جديد الكاتب

حوار مع الشاعر سيف الرحبي في التراث العربي انجازات نثرية خلاقة تفوق أحيانا الانجازات الشعرية

 جهاد فاضل

اسئلة الشعر وكيفية تكوّن شاعر حديث، هي موضوع هذا الحوار مع الشاعر سيف الرحبي، والشاعر من عُمان حيث الجوار هو البحر والجبل والافق المفتوح على قارات ومحيطات وثقافات وشعوب مختلفة. وفي سيف الرحبي الكثير من طبيعة عُمان وتاريخها وخصائصها. فاذا كان العمانيون جابوا البحار قديما وصولا الى الصين، فقد جاب سيف البحار والأجواء والمدن البعيدة بحثا عن الشعر والهامه ومصادره.

قالت ((الحوادث)) لسيف الرحبي: عندما نفكر بكم يخطر في بالنا انكم على الارجح على سفر.. ساعة في امستردام، واخرى في الدار البيضاء وثالثة في القاهرة.. هل يرفد السفر شاعرية الشاعر؟ ألا يتعب الشاعر من أسفاره؟

وقال سيف الرحبي: وسم السفر مرحلة مبكرة من حياتي، منذ انفصالي عن مكان الولادة بشكل مبكر وكان لي من العمر ست عشرة سنة، وقد قصدت القاهرة أولا حيث درست وتكونت دراسيا وثقافيا وفكريا. كانت المرحلة الاولى من تكويني الفكري والثقافي، بعدها سافرت الى بلدان أخرى حيث عشت حالة من اللااستقرار طبعت مرحلة مهمة من حياتي تقارب العشرين عاما.

هذه المسألة جاءت في سياق تاريخي يختلف عن المرحلة التي نعيش الآن محليا وعربيا وعالميا، ومن ثم طبعت بطابعها جيلا كاملا انتمي انا اليه. جيل عربي تربى في الشتات بالمعنى المكاني والفكري والروحي. تربى وسط أجواء حروب وهزائم وأفكار، ومقاييس انكسرت عن شيء معين يختلف عن المألوف، او عن المكرس سابقا.

وهذه المسألة جاءت كقدر بالنسبة الي. او لنقل انها مزيج من القدرية والاختيارية. وقد طبعتني حياة وشعرا. وأثمرت في لغتي الشعرية انها تجربة قلقة باحثة، مشتتة مكانيا.

وفي اعتقادي ان الانسان لا يستطيع ان يصنع مصيره بالشكل الميكانيكي، بقدر ما هو أيضا رهين شروط وظروف مختلفة.

لكن بطبيعة الحال، هذه المسألة أثرت عليّ بشكل حاسم ومصيري وحتى الآن وانا أعيش مرحلة من الاستقرار، بعد هذه السنوات كلها، ما زالت تلك الظروف والشروط للرحيل تغذي تجربتي الشعرية وتطبع ايضا سلوكي اليومي والحياتي المباشر، فلا استطيع التخلص منها بسهولة اطلاقا.

في جانب آخر، أخذت هذه المسألة عندي منحى وجوديا. الانسان ايضا في رحيل دائم، من الطفولة الى الشباب الى الشيخوخة، الى الموت. فكأنما الانسان ايضا راحل باستمرار في الزمان وفي المكان.

((الحوادث)).. وهل كانت الاسئلة التي تراودك في المرحلة السابقة اسئلة شعرية وفنية محضة، أم اسئلة فكرية أيضا؟

الرحبي: كل هذه الاسئلة كانت موجودة، لم تكن تلك الاسئلة واضحة في تلك الفترة المبكرة ولكني كنت اهجس بها. وعندما سافرت بدأت هذه الاسئلة تتوضح تدريجيا وبدأت تندرج في سياقات فكرية وفنية وابداعية.

اما في البداية فكانت شبه هاجس غامض، شبه دوافع غامضة نحو مجهول، نحو شيء أبحث عنه، نحو أفق بعيد.

((الحوادث)) أي اسئلة شعرية عندك؟ ما هو سؤال الشعر؟

الرحبي: في البداية انا تربيت في بيئة كلاسيكية محافظة دينية وقبلية، في بلد محافظ، وفي جغرافيا فظة وجميلة الى حد بعيد. وهذه المسألة اثرت في طفولتي تأثيرا شديدا فكنت أكتب، وفي هذه البيئة كنت تلميذ مشايخ فكتبت الشعر الموزون والمقفى.

