جديد الكاتب

ثيمة الغياب في شعر محمود درويش

“لقد ناضلنا ضدك أيها القدر، ضد هجماتك السريّة الكاسرة، والمعلنة. لكن حين يأتي موعدُ رحيلنا، سنمضي باصقين على هذا العالم مرددّين أنشودة نصر مجيد: لقد عشنا حياةً طيّبة”.
أبيقور

إلى أي مدى تتلاشى الحدود والبداهات في هذه الحقيقة الإبداعية الملتبسة، ان الشاعر الأكثر حضوراً في الجماهير والقضيّة والأكثر احتشاداً وغناءً بالمعنى الملحميّ النبيل، هو الشاعر المجبول في عمق كيانه وصميم صنيعه الإبداعي، على الغياب والموت والتلاشي، من :

“خديجه لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب”
وأيضا :
“مطر ناعم في خريف بعيد
والعصافير زرقاء، زرقاء
والأرض عيد.
لا تقولي أنا غيمة في المطار
فأنا لا أريد
من بلادي التي سقطت من زجاج القطار
غير منديل أمي
وأسباب موت جديد”
البلاد/ الأم منذ تلك الفترة المبكرة محاطة بهالة السقوط بالمعنى التراجيدي وأطياف الموت المتطاولة..
الغياب والموت يهيمنان على روح الشاعر الكبير ولُبِّ وجوده كثيمة أصيلة استمرت وتعمّقت في عالمه الشعري والحياتي فرداً وجماعة، حيث الفلسطيني الذي وُلد من صدمة الغياب والموت وانتشر بأرجاء الأرض في رحلة تِيهٍ وبحثٍ عن ضوء العودة الشحيح، الى أرضه الأولى التي اقتُلع منها عنوةً وقسراً وبأسلحة الحضارة الحديثة وقيمها وإنجازاتها، وبأسلحة الأخوة وأبناء العم، والسلالة بكل معانيها، وأبناء القضية الواحدة والخندق الواحد.
الفلسطيني الأعزل المشرد لا يجد ما يسند كيانه الذي تفترسه الضواري والوحوش من كل حدْب وصوب، إلا ذلك الحلم العصي البعيد، ما زال يتسلل من نوافذ مغلقة وآفاق مدلهمة.
تستمر هذه الثيمة في شعر محمود درويش، حتى أعماله الأخيرة حتى “الجدارية” وما بعدها، دافعاً بها الى فضاءات تعبيريّة قل مثيلها في الثراء والدلالة والسطوع المأساوي.. الشعر الذي يقيم مضاربَه وسُكناه على أرض الخطر والهواجس التدميريّة، على صحراء القسوة والموت الزاحف لا محالة، والفناء. وذلك الإحساس العبثي الذي يصل حدَّ العَدَم العاتي إزاء الوجود برمته، ما أخصب شعريته بحشد المعاني والدلالات المتناقضة المتصادمة في ظاهرها كونه شاعر الإنبعاث والثورة، لكن في العمق أعطى هذا الإحساس غنى التجربة واتساعها، أعطاها بعدها الجوهري الكبير.
منذ بداياته المبكّرة على تلك الأرض التي ستتحوّل لاحقاً إلى رمز لغياب أزليّ أصيل للكائن في كل زمان ومكان وتفيض عن شرطها التاريخي العاتي والمحدّد – وحتى (الجداريّة) وما تلاها من أعمال شكّلت مرحلة حاسمة في تاريخ الشعريّة العربيّة قاطبة.
على تلك البقعة الصغيرة الخضراء من أرض البشر، ظل الحنين يكبر ويحشد أدواته وقواه الخلاّقة عبر ذلك الخيال الشعري الذي بقدرته المدهشة يحوّل ما لا يتحول قاذفاً به إلى قفار وعوالم غير مسبوقة ليبني أسطورته الخاصة المشتبكة والموازية والمتماهية مع أسطورة الوطن السليب…
الغياب الذي وسَم الشاعر منذ طفولته، رغم الحضور العارم لصخب المرحلة وشعاراتها وآمالها المستقبليّه آنذاك…
غياب صاعق للوطن وللعائلة والمركز الوجداني والعاطفي سيطبع جيلاً عربيّاً بكامله وستكون فلسطين هي النموذج المأساوي المكثف لما ستؤول إليه أحوال البلاد عامة (التي انفصل البحر عن مدنها) وما نحن عليه الآن حيث الإقامة في قلب الهاوية التي تبدو بلا سقف ولا قرار.
غياب الشاعر والجماعة المشوب والمخترق دائماً بحلم العودة والحنين…
لكن هل ثمة امكانيّة واقعيّة للعودة؟
أم تظل حلماً يسكن الشاعر نوعاً من دعامة روحيّة من الانهيار والتلاشي؟

