جديد الكاتب

جدل الأشكال الشعرية

في وجه ملتبس هن أوجه السؤال الشعري في برهته الواهنة، لا يمكن الذهاب الى نهاية “الريادة” بالمعنى الإبداعي المستمر في الزمن وليس بالمعنى البراني اللفظي، ولا الى أن الشعر العربي وصل مرحلة “الصفر”.

الريادة إذ أشرفت على الانطفاء الجسدي، بداهة، لا يعني نهايتها الابداعية في جوانب قوتها الشعرية والنظرية المستمرة.. والنظر في المشهد الشعري العربي الراهن لا علاقة له بذلك الانتهاء أو الاستمرار، يمكن النظر اليه كمرحلة إبداعية واستمرار تطوري على نحو من الانحاء، له جوانب قوته وضعفه، للأزمنة الشعرية السابقة عليه والمتجهة صوب المستقبل، إن كان هناك من مستقبل لشكل تعبيري بعينه! استمرار تخترقه القطيعة وهواجس «القتل » والضدية، مثلما يخترقه بالضرورة التواصل والمحبة وانحلال طبائع الأسلاف اللامرئية في خلايا السلالة وحيواتها الباطنة.

من المجانية والشطط، الذهاب الى أن الشعر العربي، راهنا وصل مرحلة (الصفر) هذه الكلمة التي استخدمت في غير سياقها المقصود وبشكل خبيث وجاهل أحيانا عما كان يرمي اليه الشاعر سعدي يوسف. هناك شعراء “الصفر” يقينا وهم موجودون في كل الأزمنة البشرية، لكن ليس الشعر في جموحه المتجدد والمؤشر دوما، بشكل غير مباشر، غالبا، كقوة خفية الى الوضع والتاريخ العربيين في انهيارهما اللامحدود.

طوال تاريخ الابداع هناك صراع أشكال ورؤى، ليس فقط صراع “أجيال” بالمعنى المانوي المستخدم بحدة، ومن منبت بديهي. كون الابداع لا زمن له بمثل هذه الرؤية المحدودة للزمن. الشعرية العربية الحديثة منذ بداياتها الريادية الأولى وحتى راهنها، هناك تداخل أشكال ورؤى ومبان شعرية مع غض النظر عن فوارق العمر والزمن. هذه المسألة تنطبق على الكثير من الأسماء والتجارب بمختلف فصول الشعرية العربية الحديثة.

كلمة “رواد” هي الأخرى كلمة مطاطة. فهناك الريادة الحقيقية في سياق التجديد الشعري والثقافي، بما فيها قصيدة النثر التي أصبحت تشكل المتن الشعري على نحو ما برغم ما تدعيه من امتياز نبذ وهامشية أصبحا من نصيب الشعر العمودي المتوارث: إنه نوع من سخرية القدر حيث مارس التاريخ مكره بحدة حسب التعبير الهيجلي إن صح في هذا السياق.

وهناك الريادة الصدفوية البرانية التي تنطبق عل بعض الشعراء في تلك المرحلة التي اتسمت بالتأسيس، ليس لأنهم شعراء رادوا الحداثة والابداع الحقيقيين بل لأنهم كتبوا في تلك المرحلة.

هذه الاشارات السريعة لا تنفي أن لكل مرحلة خصائصها وتصوراتها التعبيرية الأهم، كون الأدب والفن والشعر جزءا من حركة الزمن والحياة والمعيش وليس مفاهيم محلقة في فضاء التجريد المطلق. وراهن حياتنا ومعيشنا غير ذلك الذي نشأت فيه الحداثة: إبان ريادتها.. هناك نوع من انقلاب تعبيري أملته شروط حياة مختلفة.. اتجهت القصيدة الجديدة نحو مناطق أكثر خطورة في عريها وانغراسها في حياة لا غطاء لها من أي نوع كان، تاريخي، أيديولوجي، فكري، أصبحت أقرب الى ذاتها وحياتها المرارة باليأس والانكسار والاشراق.

