جديد الكاتب

((جبال)) سيف الرحبي

حيث لا يشبه أحد أحداً دلدار فلمز حسن
الكتاب: ((جبال)) (شعر))
الكاتب: سيف الرحبي
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

تحمل مجموعة الشاعر سيف الرحبي عنوان ((جبال)) وهي المجموعة التاسعة له (كما أظن) في فنون الشعر وعلومه، هذه المجموعة مكتوبة بلغة خاصة متفردة.

قال عنه يوسف الخال: ((حداثة سيف الرحبي ليست حداثة افتعال، ولو كانت كذلك فلا تستحق دمعة حبر، انهار انفجار الوعي والحساسية الجديدة في تعبيرها عن شقاء الانسان في غربته ومنفاه، نقرأ ذلك في لغة شعرية متميزة وسط فوضى الهويات الشعرية السائدة)).

واللغة الشعرية المتميزة لم تتكون تدريجيا بل عرفناها منذ كتاباته الاولى في ((نورسة الجنون)) وعلى مدى خمسة عشر عاما، وديوانا بعد ديوان، يؤكد بانه صانع حاذق وماهر في اقتناص مشاهده الشعرية- وتأتي عوالم نصوص سيف الرحبي ((رحبة)) ومتداخلة بعضها البعض، متناولا بذلك مكونات وهوامش من مناطق شغوفة بالوحشة والرغبة، – برغم الطفولة المرمية في بساتين الذاكرة، والنص لديه مقتحم ومكثف بزخم شعري ولغوي وذلك من خلال حالات ذهانية يعيد فيها ما فاته بين رمال الصحراء وسربها البعيد، ويحدد أبعاد السراب خلف الجبال حيث ترفرف طيور ذاكرته رشيقة في هجرتها نحو مناطق مختلفة في الكون ليخبرنا عن لحظات البرية من كلماته ونتلمس زغب القطا والحبارى في صوره الشعرية وفساتين من الساتان الكالح لنساء بدويات

((في هذه الصحراء العاتية

الصحراء التي تسيل مع الشمس كثبانا وشياحين. ص5)).

ويخرجنا من منازل حجرية نحو حدائق مفتوحة على الكون، تاركين خلفنا موسيقى مفتوحة تحرس اعمارنا المنثورة بين ظلال الجدران وأعشاب في حوش الدار الشرقي

((أترك كل شيء مغلقا على نفسه

((عدا الموسيقى تضطرب في الردهات الخالية، ص8)).

بهذه الغنائية يمررنا على محطات مختلفة ومختلطة بالفرح والحزن معا، في الوقت الذي نصحو في الصباح ونحن مبللون بالنعاس حيث اقدامنا تسير على الرمال الرخوة وطمي ناعم نحو أفق مبتسم بنساء سعيدات والآخرون على شرفات حيث تتساقط حبات مطر ناعم وتستيقظ في النفس رغبة نحو:

((منازل كثيرة يرتادها الفتى

منازل مبعثرة في قارات ومدن ص13)).

منازل غامضة ومضاءة بشموع الحيرة وكأنها في ليل أبدي، وأصحابها يواصلون العيش تحت سجاجيد معلقة على الحائط مزينة برسوم وصور لأيائل ووعول، وعيون المها وتنانين، من آخر ليلهم الطويل يضعون رؤوسهم على مخدات خيباتهم ويحلمون بغد لن يأتي:

((منازل تدحرج سكانها في الأحلام ص19)).

انه يلتقط هواجسه الشعرية عندما يظل ساهرا على هضبات قريبة من تخوم السراب، يراقب تسلل لثعالب بعيونها الفوسفورية ويطرب مع صوت ترحال قافلة البدو بأغنامها وبغالها وكلابها وطيورها ويستريح في منازل مبنية من الطين وشعر الماعز:

((كانت لنا منازل نأتيها في المساء لننام

أو (وهذا ما يحدث غالبا) نأتيها

في الصباحات ونحن نتهاوى من السكر

مستغيثين برحمة الحائط من صخب الليل ص15- 16)).

