جديد الكاتب

حول الكائن المغترب والتسويات الممكنة

يمكن القول بداية أن الكائن المنفي أو المغترب فى برهتنا الراهنة ليس ذاك المقذوف خارج منطقة مكانية بعينها تسمى : وطن ،وإنما ذاك الذي أضاع مكانه جذرياُ* في هذا العالم ، وبدأ رحلة التيه الحقيقية التي لا أمل فى العودة منها .
انطلاقاً من هذا الشعور الحدي لهذه اللحظة المحتدمة بالهواجس لكائن وجد نفسه خارج العالم ، خارج لعبة الإجتماع والتاريخ التى تبعثرت ، لحظة هذا الكشف الآليم ، شظاياها وخيوطها المحبوكة جيداً ، في صميم روحه وكيانه وحولته إلى كائن القلق والبحث والترحل بأبعاده الرمزية والواقعية ..
ثنائية الوطن_المنفى المتداولة حد الإستهلاك ، لم تعد تضئء شيئاً ذاقيمة في هذه الرحلة الليلية المحتشدة بالهوام والأسئلة .لم تعد تعنى شيئا الإ ربما للدارس النفسي والإجتماعي وفق مناهجه المحددة سلفا . وحتى عبر هذا السياق انقلبت معايير المنفى والوطن وتصدعت حيث تبادلا الادوار فى عملية انقلاب ناعمة مخادعة ، وفق الشروط السياسية والاجتماعية والتعبيرية في أ كثر من بلد ومكان . وحيث أصبح الوطن هو مادعى بالمنفى وكذلك العكس .
عملية الانقلاب هذه تستدعى بالضرورة ، اشكاليات متعددة ليس على صعيد الحياة اليومية والمدنية التي أصبح منفى كالمنفى الأوروبي يلبي احتياجتها ومتطلباتها أكثر من الأوطان المنكوبة بكافة أنواع التسلط والحروب والإنهيار .
إشكاليات الكائن المنفي الذي يتعاطى الكتابة والتأمل والتفكير ، ذاك الذي ندعوه شاعراً ومثقفاً.. مثل كيفية اشتغال المخيلة ، الذاكرة والحنين .. إلى آي مدى تبحر سفنه حيث لا نجم يٌهتدي به . بحر مضطرب وظلام عميق . ؟
هل مازالت الأمكنة الأولى ، أمكنة الطفولة دوافع جذب وحنين .؟ هل مازال ذلك النبع الذي تنهل منه مخيلة الكتابة ، بؤرة الأماكن في تشظيها وتعددها ،مرجع الذاكرة في رحلتها الشاقة بين المدن الغريبة والناس الغرباء . أم كغت عن أن تكون كذلك وأحكم التيه والإنخلاع قبضته الازلية .؟