سؤال الابداع الشعري الراهن، سؤال اشكاليات متشعبة ومدوخة، تتناسل باستمرار والا أصبح عادة روتينية فارغة، نوع من بيروقراطية كتبة حصيفين ومواظبين لكن من غير لوثة أو إطلالة حمقاء على الهاوية.

انكسرت أشياء كثيرة، تصدعت عن أماكنها المعتادة، وقيما تصدع تلك السطوة المتوارثة لشر المنابر ومواصفاتها المحفوظة غيبا والتي لا تعني جوهر العملية الابداعية في شيء: لنتخيل الشاعر الجديد المختلف، مذعورا متطيرا من تلك الحدبات التي فرخت أسوأ الشعر العربي، معمدا ببركات الكنيسة الايديولوجية الصاعدة في تلك الفترة. من منا لا يتذكر حين كان سوء الطالع يقذف به الى سماح ذلك الرجل المنبري وكأنما يمارس أقصى حالات المازوشيه. هناك طبعا شعراء كبار تشرفت بهم المنابر، لكنها لم تصنعهم، لقد صنعهم ثراء الموهبة والتجارب المريرة.. أصبح الشاعر الجديد لا يميل الى الانشاد المنبري ويجتاحه نوع من احساس المقصلة وبأن المشهد بكامله عبثي ومضحك وأتخيله أحيانا يتوسل أفكارا إبادية لانهاء هذه الورطة التي لم يعد لها من مبرر.

لاشك أنها القصيدة المفتوحة على برزخ الولادة والموت. قصيدة التيه والوجد الممزق.

اكتشاف نزار قباني(*)

أتذكر وسط هذا الضباب الكثيف للذاكرة، اللحظة الأولى التي قرأت فيها نزار قباني في القاهرة وبحي العجوزة تحديدا، حيث كنت أسكن مع طلبة آخرين.

كانت الشقة التي نعيش فيها تطل على مخفر كبير للشرطة ومستشفى. كنت أراقب دوما صخب الخروج والدخول اليهما وتلك الفوضى البشرية العارمة.

كان عام 1970 في أواخره حيث بلغت من العمر ثلاثة عشر عاما، بداية التماس مع الراهن بمعطياته الفكرية والثقافية والسياسية، أنا القادم من الضلع الأقصى لشبه الجزيرة العربية، حيث كانت بلادي العريقة قبل هذا التاريخ ترزح تحت عبء ما هو أسوأ من القرون الوسطى. كانت على صعيد المعرفة والتحديث بأشكالهما المختلفة، أشبه بكهف مقذوف في أقصى كوكب مجهول، كهف مليء بالخرافات والسحرة والجذام.

وكانت القاهرة آنذاك خارجة من جنازتها الكبرى بموت جمال عبد الناصر الذي مازالت صوره تضيء سماء المدينة الضخمة بآمال أوشكت على الغروب، وملامح عهد جدد يرتسم في هذا الأفق الخماسيني المترب.

في ذلك الزمن عرفت نزار قباني عن طريق بسطة كتب أسفل العمارة التي نقطنها.

كانت لحظة اكتشاف صاعقة على الصعيد الشعري.

فلم أكن قرأت قبل ذلك شعرا متحررا من المفهوم التقليدي للشعر بمعناه النظمي الشديد النمطية والتسطير الذي كانت تزخر به عمان، حيث كان العمود الكلاسيكي المتين يشهد انكساره الأخير، وذاهبا (الشعر) نحو أفق آخر وحياة أخرى، مثل شعر نزار قباني. كانت لحظة أشبه بانتفاضة للحواس والدم، والوعي في تشابكها واختلاطها بالمحيط السياسي والفكري الذي بدأت ألج تخومه الجديدة تماما بالنسبة لي.

من البوابة القبانية دخلت أو حاولت الخطوة الأولى نحو أفق الشعرية العربية الحديثة، “أو الحداثة” بتجليات وعيها المختلفة. هذه الكلمة التي تجسد مصطلحا بالغ التعقيد والصعوبة في. المستوى العربي والذي لم يعد نزار قباني يحبذه ويتحفظ عليه على المستوى الشعري تحديدا، كان هو من بناته الأوائل والفاعلين في أرضية الأجيال اللاحقة، أو وفق أنسي الحاج كلنا نشأنا في ظلاله.