لم يكن في تلك الفترة من حياتي في عُمان وهي فترة مبكرة جداً. أي سؤال حول الشعر خارج هذا العمود أو خارج هذا المألوف المتوارث والمتفق عليه تاريخيا.

لكن فيما بعد بدأت هواجس فنية عندي وكان السؤال ان التجربة الكلاسيكية في الشعر لا يمكن أن تحمل التجربة الجديدة عندي. فبحثت في التجارب الحديثة للشعر نظريا وتطبيقيا ابداعيا فوجدت انني انتمي اليها على نحو ما ولذلك كتبت في هذا السياق. ولكن كتابتي في هذا السياق ظلت أيضا، كما أراها ويراها نقاد آخرون تتمتع بخصوصية معينة هي انها مشدودة الى بيئتها الاولى، الى جغرافيتها المكانية والروحية الاولى. هي صحيح منفلتة من مقاييس كانت مشدودة اليها، ايقاعية وزنية على سبيل المثال، لكنها من حيث الروح مشدودة الى المكان الاول بتضاريسه، بجباله، بحدوسه الاولى، بغرائبيته، لم ترتهن بالمكان الآخر الجديد، بل ظلت مشدودة بحنين الى المكان القديم.

((الحوادث)) وهذه النقلة من الكلاسيكي الى الجديد او الى الحديث هل كان وراءها موجبات موضوعية تفرضها، أم أن تلك الموجبات كانت ذاتية قبل كل شيء؟

الرحبي: لم تكن تلك النقلة كبيرة في الواقع. لقد كتبت ذاك ضمن اطار كان من الطبيعي أن اكتبه به، وفيما بعد وجدت نفسي أكتب بهذا الشكل الشعري الجديد من غير تبني نظري او عقائدي معيّن. وجدت ان هذا الشكل يحتويني او انه يستطيع ان يحتوي روحي وتجربتي، من غير أن اتبنى مثلا فكرا شبه عقائدي أدافع عنه، أنا الآن لا أستطيع أن أدافع عن قصيدة النثر بالمطلق لانني انا أكتبها. هذه القصيدة يمكن ان تحتوي أشياء جيدة ومضيفة للشعرية العربية، ويمكن ان تحتوي في كثير من جوانبها أشياء رديئة وركيكة ولا معنى لها.

أنا أكتب هذه القصيدة بشكل شبه مطوع، أو شبه تلقائي، وبالاضافة الى هذا الشكل الذي أكتب بواسطته، كتبت ايضا شعر التفعيلة مثلا. وفي قصيدة النثر تجد نوعا من نسق ايقاعي. ليست تشبه بعض الشعارات التي ترمي الموروث الشعري جانبا. أنا لا استطيع أن أعمل هكذا. هل انني لا استطيع، او ان المسألة من لوازمها ان تكون مرتبطة بإرث روحي تاريخي أحمله انا على كتفي، ويمكن لهذا الشكل الشعري أو ذاك أن يستوعبه في اطار معين، أو أن تتزاوج هذه التجارب وهذه الأشكال في نسق شعري وفكري معيّن.

((الحوادث)) نفهم انك تتطلب في التجديد ان لا يكون منبت الجذور، أن يكون للأسلوب الشعري صلة بالسابق، بالموروث. لكن هناك من وجد هذا الاسلوب في شعر التفعيلة بالذات، في حين اننا وجدنا انك انتقلت من الكلاسيكي او الموروث الى قصيدة النثر مباشرة.. ألم تجد هناك فوائد شعرية أو مباهج شعرية في أسلوب التفعيلة التي توسلها شعراء كثيرون؟

الرحبي: أنا اعتقد ان التفعيلة هي بحد ذاتها مرحلة ابداعية كبيرة، وانها المرحلة الاولى التي أسست لما سميّ لاحقا بالحداثة الشعرية، لكن أيضا في الجانب المقابل، القصيدة التي أفلتت من رتبة التفعيلة بشكلها المعروف، قدمت نماذج ابداعية مهمة جدا بدليل وجود شعراء كبار منها اثروا الشعرية العربية.

هذه المسألة لا يمكن ان يُنظر لها بمعزل عن التراث الفني والنثري العربي.