* * *

لنفترض أن هذا الكائن الباحث فى غابة الكلمات ، عن موطئ قدم ليحط فيها رحال الشاهد والمتذكر ، بدأ رحلة الانفصال عن المكان الولادي ، مكان الخطوة الأولى، مطلع السبعينيات من القرن المنصرم ، أحس في البدء ما يحسه الآخرون من لوعة الفراق للوجوه والأماكن المألوفة الذي أستمر فترة من الزمن . و بالاندماج في حياة البلاد الجديدة بدأ نازع الحنين والتذكر فى الخفوت، لكن ليس الانطفاء حيث استمرت جمرة الذكرى فى التوهج .، وحتى حين أمعن مشهد الترحل يشتئ الأصقاع والأماكن ظلت هذه الجمرة توصل الحياة السابقة لمرابع الطفولة بالحيوات اللاحقة وتلحم الزمن الأول بالأزمنة المتقادمة التي أخذت في التكاثف والمباغته حتى أصبحت على ذلك النحو السريع الصاعق .
يعود المترحل بعد طول بعاد ونأى ، إلى تلك الأماكن التي حلم بالعودة إليها وروادته بكثافة الحلم واليقظة ، ليجد أن الوقائع تشيد بنيانها بمعزل عن الأحلام ونوازع الحنين ..
يعاود الرحيل والعودة مرة ومرات وبوتيرة سيزيفية ، ليكتشف كل مرة ما لم يعد بحاجة إلى اكتشاف : خرائب الروح وخرائب طفولة الكائن والمكان . يقف ناعقا بهجاء قاس وانتباه أقسى إلى هذه الصيرورة الفاجعة المنذور لها بقدرية عمياء صارمة ، حين لا مكان للتسوية ولا خيط شمس يتسلل من تلك البيوتات الطنية العتيقة ، حيث كانت تقطن العائلة في الأزمنة التي بدت له نائية أيما نأى وسحيقة
* * *
يمتزج البعد الوجودي الأنطولوجي للمنفى بأبعاد اجتماعية وسياسية ، وهذه الأخيرة تلهب الأولى وتدفع بها إلى حافة أكثر خطورة ومكابدة . تتضاعف المعاناة وتزدوج فالإنسان أو الشاعر الذي دفعت به خياراته فى ظروف محددة ودفعت به الصدفة إلى أن يكون ملاحقاً من قبل دولة وأجهزة لاريب يعيش حالة حياة خاصة ، تختلط في رأسه الوقائع والأوهام على نحو كابوسي يوصل ليله بتهاره ويطوح به إلى حافة الجنون والموت ، خاصة وأن هذا الكائن ، الذي نحن بصدد الإشارة إليه، فرداً يعي فرديته وأفقها بعيداً عن الأنضواء القطيعي تحت لواء الجماعة بأسمائها المختلفة .
بطبعة الحال هؤلاء الأفراد غالبا مايكونون من أهل الأدب والفن ، حيث تتوتر المسافة بينهم وبين الجماعة التي تحمل لواء المعارضة اللاهجة باليقين، المبشرة بالنصر الحاسم القريب. تتوتر المسافة وتتسع كما توترت وأتسعت من قبل مع تلك الأوطان الأفتراضية المحمولة على لغة الشعارات وغنائية الحنين المبسط . ويجد الفرد ذاته مقتلعاً من جديد ومرميا فى مهب الجهات العاصف . يسارع إلى لملمة أشلائه ومحاولة التخفيف من فداحة الخسارة بمعناها الجذري. أنه يقف وحيدا فى مرآة مدماة مشروخة ، هشاً وضعيفاً أمام بطش الوجود متعدد الوجوه والمصادر والأهداف هو الأشبه بالكائن التجريدي من غير أهداف واضحة والذي ولد من صفحات كتاب قرأه ذات مرة وبقيت صورته الوحيدة في رأسه تميمة يلوذ بها من فتك التلاشي والخراب . تتسارع حلقات المنفى إلى الاستواء والنضج ، ليجد نفسه مرة أخرى ليس على مشارف الربع الخالي ،تلك الصحارى الجبلية الرملية التي ولد في أتونها، وإنما في القلب منه واقعا وأفكارا ، مسار حياة ورمزا .
ينكسر المنفى الصلب بصفاته وأهدافه المحددة ويوغل المغترب المنفي في تيه الصحراء ، باحثا في ضوء هذا الانكسار عن سبل جديدة يستطيع مواصلة ما تبقي من حياته ، ربما يجد بعضها في الكتابة والكتب/ في المرأة والتحديق جيدا في المغيب المحتدم بالأشباح الجميلة كل مساء
* * *

ربما تذكر المنفي وهو في غمرة هذا الصراع المرير مع شرطه الوجودي والتاريخي ، في عهوده البعيدة حين كان يجلس على المشارف المطلة على الصحراء العاتية ، المكللة بغناء الروح ، وسط العوز والفقر- تذكر القوافل المترحلة بين التخوم والأودية والشعاب ميمة شطر جهة مجهولة بالنسبة إلى الطفل الذي كانه في ذلك الزمان .
تذكر وراودته في اللحظة لمحة وجيزة من العْود النيتشوى ، تلك الدائرة الجهنمية لرحى العذاب البشرى كما يود تأويلها حيث العدم يطبق قبضته على الكائن كما تطبق عواصف الربع الخالي قبضتها على القوافل المترحلة ببشرها وحيواناتها . العوْد الأبدي بهذا المعنى إمعاناً وتعميقاً لمأساة الوجود وليس ضوءاً في أخر النفق أو مخرجاً لدوائر الوجود المغلقة .
وتذكر كائن المنفى أيضا مرآى الطائرة لأول مرة . لكن ما أثار مخيلته أكثر وأشعلها مرآى القطارات التي لم يشاهدها من قبل حتى فى السينما والتليفزيون اللذين لم يكونا موجودين ائنذاك .
في بداية السبعينيات حين نزل القاهرة ليلاً وذهب ليسكن فى حي الدقي المتاخم لحى بولاق الدكرور ، سمع صفيرا يشبه النحيب حسبه فى أول الأمر صفير بواخر راسية فى عرض البحر لكن حين انجلى ليل القاهرة عن بدايات الصباح ذهب إلى مصدر صوت الصفير ليشاهد تلك القوافل االحديدية العابرة السكك والقضبان . وحين عرف أن هذا المارد الخرافي اسمه (قطار) ذهب ليفتش عن أصل كلمة قطار . فوجد أن العرب كانت تسمى الناقة الطليعية فى القافلة ( القاطرة )
لاحقا ينفجر مشهد القطارات على مصراعيه واقعاً وكتابة

