جديد الكاتب

ثمن الديمقراطية ليس حتما بهذه الوحشية الشاعر سيف الرحبي

 الشاعر العماني سيف الرحبي من الشعراء المتميزين في العالم العربي بنتاجاته الإبداعية المعروفة: مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، رأس المسافر، نورسة الجنون، الجبل الأخضر، أجراس القطيعة، وذاكرة الشتات العربية (مقالات). سيف الرحبي رئيس تحرير مجلة «نزوى» الثقافية، عاش في الجزائر لفترة وها هو يعود  إليها في ملتقى الأيام العربية للأدب والشعر. التقته «الخبر الأسبوعي» على هامش الأيام وأجرت معه هذا الحديث. 

·        حاورته: نصيرة محمدي

 – الفنان لا يكف عن الترحال المحموم والركض خلف انخطافات تفرج عن نص يحفل برنينه وظمئه وتخبطاته وضوئه، كيف تنظر إلى هذه المسألة؟ كيف تقيم داخل نصك وتتحرك فيه؟

* مسألة الترحل ضرورية ولازمة للشاعر والفنان. الترحال داخل اللغة، والترحال داخل الأزمنة وداخل المكان، واعتقد انه بالنسبة لتجربتي الشخصية مارست الترحال بمستويات وأطوار مختلفة، الواقع المكاني الذي مارسته طويلا والذي لا أزال أمارسه بطريقة أخرى، ويظل الشاعر كالبدوي مترحلا أبدا داخل هذه الاقاتيم وداخل الحقول الصعبة للوجود البشري والجمال لكي يستطيع أن يكتب نصا ويدفع بالعبارة الشعرية إلى تخوم غير مألوفة، والى أماكن قصية في التعبير الشعري الفني. والتعبير عن تشظي الإنسان وتمزقاته وانسحاقه في الزمن الذي نعيش.

– كيف يربك الشاعر اللغة ويحقق تمايزه في بنية لغوية تشترط التخلص من الجماعي والانتباه إلى الذات وشروطها الإبداعية، والاحتدام بتجربة بالغة العمق للعبور إلى الكينونة المطلقة؟

* أتصور أن هذا من الشروط الحقيقة الإبداعية، فعلى الشاعر أن يفترق بلغته عن اللغة الجماعية السائدة، عن اللغة الاستعمالية، ويحرر اللغة من الاستعمالية والاستهلاكية اليومية التي هي رهن الجماعة ورهن الاستخدام القطيعي والاستهلاكي كي تكون اللغة شخصية إلى حد كبير، ولغة متأملة، وداخلة في تخوم النفس البشرية غير أن تكون اللغة سطحية وخارجية وبرانية. من هنا تأتي عملية الصراع شبه المتوحش بين الكاتب واللغة وأيضا الافتراق عن لغة الايديولوجيا، فيمكنك أن تلاحظي في الشعر العربي أو العالمي حين تسود لغة الايديولوجيا ولغة العام والخارج يقع الشعر الحقيقي والتعبير الفني في مأزق.

فمنذ الخمسينيات والستينيات سادت العالم العربي لغة إيديولوجية جماعية ومنبرية لكنها ليست لغة شعرية على الإطلاق، يبقى هذا الصراع الأبدي بين الكاتب وبين لغته فهو صراع لا بد منه لان اللغة أيضا ليست مطواعة، وتستدعي اختراقات وصراعات.

– اختراقات بالمعرفة .. بالقراءة ..

* اختراقات بالمعرفة، بالجهاز التعبيري، لأنه في النهاية اللغة هي نمط التأمل بالخلفية المعرفية والتأمل داخل الذات داخل أعماقه. وهذا يتطلب التعبير عنها بلغة مفارقة أكثر جوانية، أكثر داخلية، أكثر صدامية مع الأشياء ومع العالم.
– أهي اللغة المسائلة- الشرسة؟

* طبعا، اللغة دائما تظل مسكونة بالسؤال. وعندما تصر لغة على أجوبة تنتهي من أن تكون لغة شعرية. هي لغة احتمال مفتوح دائما على المجهول ، على المغامرة، على التجريب.

وعندما تستقر اللغة على مدار واحد تبطل أن تكون لغة فنية.

– في متسع الشعر يحلم الشاعر دائما بملامسة شيء ما، بمحاورة عالم ما بماذا يحلم سيف؟

* طبعا يظل الحلم في العملية الشعرية واحدا من الأدوات الأساسية كي يفارق الوقائع العادية والجافة، تنمحي الحدود بين ما هو حلمي وبين ما هو واقعي، بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي، بين ما هو خيالي وبين ما هو متحقق واقعيا. هذا المحور للحدود من أدواته الأساسية الحلم، فاللغة في العمق نسيج حلمي، وعملية تخييل للوقائع والأشياء والتاريخ، ومن هنا يكسب الحلم صفته الأساسية في العملية الإبداعية، الحلم كحجر أساسي في البناء الفني والتجديد يبقى الملاذ الروحي للفنان كي يتجاوز هذا الواقع القاتل للحياة البشرية باتجاه آفاق حلمية، يقول أندريه برتون: علينا أن نلغي كل تلك العقود التي وقعناها في غياب الحلم، لنتصور الحياة العربية القاتلة، لو يستسلم الإنسان لحظة، لو يغادره الحلم لحظة لما استمر في غياب مقومات إنسانية وجمالية كثيرة، علينا أن نلوذ بالحلم وبالشعر كملاذات روحية راقية.

