جديد الكاتب

حكاية نهاية العام

 

 

  يوم آخر استقبل نهاره المضيء بشدة وأنا ممدد على الكنبة تفترسني دوامات هواجس عنيفة، عنيفة أكثر من المعتاد، ربما لأن العام يقترب من نهايته. في مثل هذه الأوقات تتفتح هاويات لا قرار لها، أظل أحدق في مراياها طويلا لأرى العالم في أكثر صوره كابوسية ودمارا. لا يزعجني ذلك بل أحس بمتعة من يعيش الحقيقة صارخة من غير لف ولا دوران. لن نكون أكثر دهاء من الزمن مهما بلغ بنا المكر مداه، لن نكون أكثر مكرا من الصيرورة التي تستحوذ على العماء كله والبصيرة كلها.

يوم آخر، أفكر في الخروج تجتاحني عبارة (كافكا)، المرتجف مع أول شروع لتجاوز عتبة داره. ربما ما كان يرمي إليه هذا الموسوس الكبير كون الدار ذلك المكان الرمزي للأمان، فيما يتجاوز قضبان الواقع، وإلا فأي مكان صالح لذلك في الكون بأجمعه.

أضغط زر التلفزيون تنهال الصور والوجوه التي تهيمن على مضارب العشيرة بأكملها.

امرأة نصف عارية لا تثير الا الاشمئزاز من فرط التصنع والمساحيق. شيخ يصرخ بأعلى صوته (الجمل العربي أكثر وعيا من الإنسان الأمريكي).

القذافي يعطي نصائح ديمقراطية لفصل المعركة بين آل غور وبوش. مسؤول سوري يصرّح: آن بلاده قدمت كل ما في وسعها لإشاعة الديمقراطية في الانتخابات اللبنانية.

العراق يقدم خطة جاهزة لسحق اسرائيل. مجلس التعاون يبحث أوضاع الثقافة في المريخ… الخ.

أخنق زرّ التلفزيون بعصبية، فكرت لو استطيع كتم نفس العالم بالطريقة نفسها. فكرت في زيارة أمي المريضة واخوتي. فكرت في الأصدقاء القدامى. أين هم الآن، لقد جرف الطاعون معظمهم. حل النهم والخبث، هيمن التحاسد والاقتتال على وهم، على جيفة تعفنت منذ قرون.

ها أنا أخرج من غير وعي تقودني قدماي نحو البحر مثلما تقود البطل النمطي في القصة والسينما حين يخسر عشيقته وتستبد به الهموم.

لكني  لست بطلا، مجرد شخص بسيط وقرفان، ما حيلتي اذا وقعت في فخ الحبكة التقليدية، مجرد مصادفة لا أكثر، مثل مصادفات التجديد والمغامرة، ليس في مقدوري حسم هذه الامور الفنية، فلأترك البحر يأخذني الى شراكه العذبة، سديم مائي عائم في أفق لا متناهي يمتد حتى فارس حتى قصور الملوك الساسانيين المرصعة بالدرر واللآلئ والياقوت.

يطير اللقلق في الأرجاء شبه المعتمة، يلونها بياض جناحيه الكبيرين وعنقه الممتد حتى الحدائق الساسانية، ينقر حشراتها المائية المترفة، ذكرني بطائر (ماجريت) الذي يصل البحر بالسماء.

انظر الى اللقلق أو مالك الحزين، والذي يسميه العمانيون (البنغور) وحيدا كعادته وهذا مكمن دهشته المتجددة. يحط على مبعدة دائما، يحدق بحذر وريبة فيمن يقف هناك. حتى حين يرعى أحس عينيه تدوران على جميع الجهات، يستقبلان رسائل خطر باستمرار. قلت، لقد خبر الانسان جيدا هذا المتوج على العزلات أكثر ملكية من الساسانيين الذين اندثروا من غير أثر.

كنت قبل كتابة هذا المقطع أنوي سرد حكاية أخرى قديمة، عن الغراب الذي أصبته بطلقة (سكتون) في المنطقة التي كانت تسمى (الغبنة) وسقط من قمة عمود الخيمة ميتا، ما لبثنا أن رأينا الغربان تحتشد فيالق كالسّحُب السوداء المحتقنة بالغضب والافتراس لأخذ الثأر، سارعنا بالدخول الى المنزل واغلاق النوافذ والأبواب.. مرت سنين وسنين وأنا لا أزال أرى حشودها تحوم وتجثم حول المنزل حتى هذه اللحظة مطالبة بالثأر.