كانت البوابة القبانية عبر القاهرة هي دليل الخطوة الأولى ومكابدتها نحو أفق آخر مختلف في تصوراته ومفاهيمه ورؤاه، ومنه دخلت الى تجليات أخرى لهذا الفضاء الجديد من السياب وأدونيس، ويوسف الخال، وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وعبد المعطي حجازي وحتى محمود درويش.

لم يكن نزار قباني منضويا تحت لواء جماعة أدبية أو ثقافية بمنابرها المختلفة التي كانت تسود المرحلة وتسمها بطابعها وتكوينها وممارستها الابداعية والتنظيرية.

فضل أن يكون منبرا بذاته، متحصنا بإنجازاته و”جماهير” هذه الأخيرة التي وجدت في بساطته الماكرة، غالبا، وشفافيته الغنائية، الفضائحية، التعبير الأوفى عن نزوعاتها وهواجسها السياسية والجنسية المطمورة في ظل اخطبوط المؤسسات القامعة، وهي التي (الجماهير) أعطته صفة “النجم” وسط رمال شعرية متحركة وممارسات تذهب مذاهب شتى من التجريب والهدم واللبس الفني في خارطة الشعرية العربية التي راحت تنأى عن شعر “الجماهير” في معظم الممارسات والتنظيرات الشعرية الحقيقية، بينما هي تحاول الايغال على صعيد الانجاز الفني والابداعي في التعبير عن تشظيات الذات الفردية وخرابها في ضوء خراب الجموع والهزائم والنكبات.. وجاءت هزيمة حزيران لتعمق هذه الرؤى وتدفع بها الى الطرف الأقصى من غسق الهاوية، مثلما نرى ونقرأ المشهد الشعري، الحياتي الراهن.

في هذه العتمة التي ترشح نورا قليلا، قاتما، ظل نزار قباني مواصلا خط سيره وطرائق تعبيره ورؤيته التي لا لبس فيها ولا غموض يعكر صفو العلاقة بين شعره وجمهوره، حاملا طموحه عبر سلاح الشعر، في تحرير الأمة من كوابحها وتابواتها وهمومها في الجسد والفكر والسياسة.

لا يختلف قباني كثيرا عن فرقاء الحداثة الآخرين في حمل الشعر على فواجع الأمة وقضاياها الكبرى، لكن الحمل هنا لا ينعكس لبسا وخوافي على جسد التعبير الشعري. فالطريق واضحة وشمس الشعر مازالت ساطعة.

يتسع جمهور القصيدة القبانية لفئات المجتمع وطبقاته رغم انحياز شعره الى المحرومين المهمشين والمقموعين بصراحة تصل حد الشعار والبوح والمثل السائر -رجالا ونساء فيقرأه ويتداوله الجميع القامع والمقموع، ابنة الحي البرجوازي أو ابن أحياء الصفيح وأحزمة البؤس في المدن العربية. الكل يجد في مراياه جزاء من نفسه وتهويماته، في جوانب إيقاع الرغبة الجسدية المكبوتة والطامحة الى التحرر من هيمنة الكوابح المتوارثة من أزمنة الانحطاط، والتي ينزلها قباني منزلة شبه ايروتيكية ذات طبيعة يختلط فيها الهجاء والثورة على المحرمات بالاستسلام الكامل وغير المشروط لملاك الحب وجبروته.

شاعر الغنائية العربية الحديثة بامتياز، أو كما عبر جبرا ابراهيم جبرا، إنه أحد أكبر الشعراء الغنائيين في هذا العصر، تلك الغنائية التي تتموج على غير حقل بأعماق شاعريته المحملة بهواها الدمشقي.

هل أضيف شيئا بالافصاح عن كونه ثورة في الشعر العربي وأحد المفاصل التجديدية في تاريخ هذا الشعر؟

في ترحالاتي الكثيرة عبر مدن عربية وأوروبية كجزء من جيل وجد نفسه في خضم شتات فكري ومكاني نسج حياته ونتاجه وسلوكه في غموض هذا التيه وتشظيه في غياب أي لحمة جماعية تشد أوامره المبعثرة بفكرة ولو كانت ذات مفزع طوباوي أو “مشروع” ما.. كان الواقع بارز العظام والعفن يسد النوافذ من كل الجهات.

