جديد الكاتب

((حوار الأمكنة والوجوه)) لسيف الرحبي تمرد على سلطة التأسيس

الكتاب: ((حوار الأمكنة والوجوه)).
المؤلف: سيف الرحبي
الناشر: مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر والاعلام، 1999.

نصوص سيف الرحبي غير منحرفة نحو نقد متكلف، ولا تنحو منحى التعقيد في النقد، بل تحافظ على نضارتها وحيويتها الدافئة على رغم الملاحظات الموضوعية (مع تحفظي الشديد لدى استخدام هذه الكلمة) ان ادبية او سياسية او اجتماعية. والى ذلك، أضاف الرحبي بعض النصوص الانطباعية، أي تلك التي تتعلق بمواقف ((شاعرية تأتي من الاختلاجات الداخلية لتصف أوقاتا حميمة وجدانية فيها من الحزن بقدر ما فيها من التأمل.

نصوص جمعها سيف الرحبي في كتاب واحد وكان نشر معظمها في مجلة ((نزوى)) والبعض الآخر في مجلات عربية متفرقة. لكن ما يجذب القارئ الى تلك الكتابات عدم تقيدها بمنهج اكاديمي وعدم اندراجها في اسلوب صارم وجاف، بل ان انفلاشها مرن فوق رؤى واقعية ونظرات ذاتية، والكل في قالب أدبي حيث مكانة النص جلية. والمكانة آتية من حسن اختيار الموضوعات التي يصهرها الرحبي بثقافة واسعة وجدية في تناول المعضلات والمشكلات القائمة من حوله في كل الميادين. والجدية هي تلك المسافة التي يحسن الكاتب وضعها بين مواقعه الذاتية الحساسة ومواقع الآخر، العالم، ذي الحساسية المختلفة. لا ينطلق الرحبي اذن من رؤية أحادية الاتجاه بل يشمل نظره ادواته الكتابية كلها، التي يفترض ان تتكلم على ما يقلق المؤلف والقارئ معا. لا يحصر الرحبي نقده ضمن اطار ضيق ومغلق بل يمضي الى رحابة القول حيث يتقدم الصدق والصراحة المجاملة او المسايرة. وذاك ما نلحظه لدى تناوله الشعر والحروب والشؤون الثقافية المتعددة، فلا يتطرق الرحبي اليها الا في جعبته جملة اعتراضات وانتقادات، تصب جميعها في خانة التوعية الفردية (الادبية- الفكرية- السياسية) والجماعية. لكنها التوعية الايجابية التي تحفز ذاك الفرد على التفكير في وضعه العربي الراهن وعلى اتخاذ مبادرة ما. اقول التوعية الايجابية، من دون أن تكون بالضرورة، او على الاطلاق، مهادنة، فهي لا تغض النظر عن الاخطاء، ولو أظهرت السلبيات ففي حزم ورصانة، انما بلغة لينة فيها من العفوية والانفعال بقدر ما فيها من المتانة والرزانة.

((حول الخطاب الشعري الراهن)) يقول مثلا الرحبي في حرية واستقلالية لا تليق سوى بالشعراء الحقيقيين: (…) وفي هذا السياق لا يمكن الادعاء بأن فلانا او القصيدة الفلانية، هما البداية المطلقة لأسلوب او اتجاه او مرحلة، والا دخلنا في دائرة لا فكاك من لا نهائيتها وعمقها وتكرارها زمانا ومكانا، بحيث سنعرف ان البداية سبقتها بدايات وارهاصات وتجارب مختلفة المنازع والمشارب، من رامبو الى بدر شاكر السياب. وبديهي ان هذا التصور لا يسلخ صفة التأسيس بالمعنى النسبي، والقوة والاسبقية للبعض دون الآخر، بل ينزع صفة الاطلاق التي تفضي الى الادعاء المتضخم من غير معنى)).

لا يستطيع القارئ، حيال هذا الكلام الا ان يلتفت ناحية تمرد الشاعر الرحبي على كل سلطة، الشعرية الثقافية منها خاصة، وعدم استسلامه اليها واندهاشه بها. في تعبير آخر، يبرهن الرحبي على لا تبعيته، في حين ان التبعية أمر رائج في أوساطنا. كذا يؤكد خلال كلامه على ضرورة الخروج من قدسية الامكنة والازمنة، قدسية الاسماء، لان التأسيس نسبي وفي نهاية المطاف، ولا انطلاقة الا كانت وراءها انطلاقة سابقة، وهكذا دواليك. يدعو الرحبي إذن الى نسف تلك الادعاءات السخيفة والتي لا تضخمها سوى القوة الاعلامية الخادعة، الاستهلاكية في أي حال. فالرحبي، على هذا النحو او ذاك، يعيد المناطق الشعرية بسلطاتها الى سلطة منطقها الخاص الذي لا يقبل الا بالبحث عن الحقيقة النسبية لا بتكريس النسبية فعلا.

في مكان آخر يقول الرحبي: (…) بما تقتضيه من سياق اختلاف في مألوف اللغة وأنماط التعبير، يذهب فيه الشاعر والنص مذاهب، تمتد من النص المكين المستند الى نسيج لغة حية ومشعة بطاقتها الدلالية المفعمة بدماء معيش قاس وتجارب غنية… الى لغة مفتعلة ومقحمة، تفضي بالضرورة الى الخواء والمجانية والعوز الروحي المدقع)).

مع هذا الكلام يعيدنا الكاتب الى الاجواء الثقافية- الشعرية التي نعيشها يوميا من غير استثناء. تلك الاجواء المحشوة كتابات خاوية رديئة ومجانية ذاك ما بتنا نقرأه يوما بعد يوم. كتابات مدعية استعراضية لا تحمل في طياتها (اذا كانت لها من طيات!) إلا ألفاظا طنانة لا تعد فكرة عميقة ولا صورة شعرية حقيقية. انها الرداءة العربية التي يشير اليها الرحبي. إنها مأساوية الحال الكتابية لدينا. الكل يكتب شعرا ورواية، وكل يحتفي ببرنسيسيته على حدة! ليتهم (ليتنا) يكتبون نصا موحدا جماعيا احتفاء بالكتابة لا بصانعها (هذا اذا كان صانعا حقا!)، فمن ناحية، يخففون نسبة الضجر لدى القارئ الغارق في استهلاكية مدقعة، ومن ناحية أخرى يجنبون الأرض مزيدا من التصحر وقطع الشجر وما ابتلينا به من كوارث بيئية (فالشجر صالحة لصناعة الورق!). يكتب الرحبي نصوصه النقدية والتأملية، لكنه دوما في تذكر الوقت، صانع الحزن هذا وصانع الخيبة والآلام والحنين. في ((شباب العاطفة الأولى)) يقول: ((موضوع الزمن نفسه، ذلك الذي يجعلنا نعود الى مكان او شخص فارقناه منذ سنين طويلة، شخص كان ذات يوم هو الأقرب الى القلب من نبضه لنتأمل من جديد فعل الزمن ومسيرته الكاسحة التي لا ترحم ولا تبالي)).

من يقرأ سيف الرحبي في نصوصه ومقالاته النقدية تلك يعود الى نضارة العقل واللسان التي باتت اليوم مفقودة.

صباح زوين

النهار 8/1/2000