في التراث العربي هناك انجازات نثرية خلاقة تفوق أحيانا الانجازات الشعرية بالمعنى المتعارف عليه للشعر، بالمعنى العمودي. فهذا يمكن ايضا الاستفادة منه على صعيد القصيدة الجديدة، كما نسميها.

طبعا التوقيع على قصيدة منبتة الجذور بدعوى القطيعة، هذه مسألة وهمية اعتقد انه ليس لها معنى. لا يمكن للمرء أن ينفصل عن جذوره، عن تراثه، عن سماته عن ارضه.

طبعا يمكن الاستفادة من تجارب عالمية، لكن المسألة تظل في سياقها التاريخي والاجتماعي، لا استطيع ان ابتر التجربة عن هذا السياق اطلاقا.

لا يمكن ان نضع كل قصائد التفعيلة، او قصائد النثر في سلة واحدة، وانما هناك قصائد وانماط تعبير مختلفة، وانجازات عديدة تتراوح بين السطحي وبين العميق. بين المضر والمخل وبين ما هو خلاق وابداعي حقيقي.

((الحوادث)) هناك من يرى انه لا مرجعية خارجية للقصيدة، مرجعية القصيدة هي ذاتية وفنية محضة ولا صلة لها بالبيئة او بالعالم الخارجي او بالتاريخ او بالمجتمع فأية قصيدة تكتب؟

الرحبي: لا اعتقد ان هذه الثنائية صحيحة تماما على صعيد النص الشعري والأدبي بشكل عام. فان تكون القصيدة مرجعيتها داخلية محضة، مسألة مستحيلة بالنسبة لي على الاقل. من ضمن اضافات القصيدة الجديدة رصدها لليومي وللمعيشي وللحياة في تدفقها وحركتها المستمرة. هذه الأشياء من الطبيعي ان تأتي عبر انعكاسات الذات، عبر الوجدانات الخاصة، عبر تحويلات المخيلة لها. ان هذه الأشياء التي تتدفق أمامنا يوميا، هذا التاريخ، هذه الحروب، هذه التفاصيل، كلها يجب ان تتحول الى شكل شعري حقيقي.

هذه المزاوجة الخلاقة بين ما هو ذاتي وما هو عام وموضوعي ومعيشي، هي المعادلة الصعبة للفنان في خلق شكله الشعري والادبي.

إن الاغراق بالذاتية لحد الغاء التاريخ مسألة قاصرة ولا معنى لها، ولم اقرأ يوما في تاريخ البشرية ان هناك ما لا صلة له بالتاريخ. حتى الأدب الصوفي المغرق بالذاتية له حدوساته الخاصة جدا، له علاقة بالعالم والتاريخ بسياقه.

حتى السوريالية والدادائية التي جاءت كعاصفة تحطيمية كان لها علاقة بسياق تاريخي معين. فان يأتي بشخص ويقول لك انه لا علاقة له بالعالم، او ان مرجعيته خارجية محضة، كل هذه مسائل غير حقيقية وغير علمية.

((الحوادث)): هل تؤمن بالأدب الملتزم؟ تعرف انه جاء وقت سادت نظرية الالتزام في أسواقنا الادبية حتى بات الاديب غير الملتزم أديبا مطعونا في أدبه وفي نواياه كما لو انه غريب عن الأدب، في حين كانت نظرية أخرى، قبل نظرية الالتزام، هي نظرية الفن للفن او الادب للأدب، هي النظرية التي سادت ايضا في زمانها، فأين أنت من هاتين النظريتين؟

الرحبي: بالنسبة لتجربتي، وحتى في الفترات التي كانت لي خلالها ميول سياسية، لم أكن أحبذ الشعر السباسي المباشر والملتزم قوالبه المعروفة، أي الشعر السياسي الخاضع لمنظومة جاهزة، منظومة معارف او شعارات او افكار جاهزة مسبقة.

ثم ان قراءتي التراثية لا تدعوني الى هذا الشعر أصلا. ذاك الشعر كان مكتوبا بشكل مختلف تماما، بشكل أعمق، كنت أميل الى الشعر الذي يحقق شعريته وابداعيته في سياق تاريخه ومجتمعه ايضا، ليس منسلخا عن هذا التاريخ وليس ملتزما بأيديولوجية مسبقة.

نظرية الفن للفن لم أكن يوما ميالا اليها. قد تكون هذه النظرية نشأت في مرحلة تاريخية معينة، ولم تكن حتى ابان ازدهارها رائجة كثيرا.

