جديد الكاتب

حافة النسيان

” نظرت إلى ذلك الشفق الأغبر الجمري بدأ قوس الشمس ينبجس من الرمل كتلة حمراء يكشف عراء المكان بكل عدميته، حتى كدت أسمع هسيساً لبزوغها الخرافي ”

هذا المقطع الآسر الأفعواني العميق ، استُل من نسيج الرواية الجديدة لأحمد علي الزين : ثلاثية عبد الجليل غزاله (حافة النسيان) .
التي تضرب ببطلها المعذب الشريد في أعماق سجن صحراوي تضرب في صحراء ذلك السجن الرهيب كما في صحراء الوجود البشري برمته .
إذ ليس السجين والسجان وجلادوه في ذلك التيه الجحيمي الذي يتخبط الجميع في اتونه الملتهب بالشمس الحارقة وبانفجار الهواجس والأعماق البشرية ، إلا صورة تختزل هذا الوجود لجماعة بشرية بعينها ، وإن خرجت عن التعيين والتحديد لتقول للكائن والمشاعر الدفينة التي يمكن حدوثها في كل زمان ومكان. ليس إلا ذريعة لرواية الكائن في ذروة التوتر والمأساة في الانكسار والعدم الساحق للمكان والبشر والعلاقات.

في خضم هذه الفخاخ المنصوبة سلفاً كقدر تراجيدي يتخبط شخص الرواية أو شخوصها في جلبة المصائر التي لا تغرب عنها شمس الصحراء الفاجعة . حتى الذكريات تتحول إلى جزء من هذا التداعي والضياع إلا في ما ندر..
في هذه الرواية – القصيدة، يذهب أحمد علي الزين بعيداً بعد روايتيه (خربة النواح) و(معبر الندم) في تعميق رؤيته للوجود والعالم ، وصقل أدواته الفنية التي يأتي التأمل في مقدمتها جارفاً مسار السرد إلى مهاوي المكان وغوامض النفوس المضطربة حيث البشر ،والمكان ،الصحراء ، يشكلون كتلة واحدة بمرايا متعددة لهذا العالم المخيف حقاً ..
يتأمل الرواي في المكان كما في البشر ، في أعماق المرآة المضرجة لهذا الوجود الواحد والمبعثر في الوقت نفسه . تسوقه تأملاته وتداعياته إلى مناطق الشعر ورهافة المخيلة الجريحة
” صخرة حانية فوقي كجناح ، لكأن يدا جاءت بها من سلسلة جبال الغربان ، وزرعتها أثناء نومي بالقرب منها مجموعة أخرى من الصخور لها أشكال تشبه التي أصيبت بالتحول ، صخرة الغزال ، وأخرى طائر عملاق وصخرة تشبه مارداً مبتور اليد يحمل في يده الباقية كرة .
وصخرة تشبه قبة مسجد عتيق وأخرى أنثى حانية عريها فكأنها أصنام آلهة قديمة أو البشر أصابهم الفناء ورحلوا تاركين خلفهم آلهتهم بتعثر واستحالة حملها ”

هذه المناطق الشعرية التأملية تكاد تغطي معظم صفحات الرواية ، من غير أن تخسر مسار سردها وأحداثها الدرامية وما تتركه من متعة ضرورية ، اذ أن المتعة الجمالية في الفن تنبجس حتى من أثناء أكثر النصوص خرابا ويأساً..
هناك تلك المقاطع ، على الأخص ، التي تصف وحدة السجين وهروبه في بيداء الضياع والقسوة ، مهوماً من غير أمل تلفحه الرمضاء ، تطارده أشباح الجلادين والقتلة ..
وسط دوامه ذلك (العدم المحسوس) الذي تستقبله الصحراء بكل مهابة والنيزك الذي يذبح العتمة السماوية . وأضواء القمر المؤنس الذي ليس في مداه إلا الهباء وتجسيد آخر للعدم المحيق.

هذا الجزء من الرواية يشهد بصدق ويغوص في حقيقة الوجود البشري (العربي خاصة) ونوازع العدوان والانحطاط .
بانتظار جزءي الرواية القادمين .