جديد الكاتب

حذاء سندريلا

تحدثوا كثيراً حول (أنا) الشاعر خاصةً، وكتبوا قديماً وحديثاً، أريق حبر وتبارت أقلام في تناول هذه الظاهرة الأنويّة، في أحقيتها وشطحها وفي اختراقها لمألوف التواضع وقيمه.
لكن ما لم يختلفوا عليه، هو مكانة الشاعر أو الكاتب في زمنه والأزمنة الأخرى، لم يختلفوا في أهميّة إنجازه الإبداعي وطليعيّته وعلامته الفارقة.
هكذا منذ المتنبي وأبوالعلاء المعري وأبوتمام وقبلهم، وحتى نيتشه وفيكتو هيجو ، وأدونيس الذي قال أنا نرجسيّ هذا الزمان و… الخ من كتاب الحداثة بمختلف مشاربهم وأمزجتهم وأعمارهم.
هناك (أنا) ، المبدع الذي تنمّ عن حالته الكيانيّة الروحيّة، عن ترفعه في مواجهة قبح العالم وانحطاطه.
أنا، المبدع المتفجرة من فضاء عزلته الحزينة، لكن المحصّنة، المشفوعة بمكانة إبداعية؛ وإن اختلف النقاد والقراء في التعاطي والتقييم، فهذا الخلاف لا يزيده إلا ألقاً وتوهجاً.
الأنا، الممسكة بجمرة بحثها وتميّزها تجاه التهميش الذي تحاول تكريسه مؤسسة الذوق السائدة في كل الأرجاء والأزمان، وإن بدرجات متفاوتة.

* * *

بهذا المعنى أصبحت هذه (الأنويّة) المذموم ظاهرها ومفهوم استخدامها السائد، صفة عضويّة أصيلة في الشاعر والمثقف، وضروريّة، على عكس “التواضع” الزائف المتكلف الذي يطمح صاحبه الى إرضاء الجميع بالطالح والصالح، إن وُجد هذا الأخير، كغاية وهدف.
لكن تلك الأنويّة الخلاّقة تنزل أحياناً كثيرة من عليائها وأَنَفتها، إلى الأسافل والحضيض، حين يتقمصها الأدعياء والطفيليون. وأولئك الذين لم يعرف لهم تاريخ الإبداع أي مأثرة كتابية على صعيد الأدب، وأي موقف إنساني على صعيد الحياة.
ربما كتبوا بضعة “نصوص” أو “قصائد” في مطلع العمر المراهق المنقوع في الترف الجاهز، لم تكن إلا ظلاً باهتاً لأسماء شكلّت حيزاً من نسيج مرحلة بعينها… وربما استمرّوا في الكتابة على المنوال نفسه، إذ لا يمكن أن يحدث تغير وتطور، في غياب الموهبة والتجربة الحقيقيّتين.
رغم هذه المسيرة البائسة، ما زال يسكنهم وهم الريادة والكشف والإشراق وفي ضوء هذا الوهم، كحالة مرَضيّة بالمعنى السيئ للكلمة، والبالغ الخفة والإدعاء، يتحوّل ذلك النوع من (الأنويّة) السامية إلى مهزلة، هي جزء من مساخر المشهد الذي نقرأ ونشاهد ونعيش.

* * *

في مثل هذه المشهد الذي تغيب عنه المعايير والقيم الفنيّة والأخلاقية، يسهل أن يصبح كل شيء نهباً لهذا الصنف من الأدعياء وتتشابه أبقار الليل. الظلام في هذه الحالة يحتكر المعنى ويسوّقه وفق سطوته الماديّة والإعلاميّة.
هذا الصنف يمكنه أن يدعي ويحتكر الحقيقة الإبداعيّة ويوزعها على مسطرة مزاجه وهواه. ولا شيء أجلى وضوحاً من هذا الاحتكار الذي جلبه من عالم المال والمضاربات، قرين الجهل والأنا السطحيّة التي بداهة، تتناقض وتتجافى على طول الخط وعرضه،مع تلك الأنا، المبدعة التي أشرنا الى بعض صفاتها، والتي لا تنفصل عن التواضع بالمعنى الخلاّق: الاثنان ينتميان الى سلالة القيم النبيلة.