وتشتعل داخل نصه رغبات مؤجلة من القبلات والأحاديث ومشاهد أعشاش الطيور وفراخها التي تكون فريسة للقطط والثعابين، ويمتحن الذاكرة أمام ممرات الطفولة الخالية من التخطيط والمكللة بالعنف والقسوة كأسلوب، ثم يسبح في سلالة المياه التي لا تشبه البحر، وطائر بجناحيه العريضين يحجب الأفق كضباب سميك، وثمة أشخاص يزورونه بدون مواعيد، يستهلكون نهاره وموجودات بيته ثم يتركونه يسرح في أيامه الخضراء أمام مرآة الذاكرة المكتظة بالحنين العالي، وثمة كأس في المساء وعيون زائغة واذرع ضاقت بها الغابات واياد موشومة بأساطير وأنامل مترفة بالنعناع، يغزل شباك الفجر المتأخر وكأن مع هذا العجز سيولد كل شيء دفعة واحدة على شاكلة وردة او امرأة قادمة من عصور أخرى وملفحة بشبق الذئب تجاه الفريسة:

((كأنما الحياة انفجرت

دفعة واحدة من مضيق

كأنما السنون ساقت جيوشها الى الحافة ص32)).

هذه التي طالما كان ينتظرها منذ ستة وعشرين عاما حيث كان يستيقظ في نزق كل صباح من نومه المثقل بأفكار غير مسؤول عنها، أمام نظرات أبيه الفاحنة وعويل أمه الذي يلاحقه بين حين وحين كلما اهتزت الأرض تحت قدميه الصغيرتين في رحلاته نحو بلدان ومدائن في قارات مجهولة وهو يصافح شبح السنوات عبر جبال وبراري في حراق تفضي الى حقول مظلمة:

((في قلب كل بستان امرأة تعوي من الشبق

وأصدقاء لا تنقصهم الخيانة ص40)).

ثم يشرب قهوة الصباح ويراقب الآخرين في تدابير شؤونهم اليومية. الأرق يظل يلازمه كأنما الضيف الأبدي محمل بحقائب تتسع لشكوك كثيرة، ويحاول سيف الرحبي أن يبدل وحشة هذا الضيف بالكتابة، وان ينفذ من خلالها نحو أفق، لكن أية افق تلك.. انه أفق مكسور ومزدحم بطيور قبيحة.

أحاول أن أبدد الوحشة بالكتابة
لكن الأفق يفر من يدي
وطائر الصيف القبيح يرتطم بالحائط.
لقد نسيت أمي رضاعتي
ونسيني الراحلون / ص44.
((هذيان، الجبال والسحر))

من خلال هذا النص الطويل الذي هو أطول نصوص ديوانه، يحدثنا فيه عن الذين ذهبوا بعيدا في ايام عميقة وموحشة، في ذهابهم يثيرون الكثير من كثبان الرمل والغبار أمام سراديب العزلة تاركين عشيقاتهم على اكتاف الزمان. رحلوا نحو أرض ضيقة ومدائن مقفلة الاحكام حيث تدركهم الظهيرة في ظل شجرة الخصد، وأمام عيونهم صور طيور كسيحة تنقر على شباك الحبيبة، الحبيبة التي تروي شجرة عزلتها كل صباح بمشوارها نحو بساتين الوحشة وتأنس الهاوية بمخلوقاتها الوفية، وتردد مواويل نحو متناهيات للمساقط والوديان، يومها الطويل المليء بالعابرين على القرى من الغجر والبدو والأزمنة المتصدعة في جيوبهم المغبرة بتراب الجبال وأكمامهم المدبقة بالصلصال، ثم يختلط في أجواء نصوصه مع شعوب وقبائل من سلالات منحدرة من أعالي السفوح وثغور المرابض، اقوام قادمة من أماكن مجهولة من الكون ونفيرهم الممتزج بأصوات الفلاحين في حقولهم المجاورة للمدائن والقرى حيث الرعاة ينشجون في بنايات من قصب في تخوم الصحراء، على محاذاتهم حيوانات أليفة وفي القيلولة يوزعون على بعضهم الزاد وينادون بعضهم بأسماء وألقاب، وقبل الغروب يضعون أوراق التوت البري على قبور أجدادهم ويتسللون عبر تلال ومرتفعات، هم يمتطون جبالا وبغالا وفي سروجها خبز يابس وما طالت أياديهم من الصيد، وعلى مشارف المدن والقرى عتّالون سكارى يقصون بمشارطهم ما يحلو لهم في تسلية لعوبة.

