأخرى ومشحون بفضاء التأويل والاختلاف.

من هذا المنطلق لا تعطى النصوص التراثية أو غيرها الحق بامتلاكها المطلق لأي تأويل كان من باب الوصاية واحتكار الحقيقة التي هي Li جوهرها حمالة أوجه.

في هذا السياق تحاول مجلة “نزوى” أن تكون منبرا ثقافيا ومعرفيا متعددا يجمع الاختلاف والاتفاق من منطلق فضائه العماني ليضرب في جغرافيات روحية ومكانية مختلفة، تتحرك ني احشائه الاتجاهات والمياه التي تمور بها أنساق المعرفة.

الحروب التي تصل حد التهريج بين الحديث والقديم وبين أشكال التعبير المختلفة من موقع احتكار الحقيقة والمثال هي حروب مجانية. وتظل “الحداثة ” هي ذلك المشروع الناقص طالما لم يغز الذات في خضمها وتناقضاتها ورعبها، وبقيت تهويمات لفظية. وطالما لم ينل إلا من بنيات وتصورات اللغة والأدب، ولم يمتد الى البنيات الاجتماعية والتكنولوبية، وهو مفهومه العربي الماثل للممارسة والتطبيق، وتظل ناقصة، كما أشرت إذا لم تنطلق من شروط وأقعها وارثها الروحي وتجاوزت تقليد “الآخر” الى هضمه واستيعابه في سياقاتها وأفقها. وتظل ناقصة حتى وهي تتوسل كل ذلك، طالما أن الابداع هو ذلك النزوع الساعي دوما الى الاكتمال وسمته الابداعية تكمن في هذا السعي وليس في وهم الاكتمال.

في الفترة الأخيرة بدأت الاصدارات العمانية تأخذ طريقها متوزعة بين فروع شتى للأدب والفن والمعرفة. ورغم تركيزنا على النوع والصفة والموهبة الخاصة، فعازلنا بحاجة ال تراكم كمي في الأنواع المختلفة حتى يتسنسى فرز ذلك النوعي المحلوم به والذي يمثل الروح الحقيقية للأدب العماني (أما الزبد فيذهب جفاء ). بهذا المعنى لابد من انتظار “الزمن ” كي يعمل عمله في الانضاج والاستواء بجانب السعي وتهيئة المناخ. فلا نتوهم ضربة العبقرية الصاعقة التي ستطيح بالمشهد رأسا على عقب. إن ذلك وهم يضاف الى حزمة أوهامنا الجميلة وفي مسار الأوهام التي تغرد ماضية في سربها _ وكل منا له أوهامه _ هناك نوع من الترويج لليأس الجاهز، اليأس المعلب الذي يتلبس حالة من السلب والرفض المسبق قبل الدخول في مختبر الوقائع والأشياء، وليس اليأس الخلاق الذي هو قوام الأدب في استبطان مأساة الوضع البشري، ذلك “اليأس الذي تأتي من جهته الحياة ” حسب السينمائي السويدي برجحان. إنما اليأس الشبيه

بالقنوط البراني الذي لم يشتبك بالحياة بالمعنى الحقيقي. نوع من استدعاء فشل نظري، شعاراتي، مهمته المحافظة على لمعانه الخارجي كميزة وتفرد. لذلك فهو يخترق الذات بوهمه وايحائه المبعيد ولا يخترقها بطاقة الابداع التي تتجسد أعمالا ونتاجات.

هذا اليأس المستعار،،مثل الكثير من القيم المستعارة في حياتنا عامة لا يقل خطورة وتبشيرية مبطنة عن توأمه المتفائل في حياته المتوجة بخاتمة المسلسلات السعيدة، العربية والمكسيكية. ولا يقل خطورة عن مجموعة القيم النظرية والسلوكية المستعارة من ترسانة الجاهز في الفكر والسلوك. انها مجموعة الاقنعة البائسة التي تحاول ستر خواء الذات و”تهميشها” لصالح الافتعال والانتحال بأكثر المعاني فجاجة للطمة. وكلها افرازات الثقافة الاستهلاكية الريعية، اختراق لاواعي أحيانا لسطوتها ونفوذها وهذا ما نشاهده في بلدان خليجية وعربية وبمستويات مختلفة.

في تصوري، وهو تصور يشاركني فيه كثيرون، أن الكاتب العماني بجانب عبء الكتابة وانجازها الابداعي، لابد أن يلعب دورا في المساعدة والتكاتف على تأسيس أو تفعيل أطر هذه الكتابة وأوعيتها. ففي حالتنا لم نرث من أسلاف لنا أطرا وتكوينات وتقاليد وانما علينا القيام بهذا الدور مهما كان شاقا تحت سقف القوانين والامكانيات المتاحة. فالمؤسسة لا تخلق كتابا ولا مبدعين وليس ذلك دورها، الذي هو في جوهره إداري إشرافي، لكن عليها تقديم الدعم وتيسير السبل التي يستطيع الكتاب والفنانون عبر مبادراتهم وجهدهم من خلالها الاستمرار والقيام بدورهم في التاريغ. ولو في حدود الحيز الذي يتيحه هامش العصر في إيقاظ الروح والضمير من الاندثار. وهذه الأطر تشكل جزءا من منظومة القيم المرئية التي تتجه الدولة الى انجاز حلقاتها ني المرحلة المقبلة.

لقد تحدثت عن بعض النقاط في الثقافة العمانية _ وربما تحدثت عن بداهات لكن هذه البداهات هي الضاغطة وبحاجة الى نقاش واعادة نظر باستمرار. وهناك إشكالات كثيرة تخترق هذه الثقافة لا تسعها هذه العجالة، لكن عبر الحوار؟ حوار الاختلاف قبل الاتفاق، تتضح جوانب كثيرة تلفها الظلال والمعتمات.

سيف الرحبي