* * *

هذا الصنف النافذ، ونفوذه هنا من علامات انحدار التاريخ، يجافي حياة وسلوكا، في العمق، أي منحى روحي وأخلاقي مختلف، فهو مندمج ومتماه حتى العظم، لهذا الاندفاع الهمجي الاستغلالي الإستهلاكي، الذي يجرف المجتمع، وإن حاول أن يرتدي لباساً آخر، هو الثري المنعّم، كأن يقدم نفسه بملابس الفقراء وعاداتهم. هذه التفصيلة السلوكيّة تحمل بعدها الرمزيّ في منظومة الدجل الشاملة.
وهو متمسك بثقافة السماع والإشاعة مقابل ثقافة التأمل والإبداع. ولا باس أن يسحب معه الصوفيّة والسورياليّة فكل شيء أضحى مستباحاً لهذا الصنف الذي هو ليس عجيباً ولا غريباً. وإنما جزء من صيرورة القيم وتحولاتها..
صاحب مؤسسات، ويلعن المؤسسات الرسميّة ويدين مجرد التعامل معها، صاحب تاريخ يغالي في نضاليته حتى التطرف، سارداً مواقف بطوليّة كأنه يتحدث إلى موتى أو أطفال حضانة لن يتاح لهم مغادرة تلك الحضانة يوماً من الأيام.. هو الذي شرّد أفراداً وعائلات، وقعت في دائرة نفوذه، في المغتربات والأصقاع.
وهو في مطلق الأحوال ليس نداً ثقافياً وإن حاول افتعال المعارك والاتهامات كمبتغى وهدف لتكريس ريادته المتوهَّمة. فهذا “الجنس اللئيم من الأقزام” كما قال نيتشه، من النافل أن نشخّص لديه عنصراً معرفياً يستحق السّجال والنقاش “فثقافته” التي هي من غير ملمح هوية ما، ليست تقليديّة ولا حديثة ويمكنها أن تكون الاثنين معا، ليس كمعطى معرفي، وإنما حسب ما تقتضيه الحالة الانتهازيّة والمقام، فهي عائمة على سطح الأشياء، لكن عومانها لا يمنعها من قدرة خاصة على ممارسة الإفساد والتدمير على الكثير من الأقلام الواعدة.
وهو في نهاية المطاف وبدايته أقرب الى مزرعة لتفريخ أنواع جديدة من العقد النفسية والميكروبات السامة.
هذه بعض صفات تشبه ماركة حذاء سندريلا الخرافي، من جهة التطابق الحتمي. وإن ثمة ظلم لحذاء سندريلا الأنيق فنقدم اعتذارنا سلفاً..
وإن لزم الأمر سنقدم صفات ووقائع كشهادة تتعلق بالأمانة المعرفيّة والتاريخ الذي يسومه الهوان كل سائم ومدعٍ، على هذا النوع من ماركات أحذية زماننا الجميل.
***
للدميريّ في حياة الحيوان الكبرى, أقرأ: <<الجعل كقرد ورطب وجمعه جعلان بكسر الجيم>>. وهو دويبة معروفة تعض البهائم في فروجها فترهب. وهو أكبر من الخنفساء. يوجد كثيراً في مرح البقر والجواميس ومواضع الروث. ويتوالد غالباً من أخثاء البقر. ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها. ومن عجب أمره أنه يموت من ريح الورد وإذا أعيد إلى الروث عاش.
قال أبو الطيّب:
(كما تضر رياح الورد بالجعلِ)
ومن عاداته أنه يحرس النيام. فمن قام لقضاء حاجته تبعَه, وذلك من شهوته للغائط لأنه قوته. وعن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الطبريّ وابن أبي دنيا أنه قال: <<إن ذنوب ابن آدم لتقتل الجعل في جحره>>.
أي تعليق لابد أن يفسدّ هذا التشخيص الدقيق, الواقعيّ أيما واقعيّة, بالحرف والمسطرة, لصنف بشريّ بعينه.
***
أتذكر, كلمة الفيلسوف, الذي لاحظ بانزعاج شديد, بداية ضمور كراهيته العميقة, للوضع البشري.
***