– الشاعر سيف ، كيف ترى حال القصيدة العربية الآن، ما هي خصوصياتها وعلاماتها في زمن تراجعت فيه قيمة الشعر؟

* هناك أنماط تعبير مختلفة، اتجاهات مختلفة وأتصور أن مجمل هذا النتاج الشعري العربي ليس منسجما عل الإطلاق. قد تكون الحياة العربية سيئة إلى درجة كبيرة، لكن الشعر ليس سيئا، وفي عصور مختلفة، أحيانا العملية الفنية والإبداعية لا تتبع شروط الواقع التاريخي. يمكن أن يكون الواقع منحطا ومنغمسا لكن تبقى هناك قصائد ورسوم ومبدعون راقون جدا. ففي ضوء هذه الأطروحة الشعر العربي فيه إنجاز كبير، حيث انفتحت الشعرية العربية أكثر على الأفق النثري وصارت القصيدة متحررة من تلك الطابوهات الوزنية والأثقال والإيقاعية، صارت أكثر انفتاحا على العالم فالقصائد التي تكتب في الخليج وحتى المغرب والجزيرة، تحمل صفة خلق حقيقية، صفة مفارقة وهامة.

– طيب، ما رأيك فيما يطرح بقصيدة المركز والهامش بالمعنى الإبداعي والمكاني؟

* طبعا بالمعنى المكاني هناك بلدان تشكل مركزا للثقافة العربية والشعر العربي، هذا المسألة تقلصت إلى حد كبير.. مع التطور المعلوماتي والتكنولوجي وانفتاح مختلف المثقفين العرب على مدارات واسعة صارت هذه الحدة في ارتباط الهامش بالمركز اقل كثيرا، وصار الشعر الذي يسمى «بلدان الهامش» أهم بكثير ما ينتج في  المركز، لكن لا تنفي أن البلدان التي شكلت مركزية حضارية في العالم العربي منذ قرون طويلة ما زالت مضاءة بالثقافة وبحيوية ثقافية وإبداعية جيدة. لكن هذا لا يعطي الحق أيضا أن تكون هذه الثنائية الصارمة بين مركز وهامش على صعيد آخر إبداعي أتصور دائما أن الإبداع الحقيقي يكون في الهامش، يكون في ما هو نافل ومهمل وهامشي ومسكوت عنه في تاريخ البشرية كله ليس هناك إبداع يقع في المركز.

الإبداع يمارس كحقيقة داخلية للكائن، هو إبداع يشكل انحرافا عن المركز، مركز المنظومات والمفاهيم المستقرة السائدة ليحفر مجراه الخاص في التعبير والرؤية.

– هل قرأت التجارب الشعرية المغربية، واقصد بالخصوص الجزائرية. ماذا تقول بشأنها؟

* طبعا قرأت . وصلتي بالجزائر كما تعرفين صلة قديمة أنا عشت فيها منذ الثمانين فترة لا بأس بها، وكنت على تماس مع الثقافة العربية بالجزائر، ولدي أصدقاء من الجزائر مبدعون مثقفون بمختلف اتجاهاتهم، والآن ارأس تحرير مجلة ثقافية تعنى بهذا المجال، أيضا أنا على تواصل دائم بهم، فيمكنني القول أن النثر الجزائري متطور جدا على الشعر. فالرواية الجزائرية من طلائع الروايات العالمية، خاصة المكتوبة بالفرنسية، وهذا لا يضيرها شيئا لأنها تحمل هما جزائريا وعربيا وشرقيا. أي روحها متجذرة في هذا المكان. هذا قدر تاريخي وحضاري. في الفترة الأخيرة أتذكر نوعا من الواقع القرائي التاريخي للوضع الجزائري، تصلني نصوص وكتب شباب تشكل نقلة نوعية في الشعر المكتوب بالعربية، لغة عالية جدا ومفارقة وتندمج في السياق الطليعي للشعرية العربية بشكل عام.

