جديد الكاتب

تلك القرية

أصحو من نومي. افتح النافذة، السماء تمطر بشدة، نحن الآن في منتصف الشهر السابع والطقس يشبه كثيراً طقس الشتاء. سكون وهدوء مطبقان. تتصل المرأة العريقة في الذاكرة تقول ان سعد الدين ابراهيم اعتقل بتهمة التجسس لأمريكا. وقالت من الضروري ان نلتقي في بحر هذا الصيف. بعد ان أغلقت سماعة التليفون أحسست بشوق فعلي إليها. تتصل صوفي تشتمني على انقطاعي. البارحة رأيتنا معا على متن باخرة سائحين في ربوع العالم من غير هدف.
اشرب الشاي ألبس ملابسي وامضي تحت وابل من المطر. تذكرت بطل هيمنجواي في (وداعا أيها السلاح) بعد موت حبيبته يخرج متنـزهاً تحت الأمطار الغزيرة يشاهد تفتحات الطبيعة وولاداتها. أمضى صوب إدارة القرية حيث (أنيتا نويمان) المسؤولة الإدارية لشؤون ضيوف القرية. امرأة على مشارف الخمسينات، طويلة وعلى جانب من الحيوية والجمال الذي يوشك على الغروب.
تطفح بانوثة واضحة. كنت قبل أيام سألتها إن كانت من القرية نفسها، أجابت بأنها من قرية أخرى صغيرة جدا لا يتجاوز عدد سكانها المئات. تخيلت إنني ذاهب معها إلى تلك القرية نتجول في حقول طفولتها المعرّشة بالكروم والنباتات المختلفة. وحيدة مليئة بالعزلة والبحث اللامجدي عن الآخر. تخيلتني ذلك الآخر فورا، لكن الالتفاتة التي تفصح عن نوع من صرامة في هيئتها وهي تلقي برأسها من يمين المكتب نحوي، جعلتني أتراجع في أحلامي تجاهها، ذلك النوع من الصرامة التي تنبثق من منطقة غامضة في الروح الألمانية والذي ساهم في صنع أهم التحولات المعرفية والعلمية في تاريخهم المحتشد بالهدم والبناء.
اخرج إلى الغابة التي كانت خالية لكنها ليست موحشة فثمة ما نأنس به في الطبيعة اكثر من بني جنسنا أحيانا. أقول أحيانا لأن واحدا مثلي لا يدعي امتلاك تلك الطاقات الروحية التي تملكها قلة من بني البشر. وهي قلة محظوظة في امتلاك الإرادة الحرة الجبارة في التحرر من اكراهات الآخرين وتقلصاتهم المزمنة؛ لكن في حدود الممكن واللازم للكتابة والروح في الانفصال عن السياق العام للدهماء. وأنا في غمرة انشغالي بتأمل مختلف حيوات الطبيعة ومظاهرها الآسرة بعد طول معاشرة للجبال الجرداء والأرض القاحلة يتقدم شاب طويل حليق الرأس يبدو انه صغير السن رغم عملقته يلبس أساور وحلقا واحزمة في أنحاء جسده المليء بالوشوم. حييته باشارة من رأسي لكنه لم يرد.
توجست خوفا في كونه ينتمي إلى الجماعات النازية الجديدة المعادية للأجانب في الديار الألمانية والأوروبية راقبته من طرف خفي. التفت نحوي لكنه لم يواصل الطريق، انتحى ناحية في أعماق الغابة. قلت ربما يترصدني وأنا اعزل في هذا المكان المقفر الذي تكثر فيه عادة حوادث قتل وإجرام. فحين كنت في لاهاي كان الأصدقاء يحذرونني من المشي الطويل في الغابات الكبيرة بقيت متوجسا مترقبا قفزته الدموية، لكن ذلك لم يحصل كما هو واضح. واصلت طريقي إلى خارج الغابة حيث بعض الأفارقة يلوذون من المطر تحت صفيح ملعب للأطفال. .