لم يكن هناك مشروع على نحو ما كان عليه الزمن القباني وأقرانه، فذهبت بنا الحياة في طرق مختلفة، أكثر أرقا ووحشة وكذلك التعبير الشعري والفني بصورة عامة الذي فضع بدوره لتحولات هذه الحياة المقذوفة في الربع الخالي وهذياناتها المتكسرة. وجدنا أنفسنا مشدودين بشكل حنيني الى ذلك الزمن ورعيله الكبير، من غير افتعال قطيعة ولا اتساق.

.. فقط، الأمكنة المتصدعة، العزلات والتقلبات الفكرية والاجتماعية العاصفة، التي لم تبق على مفهوم قائم أو بداهة فكرية وقومية وتاريخية. كل المثل السابقة والتصورات جرفها الفيضان، فهي بحاجة الى خلق صياغات جديدة أو إعادة النظر فيها.

بقي الزمن القباني زمن التأسيس المستمر، في أراض وعرة ومحصنة بأسلحة القمع الممتزج بالثروة والجهل.

وفي خضم هذا الرحيل أيضا لم ألتق بنزار قباني إلا في مناسبات عابرة في أكثر من مدينة، أي لم أقترب منه بشكل شخصي وحميم إلا أثناء زيارته لعمان عام 1993كنت راجعا بعد غياب طويل أفكر على نحو غامض وساخر بمشروع يسوغ هذا الرجوع.. هكذا أخذنا سياق الأحاديث الحميمة لمناقشة فكرة تأسيس مجلة ثقافية – فكرية، وكان شديد الحماس لأي مشروع داخل الوطن رغم المرارة والمكابدة التي سيواجهها أي مشروع ينزع نحو التنوير والاختلاف في مناخ أقرب الى العداء لأي ثقافة جدية. وبعد فترة ظهرت مجلة (نزوى) التي ستكمل عامها الرابع.

وفي هذه الزيارة الأولى حصل مشهد نادر وطريف، في مدينة مسقط العاصمة العمانية الجميلة التي يسودها الهدوء والغياب التام لازدحام الشوارع والطرقات، ما إن اقترب موعد الأمسية القبانية حتى اكتظت الشوارع وازدحمت وتسبب نزار قباني في أول أزمة مرور في تاريخ البلاد.

***

ليذهبوا حيث شاءوا

للمقاهي والكنائس والساحات

للجبال والسهول والوديان.

سيتكلمون لغتنا لا محالة

تلك اللغة التي اكتسبناها

بخبرة الألم والعذاب.

حفريات لا تخوم لها في هذا الجسد

ورغبات لا تحدها الجدران والأقبية.

من أين أجيء بأيام، يسيجها البداة والأقمار

في قلب الصحراء

لا أسمع فيها غير ثغاء الماعز

وعواء الذئاب

أيام ارتشف فيها مياه الاسلاف

مثلما أرتشف قهوة الصباح.

كل شيء مضى في حال سبيله

وبقينا هكذا

مسمرين فوق أراض تنهار باستمرار.

***

كل شيء مؤجل الى الغد

وكل غد الى الآخرة.

لا بأس أن تجز السكين الوريد

وأن تسمع الذئب في هجعة الليل

يدعو ضحاياه الى وليمة.

لا بأس أن يعدو القطيع الى حتفه

وأن تهيىء الأم العروس

في أكليل الورد

متذكرة صباها.

لا بأس أن يقتحم الفجر غرفتي

ناضحا بفصوله الدموية أبواب العالم.

لا بأس أن تطيل أظافرك وأسنانك

وتغمدها في جسد

ولا بأس أيضا

أن أجد جثتي ذات صباح

مؤجلا دفنها الى الغد.

سيف الرحبي

ـــــــــــ
* من مساهمة في احتفالية التي ستظهر في كتاب بإشراف الجامعة الامريكية في بيروت.