***
محمود درويش الذي خبر الحياة والعالم سفراً وترحالاً ومنافي، يسلمه الواحد إلى الآخر.
وعاش في قلب تراجيديا التيه الحقيقية التي هي اقتلاع شعب واضمحلال ما تبقى من الإرث الإنساني للعصر الحديث ؛ اختار أخيراً الإقامة في رام الله (حياة وموتاً) إذا صح التعبير، في قلب المجزرة والبطولة، في أعماق شعبه الذي أحبه، وكان الملهم الأول لأعماله الخالدة.
وحين رجع ذات مرة إلى قريته (البروه) لم يجد ما وجده أبطال الأساطير العائدون بعد مغامرتهم وأسفارهم ومحنهم، التي اختزلت محن عصور بكاملها، لم يجد حلم موطنه الأول ولا حتى بقاياه.
كانت قرية طفولته أطلالاً وحطاما، كأنما ترفض أن توجد وتزهر إلا في مخيّلة الشاعر، لاجئةً من البرابرة إلى مخيلته ووجدانه لتظل الوقود الإبداعي والرمز. وهل ثمة ما هو أسمى وأنبل من ذلك على قلب الشاعر الجريح ؟
المبدع يسكن حرّيته وخياره في الترحل والإقامة، في الحرب والسلم إن وُجد، يسكن شرط ألمه وتاريخه وسط اجتياحات الزمن والتاريخ.

***
نقرأ محمود درويش الآن، محدّقين في ذواتنا الممزقة بالغيابات والجثث والأشلاء، وتلك الطفولة المضيئة ككوكب انفصل عن هذه الأرض الصدئة، ومن المستحيل استعادته إلا عبر الحلم والشعر، ونقرأ تاريخ المرحلة فلسطينياً وعربيّا، ونقرأ تاريخ القرن العشرين، وكل قرون العذابات البشريّة.
محمود درويش وغسان كنفاني أكبر كاتبين وشاعرين أنجبتهما التراجيديا الفلسطينيّة وما يليق بحجم هكذا مأساة، رد عبر اللغة المفعَمة بهواجس التاريخ والجمال على عصر الفضاضة والانحطاط، وإعادة اعتبار إلى الذاكرة المنتهَكة.
ما يجمعنا بمحمود درويش والفلسطينيين ليس بداهة مناصرة القضيّة في بعدها المباشر الذي تجمع عليه كل هذه الأكوام من “الذباب الموسميّ” وإنما روح المتاه الذي طوّح بنا إلى أقاصي العَدَم الباحث عن جماله المفتَقَد، المعذَّب والمستحيل.
“ليس الوصول هو المهم وإنما المضيّ في الطريق المؤدي، ربما إلى اللاشيء. الطريق في حد ذاته أجمل من الوصول إلى الهدف”.

***
محمود درويش من تلك القلة في شعراء العالم عبر التاريخ، الذين ربحهم الشعر والنثر إذا ثمة فرق، وربحتهم القضيّة والمبادئ الجوهريّة (ليس من غير ريبة وتوجس) الذين استنزفوا أعمارهم من أجلها… وربحهم الروح الانساني والجمالي وهو في طور انكساره وهبوطه.
تبقى فاجعة غيابه المادي وحضوره الفريد، تلك الشخصية المركبة التي تفصح عن بساطة وطيبة ، مثلما تتوارى في الترّفع والغموض وفق متطلّبات المواقف والأمزجة والحساسيات. يطبعها المرح وعادية التفاصيل اليومية، القرب وكسر الحدود، مثلما يطبعها الاسم والتوقيع والأسطورة.
محمود درويش الذي كان يعرف كيف يمسك بخيوط العلاقات البشريّة وقسطاط المسافات الغائمة، المعتمة في الحياة والشعر.

***