الادبية الخالصة والجمالية الخالصة للقصيدة المفصولة عن الارض وعن التراب وعن التاريخ هي عبارة عن لعب شكلي لطيف وجميل، ولكنه لا يبقى.

((الحوادث)): هل يمكن بنظرك اعادة انتاج لاحقة لأفكار سابقة؟ لنأخذ السوريالية مثلا أو شعر التصوف. هل يمكن الآن كتابة شعر صوفي من قبل شعراء غير متصوفين؟ هل يمكن انتاج سوريالية في الوقت الراهن تحاذي السوريالية السابقة من قبل من هم غير سورياليين لحماً ودماً؟ هناك من الشعراء من يقول عن نفسه انه سوريالي او شاعر تصوف.

الرحبي: لا اعتقد ذلك. هذه المحاكاة تقود الى خطورة تدمير النص نفسه، فيكون هذا النص بلا دلالة ولا معنى ولا سياق، هذه المحاكاة الحالية للصوفية لا يمكن ان تنتج نصا صحيحا. بدون مكابدات، بدون المرحلة نفسها، وبدون التأملات العميقة والروحية القاسية التي كان المتصوفون يخضعون أنفسهم لها، يكتب الآن شعر مفصول عن سياقه، عن ارضيته، عن وجداناته، شعر بأرض أخرى وبعصر آخر وبعالم آخر، مجرد محاكاة تقليدية اعتقد ان بها الكثير من السطحية، يمكن استلهام الكثير من الانجاز الصوفي شعريا وثقافيا وهضمه في نص مختلف تماما، نص له علاقة بالحياة والعصر. أما قضية الترميز الصوفي، وهذه المحاكاة، وهذا الاجترار الحاصل في اكثر من مكان عربي، أنا شخصيا اقرأه، ولا استمتع به ولا يفيدني في شيء، عكس الذي يحصل معي عندما اقرأ النص الصوفي نفسه.

والشيء نفسه يمكن ان نقوله عن السوريالية الآن. السوريالية حتى في اماكن ولادتها الاساسية لم يعد لها أي وهج اطلاقا. لقد تحولت الى تراث. وإذا كان الامر على هذه الصورة في بلدانها الأصلية. في سياقاتها الأصلية، فكيف يمكن اجترارها في بلدان أخرى، وفي أماكن وظروف مختلفة؟

هذا غير ممكن، إلا اذا تعلق الأمر بالاستفادة من تاريخ الأدب ومدارسه المختلفة، سواء تراثيا او عالميا، فهذا ممكن وضروري. أما الاجترار فمسألة مخلة ولا دلالة لها.

((الحوادث)): كل فنان لديه احيانا دنان سرية يعلّ منها. فهل لديكم في أدبكم المحلي في عُمان مثل هذه الدنان التي قد لا يكون العربي في الخارج يعرفها، وكان لها تأثير في وجدانكم الشعري؟

الرحبي: بطبيعة الحال، انها الخصوصية الابداعية التي لا بد منها، وهي تنسحب على النص وعلى الشاعر وعلى الحياة بوعي او بلا وعي.

عُمان كمكان وكجغرافيا مكانية روحية، مختلفة عن بلدان كثيرة بقدر ما هي مشتركة معها، ولكنها مختلفة على صعيد الطبيعة البحرية والجبلية والبشرية والحيوانية وعلى الصعيد التاريخي وعلى صعيد التأويل الديني للنص.

هناك اختلافات تجعل من هذا المكان مكانا ذا خصوصية معينة، هذه الخصوصية تسحب نفسها، تكون نوعا من معين يغذي النص والحياة بتلوينات خاصة.

وهي تنسحب بالذات عليّ، أي على شخص اغترب كثيرا عن بلاده، لكن هذه الدنان ظلت تغذي عبر مسالكها السرية الخبيئة كتابتي وحتى حياتي كلها.

الانسان لا يمكن ان ينفصل عن بيئته ومحيطه الاول اطلاقا.

المطارح الأولى، المدارج الاولى.

((الحوادث)) كيف تفهم عُمان على صعيد شخصيتها التاريخية؟ كيف تتصور تاريخها؟ وجودها في هذا المكان القلق على الساحل بين قارات وشعوب مختلفة؟

الرحبي: وجود عُمان على البحر في مكانها الجغرافي الفريد يوحي لي بنوع من الاضطراب والنأي، ويوحي لي ايضا بنوع من الاجلال لهذا الشعب الذي عاش في هذه المنطقة التي تقع في جنوب شرق الجزيرة العربية، في آخر الجغرافيا العربية.