– ما هو موقفك كشاعر ومثقف من أحداث الجزائر، لماذا يأتي هذا التضامن متأخرا من عربي؟

* لا، هذه ليست مسألة شخصية، الجزائر كانت تعيش إشكالا حقيقيا على صعيد الهويات الثقافية قبل أن تعيش الأشكال السياسي المباشر. كانت الهويات التي تغذيها خلفيات مختلفة ليست طبيعية. لكن الذي حدث هو نوع من الانفجار الكارثي الذي لم يكن متوقعا على الإطلاق من كائن بشري يصل عبر تقمصه لإيديولوجيات مهما كانت أن يصل إلى هذا المستوى من التوحش والدموية والبشاعة واستئصال حياة الإنسان وكينونته الروحية والمادية، كمجتمع غير مراوغ مجتمع مشكلته الأساسية سيكولوجيا الوضوح الكاسر، الوضوح إلى درجة العنف. هذا الوضوح كان من الممكن أن يؤدي إلى نوع من الحوار الصافي والحقيقي والخلاق بين الهويات التي تزعم التصادم.

لكن الذي حصل أن هناك أطرافا خارجية غذت هذا الصراع بعيدا عن التحليلات السياسية والفكرية التي تبدأ بالمقدمات وتنتهي بالنتائج، ما حصل هو كارثة حقيقية ودليل بشاعة على أن العنف البشري لا يقف عند حد في أن تنفجر الدماء وهذا في كل مكان، لكن في الجزائر كان أفظع.
– اهو طريق الديمقراطية المعبد بالجثث والدم؟

* ليس ضروريا أن يكون الثمن بهذا المستوى من الفداحة، المسألة ليست واضحة تماما أمامي وباختصار لا ابرر القتل بأي شكل من الأشكال إطلاقا. ومن الأعماق نتمنى أن تنتهي هذه المحنة في الجزائر لتواصل مشوارها القيادي في العالم العربي.

نسيت أن أقول لك أن القيادة الحاكمة في العالم العربي ليست بمنأى لأنه عليها أن تقود المجتمع قيادة حضارية ديمقراطية وثقافية أي إلغاء التهميش والإقصاء.

بالنسبة للتضامن كان وجودي في أكثر من بلد عربي، المسألة كانت لكل الناس الأميين والمتعلمين والمثقفين، تشكل جرحا حقيقيا وشرخا في وجدانهم. وانأ كعربي لست هانئ العين لما يحدث، لكن على صعيد المثقفين البنية مفككة متشظية وليس لها جامع حقيقي أمام القضايا المصيرية.

الذي حدث في الجزائر دليل على هذا والذي يحدث في العراق الآن وما وقع في لبنان يرتفع صوتنا كعرب، لم يكن لنا موقف إزاء الابادة والقتل والخراب العربي.

– المثقفون الأوربيون لديهم استراتيجية حتى في تضامنهم مع الجزائر أو أي بلد آخر.

* المثقفون الأوروبيون لديهم بنية متماسكة، ورؤية حضارية وإنسانية إزاء ما يحدث، وثبت هذا في أكثر من حدث كوني أيام حرب الفيتنام، هلكوا السلطة الأمريكية باحتجاجاتهم وبصدامهم وفي أكثر من مكان، الثورة الجزائرية تضامن المثقف الفرنسي معها.

– كيف تنظر إلى الأدباء والمثقفين الجزائريين الذين صمدوا بالداخل؟

* هذا نبل إنساني وإبداعي عال جدا يعني الصمود في خضم تلك المذابح وتلك البشاعات التي مارسها البشر على هذه الأرض الطيبة كان فعلا نبلا ويعبر عن الموقف الشجاع للكاتب والشاعر والمثقف مهما كان نوعه، أمام أفق مدلهم في مرحلة معينة في التاريخ الوطني للجزائر، وهذا استمرار لمواقف حرب التحرير وغيرها أن يكون المثقف الجزائري حارسا للقيم وللضمير الذي توشك البشاعة أن تدمره وان تطرحه بعيدا عن أرضه الحقيقية.

فهذا الموقف بداهة موقف عظيم وخلاق وهو الذي يجب أن يسود في الأحداث التاريخية للشعب الجزائري، هذا الموقف الذي قاد إلى تضحيات والى استشهاد والى تدمير الكثير من الأسماء الذين تربطنا بهم علاقات شخصية.

فهذا شيء اعتقد انه جزء من الحلم الذي يوشك أن يندثر بالنسبة للكاتب أو المثقف العربي بشكل عام.

قد تكون الحياة العربية سيئة إلى درجة كبيرة، لكن الشعر ليس سيئا، وفي عصور مختلفة أحيانا العملية الفنية والإبداعية لا تتبع شروط الواقع التاريخي. يمكن أن يكون الاقع منحطا ومنغمسا لكن تبقى هناك قصائد ورسوم ومبدعون راقون جدا. ففي ضوء هذه الأطروحة الشعر العربي فيه إنجاز كبير، حيث انفتحت الشعرية العربية أكثر على الأفق النثري وصارت القصيدة متحررة من تلك الطابوهات الوزنية والأثقال الإيقاعية، صارت أكثر انفتاحا على العالم.