((تمضي نحو القرى الرازحة في وحشتها القصوى تحت طوق

الجبال بأشباحه وغزاته وشهبه التي سقطت للتو، بعد سفر طويل لتستقر في هذه القيعان المسترخية في حوض الأزل)).ص62

بهذا أرادوا أن يغسلوا الليالي من وحشتها وان يمجّدوا أزهارا من الكريستال، ثم يتركنا سيف الرحبي ونحن غارقون في سهر مع الحبايب في حقول الغياب حيث الأزقة المليئة بالمشردين من آثار حروب الثأر، وبروق الجهات الطائشة وتحت أنظار كنصلة من هواء بارد في أعناقنا حيث لا أثر لمنتظر. والرحبي يشيد نصه الاحتفالي بهذه الحكايات العابرة التي قصت عليه في أيامه الأولى عندما كانت الجدة تسرد عليه أمام مواقد النار في زمهرير الشتاء حيث كؤوس الشاي المنعنعة، ثم يصرخ من صدره الثالث وأجواء ذاكرته الاستثنائية، الذاكرة المليئة بالرحلات على البواخر ورائحة القراصنة ونزوله على فنادق ومحطات مختلفة من الكون، وفتيات الليل اللواتي لا يتركن في آخر الليل سوى جوارب حريرية متروكة على أطراف السرير. ومن نصوصه المترفة بالنعناع البري يسقينا مياه العالم ودمه المتيبس على مداخل المدن، وعلى عتبات مظللة بالاعشاب والعزلة المخذولة وبصور أصدقاء يجهشون بالماضي والحاضر في خرائب الكون وبيوت مهجورة بظلال الوعي المبكر في الطفولة، ربما كحلمه الأخير بين حشائش على مقربة من منزله الأول، منزله المليء بمخلوقات نمامة حيث حبه الأول وآثار عطره الواضح الى حد الوجع، ربما كحلمه الأخير حين يغادر الشمس وهي ترضع حيوانات الفلاة.

غادرتك النجوم الأولى والأيائل
وضفاف الأودية
غادرك الزمان

وما يظنونه كنزا ليس سوى آلة حتفك الرهيبة، ص71. ثم يجدد فينا رغبة المسافر الى مياه خاوية، ربما برفقة أرملة العصور، يمضي نحو بحر لا يشبه البحر، ثم يدرك انه قد فاته شيء ما عن نشيده الأول والناقص تاركا خلفه زهرة القلق وهي تظلل الطرق عليه كلما تقدم به العمر نحو سماء مشدودة بالعزلة، وفي نصوصه ثمة جزر مليئة بالنوارس والأحزان، حيث الصيادون يرمون شباك خيباتهم على شواطئ (الحيل) وجروح أقدامهم تمتلئ بمياه ملحية، وعلى الشاطئ نفسه يسامر نساء مكتظات بالقلق والمد البعيد وتيجان الغياب الباذخة وبالقلائد الممهورة بالأزرق في مشاهد مفقودة، والداهمة على حجرات الأيام بأحلامها الندية:

((آه من يمتلك روح اللقالق
في عزلاتها الكبرى أمام البحر
وحيدة تنام وحيدة تستيقظ
بعيدة عن السرب))، ص86.

وهناك حيث الصبية المزنرون بالبنادق والخناجر على أعناق متطاولة من الجبال نحو الصحراء.

الأجنحة وهي توغل في سراب المسافة بأرض لا قرار لها، كانت البنادق مهيأة للصيد، ص87.

وصبية تاركون في المنازل أمهاتهم يرتبون رنين قلتهم على رفوف الحيرة، قلقهم الممزوج بفحولة رجال ماتوا، ويشربون من بريق العذاب كؤوسا طافحة بالأعشاب البرية

((كل هذه الذرى
ولا أحد تركله رغبة الصعود
إلى جبل)) ص92.

هكذا هو نص الرحبي يسير بنا من الاستيقاظ الى نوم، جارفا معه انهيارات كثيرة في العدم، هكذا بين اشارة واسم جديد، لكن بنفس الفحيح للكوابيس، نص يغوي للاصغاء ومشاهد توفر للعين ألبوماً من صور ((صحراوية))، هل هي الرغبة في إغواء لفضاءات وحشية تفسح مجالا للتخيل.. بقدسية صوفية حديثة تعيد الرؤية الى البدء الكوني الضائع لعويل الرحيل..

السفير (الاثنين 24 اغسطس- 1998- العدد8079)