الى جانب نزعتها الاستقلالية المبكرة، انتم تعرفون عُمان من الناحية التاريخية. لجأت الاباضية الى عُمان، وهم فرق من الخوارج رغم ان الاباضية يرفضون اعتبار انفسهم جزءا من الخوارج. لكن الدراسة السوسيولوجية للمذاهب، هم كذلك. لقد خرجوا على الامام علي، وحاولوا ضمن بيئة جبلية صعبة ان يصنعوا حياة خاصة بامكانيات واكتفاءات ذاتية بعيدا عن الدولة المركزية التي كانت تهيمن ربما على العالم كله يومها. وفعلا خاضوا حروبا غير متكافئة مع الدولتين الاموية والعباسية بطريقة اسطورية. لو قرأتم التاريخ لما وجدتموني ابالغ، وكل هذا لكي يحافظ العمانيون على استقلاليتهم الدينية والمذهبية والحياتية.

((الحوادث)): كان لعُمان شخصية تاريخية معينة كما كان لها تراثها الفكري والديني الخاص المتميز بالثورية والرفض.

الرحبي: طبعاً هي على الصعيد الديني الفقهي اعطت علماء كبارا معروفين، تفسيرها الخاص، اعطت علماء في اللغة. الخليل بن احمد الفراهيدي الشهير صاحب كتاب ((العين)) هو عُماني عاش في البصرة، كان العلماء العمانيون يذهبون الى البصرة ويعودون منها.وأعطت عُمان ابن دريد وشعراء كبارا كان آخرهم أبومسلم البهلاني، وهو شاعر كبير جدا يطاول قامة شوقي في هذا السياق. ولكن المشكلة كانت ان عُمان لم تكن من المراكز لكي تُسلط الأضواء على ثقافتها وأدبها.

وهناك الآن محاولات لابراز صورة عُمان التراثية والتاريخية لعلماء وشعراء ومبدعين عُمانيين لم يعرفوا في حينها تلك المعرفة المطلوبة.

((الحوادث)) وهل كان هناك تأثير لأفريقيا في عُمان؟

الرحبي: لا أتصور. ذهبت عُمان الى افريقيا حاملة تراثها هي. عاش العُمانيون في أفريقيا واعطوا تاريخهم العربي الاسلامي بشكله الخاص كما يفهمونه، كما هو موجود عندهم.

لم تكن لأفريقيا تراثات دينية يمكنها أن تؤثر في العُمانيين، فكان العُمانيون هم المؤثرين أكثر. ما عدا في أنماط الحياة، فقد تأثروا بأنماط الحياة الأفريقية: في المأكل والمشرب وما الى ذلك. ولكن على الصعيد الروحي والأدبي والثقافي لم يكن هناك تأثير كبير. أبو مسلم البهلاني الشاعر العُماني الكبير الذي ذكرته عاش في افريقيا،لكن لغته وتعبيره كلها عُمانية عربية.

((الحوادث)): كان للعُمانيين علاقات قديمة مع الصين. يبدو انه كان هناك أسطول دائم الأبحار بين عُمان والصين، ولا شك انه كان لذلك أثره على صعيد التفاعل بين الجزيرة العربية وبالتالي بين العرب وبين الصينيين والآسيويين عموما.

الرحبي: كانت هذه العلاقات منصبة أساسا على التجارة ولم أقرأ عن تأثيرات معرفية أو ثقافية نتجت عن مثل هذه الرحلات التي تتحدثون عنها.

كان هاجس العُمانيين مماثلا لهاجس كل شعب عربي آخر. هو نشر الاسلام، فربما كان هؤلاء العُمانيون القدماء هم الذين أوصلوا الاسلام الى مناطق في الهند أو في سواها من أنحاء آسيا.

امتلك العُمانيون في الماضي اساطيل هائلة، مرحلة اليعاربة،مرحلة الامام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسس الدولة الحالية.

وأعتقد ان هاجسهم الاساسي كان نشر الاسلام، ذاك التفاعل الاعماق في المعرفة على النحو الذي نعرفه اليوم.

الحوادث (16/5/1997).