* * *

حين يصل الإنسان الذي دعوناه في هذه العجالة بالكائن المغترب والمنفى والمترحل . أسماء متعددة لوجه وأحد يتعدد حين يرنو في مرآة ذاته ؛ حين يصل إلى هذا الشرط المتفجر لوجوده يدخل حالات هذيانية شتى .. كأن تتلبسه الضغينة على محيطه كما تتلبس المؤرق الذي جافاه النوم فى الليالي الموحشة , تجاه طمأنينة النيام وهدوئهم . تراوده هواجس عدائية تصل إلى حدود تخيل مجزرة بكامل ضحاياها ، لكنها تظل مجزرة فى المخيلة و اللغة ولا تتجاوزهما. فهو من فرط العواطف وربما اليأس لا يستطيع أن يؤذى حتى بعوضة كما يقول المثل الدارج . وليس بقادر إلا على تدمير ذاته بالتحديق والتأمل فى المشهد الدموي المحيط الذي يتناسل وحشية وانحطاطا لا مثيل لهما.
عليه أن يتدبر تسويات أخرى أكثر انسجاما ونبلا مع محيطه وذاته الممزقة .

* * *

يصل المترحل إلى نوع من الوضوح الكاسر ، ذاك الذي يحمل شفافية اليأس وقوة انكسار الأمل : لم يعد للتجوال فى خرائط الجغرافيا حلم كشف وإشراق لا للرحيل ولا للعودة لا للوطن ولا للمنفى . تهشمت فى مخيلته ووجدانه هذه الثنائيات لتحل محلها خارطة متناقضات داخلية متموجة بجمال وقسوة خاصين . هذه الخارطة ، بستان الداخل ، هي التي يحاول تعهدها بالسقي والرعاية عبر خيارات جمالية يرتأيها.
في هذه الحالة تتحول خرائط الخارج بسراباتها وحقائقها إن وجدت ، إلى امتداد أرومة جمالية ، لبستان الداخل بسراباته وحقائقه التي ربما تتجلى ولو كأشراقات عابرة كنوع من تسوية ممكنة مع وجود صعب وعمر هارب .

* * *

ما أشرت إليه من هواجس ومشاهد تشكل ثيمة الكتابة ولبها ، واحتها المضطربة التي تنزع دائما إلى الاتساع والأمتداد لتستطيع لم شمل هذا الكائن أو الكائنات المتشظية المصدوعة بالموت والغياب .
هذا النزوع أو الطموح لبناء وطن مواز عبر الكتابة يتحمل كل هذه الأعباء من الفجائع والمهازل ، لا محالة له من توسيع رقعة الكتابة ومفهومها من الدخول فى حقول التجريب والخروج على ما هو متفق عليه وسائد . التجريب والخروج فى هذه الحالة ضرورة وليس ترفاً أو نزقا عابرا ، شرط وجود و إبداع . انفجار الأحشاء بعنف الداخل والخارج فى الصورة والعبارة لتستحيل الكتابة إلى منازلة مفتوحة مع العالم . تحاول الذات الكاتبة فى هذه المواجهة أن تتلبس أقنعة شتى وتحشد أسلحتها وحيواتها المختلفة : أزمنة بدائية تسطع على صفحة المسودة الأولى للخلق . حيوانات وجوارح أحلام وذكريات الأمس الموصولة بأحلام البشر الأوائل . وقائع صغيرة وكبيرة تتوحد فى مركب المخيلة المندفعة من الحسي إلى التجريدي و المرئي المباشر إلى الغيب المتعالي .
في وهم هذا الوطن الموازي أو البديل أو أي اسم أخر، الذي يسمى الكتابة، تحلم الذات الكاتبة أن تلامس قبس وحدة وجود مبعثرة في الأصقاع ، وأن تنقذ ما أمكن وسط جلبة الإعصار والهشيم .
هامش

هذه الرؤية التى تسترشد بسارتر ، ربما تتقاطع مع رؤية المتصوفة للأغتراب كون الحياة رحلة اغتراب بكاملها بدأت منذ انفصال الإنسان الأول ونفيه خارج الجنة ليعيش وذريته اللاحقة ذلك الحنين المحتم بالعودة إليها من جديد.