جديد الكاتب

تحقق المثال

في مطلع السبعينيات على ما أعتقد ، من القرن المنصرم ، قرأت الكتاب الذي كان شبه متداول في أوساط اليسار الثقافي لتلك المرحلة (ضرورة الفن) لآرنست فيشر ، الذي تتصدره عبارة مغوية غامضة بشفافية ، لجان كوكتو (الشعر ضرورة وآه لو أعرف لماذا؟)
ربما هذه الضرورة الروحية المجهولة المصدر والنبع لكنها حاسمة ، تنطبق على كافة الأزمنة البشرية ، إلا الزمن الذي تبلغ فيه هذه البشريّة طور التحقق الأسمى والكمال ، أي ما يشبه الحلول والسكنى في المطلق والمثال..
وهي نظرة لا بد لافتراضها من حاملة أيديولجيّة يوتوبيّة تؤمن بإمكانية بناء هذه المثال الفردوسي على هذه الأرض التي قطعت كل هذا الشوط المأساوي الكثيف نحو ما هو نقيض ذلك ، نحو التحلل والهرم والانهيار….
الشعر والفن ، كضرورة روحيّة وجماليّة تزداد أهمية وخطورة في البرهة التي نعيش بكل هذا الصخب المادي والتقني ، بكل هذا الاندفاع الأعمى نحو مستنقع الاستهلاك وجحيم العلاقات اللاإنسانية واللااخلاقية التي تسود العالم ، وربما تزداد ضراوة في المنطقة التي نعيش في العالم العربي رغم كل الإدعاءات التجميلية التي لا تعمل إلا على تعميق البؤس والانحطاط …
الشعر والأدب والفلسفة ضرورة وجوديّة وفيزيكيّة وأخلاقية ملحة ، خاصة في ظل تدهور الاجتماع والسياسة التي تحوّلت إلى سيرك مفتوح للتهريج والتبشير المنافق ، يسومها كل سائم مؤسسي وغير مؤسسّي (كما أشرت في أعمدة سابقة) ولم تعد علم تحليل الوقائع والاحداث المرتبطة بصيرورة التاريخ ، إلا ما يضيف إلى السيرك من صفات استعراضيّة وبهلوانيّة . ويقينا هناك ما يشذ عن السياق ويختلف …
في هجوم أزمنة الحروب العشوائية والطائفيّة وهجوم أزمنة الانهيار وانفجار العُقد النفسيّة الرخيصة ، أي انطلاق الوحشي من أعماق الكائن ، من غير وازع ولا رادع كما نعيش ونشاهد ونسمع.
كل أنواع القول الروحي الوجداني ، الذي يتداخل حد التماهي الخلاق أحياناً مع منطق التحليل العقلي الحر والعميق ، تتحول إلى ملاذ وحصانة ضد الموت المجاني والمرض والجنون ، حصانة وملاذ ضد أنواع واشكال القيم القطيعية ، المعولمه على نحو اكتساحي فاجع ، حيث تضيق التمايزات والفروق ، قِوام الابداع والافراد ، حدّ الاضمحلال والتلاشي.
***
المقولة التي أشرت إليها ، المحمولة على وهم التحقّق الأرضي للكمال في طور ما من أطوار التاريخ هي نفسها التي حوّلت الشعر والفن إلى أداة وظيفيّة ، بيد الأيديولوجيا والسياسة .
والاطروحة الاخرى المقابلة المحمولة على الحلم بالكمال الفردوسي على أرض أخرى غير هذه الارض الدنسة ، هي الأخرى حولت الشعر والفنون إلى السياق الأداتي نفسه وإن بسطحيّة أكثر وانعدام نفوذ…
الاطروحتان حوّلتا الشعر والفن إلى أداة ، لغاية محددة سلفاً تجافي الخلق والإبداع والحرية.. الفنون الشكلانيّة واللغوانيّة التي تحاول إخفاء فقرها الروحي والدلالي بالاستعراض اللغوي واللمعان البراني للتوليدات الصوريّة وافتعال الإدهاش، ليست هي ما يدل ويحصّن ضد الانهيار الكاسر .. خاصة وأن الألعاب الشكليّة للصورة أصبحت تعميماً شعبويّاً تسوّقه مؤسسات الاستغلال والتدمير في كل وسائل الإتصال الجماهيريّة..
***
هل أستطيع القول ، أن الشعر بمعناه الشاسع الذي طوّح به دوار البحث الجمالي واللغوي والتاريخي هو ما يشكل نوعاً من خلاص الروح ، وهي تكابد قسوة الواقع وتشظي القيم النبيلة وانحدار التاريخ …
الروح المجروحة بكل أنواع الغيابات والمحاصرة بغزارة الدم المراق في الأرض الخراب…

 

1