جديد الكاتب

بين الصيف والشتاء

كتبت ذات مرة “الظهيرة تستفز القيامة بشكل مبكر” لا أتذكر في أي الأوقات كتبتُ هذه العبارة، لكن الأرجح، إنها كُتبت تحت ضغط الصيف اللاهب وبخاره ورطوبته العالية التي تطبق على أنفاس الكائن لتذكر بالعذابات الموعودة التي لا نهاية لها فكأنها (البرزخ) الذي يفصل بين عالمين.
ثمة أفراد، يفضلون الحرّ على البرد، ولو خيروا بين زمهرير الصيف والهاجرة، وبين غلواء الشتاءات القارسة وزمهريرها، لاختاروا الأولى..
بالنسبة لي إن كان لا خيار آخر بين الزمهريرين، فسأختار الشتاءات القارسة، أختار البرد ولسعاته التي أتخيلها في هذه اللحظة، عذبة وعميقة تحرّض خيال الكتابة وتوقد رغبة الحب والجسد.
على عكس الصيف اللاهب الذي يخمد هذه الرغبات والخيالات التي تحاول تصفية جموحها في اللغة ونزوعات الجسد العاشق..
في زمهريرات الشتاء في المدن والبلدان المتاخمة للبحار والمحيطات حيث الهدير يلفّ الليالي بندائه العميق، أو تلك التي تخترقها الأنهار الخالدة، كما البحار، تهدأ الروح بين جدران المنزل أمام المدفأة، الكتب والأوراق البيضاء والذكريات.
يمكن للمتعة الجماليّة أن تكون أكثر اختزالاً وكثافة، سواء عبر القراءة والكتابة أو عبر التواصل الحميمي الجسدي العميق مع الأنثى وفضاءاتها المتموجّة في خضّم الليالي الصامتة التي تصخب فيها الأمواج والهواجس والرغبات.

* * *
ثمة قابليات واستعدادات جسديّة وذهنيّة تختلف من فرد إلى آخر، ربما هناك أفراد ولدوا في بيئة جغرافيّة وثقافيّة مشتركة، لكن مزاج كل واحد منهم يختلف عن الآخر وربما يتفق أفراد آخرون ولدوا في بيئات متناقضة أيّما تناقض. إنها التمايزات والخصائص الفرديّة التي يلفها نوع من غموض ولا تستسلم لمعطيات التحليلات العلميّة المبسّطة.
أتذكر طفولتي في غور القرى العمانيّة التي عصف بها أخيراً إعصار (جونو) بين تلك المجرّات من الجبال المتناسلة العالية.. ربما هذا الإعصار الذي من لطفه تعالى لم يقذف بحمولته، بنواته الأساسية التي انشطرت الى ثلاث كتل وتلاشت وكان اختباراً لنبل العمانيين دولة وشعباً، ربما، رغم ما خلفه من خراب ودمار، ذكرّ تلك القرى بالجوائح والأودية الغابرة، التي تهرّب الأهالي إلى الحواري الداخليّة للقرية حتى يخفّ هيجانها، مخلفة خِصباً طوال العام.
قلت أتذكر تلك الطفولة المتشردة والصاخبة، وسط ريح (الغربي) الساخنة، وإذا كنا في (البندر) في مطرح، يضاف إليها الرطوبة العالية.
لكن رغم هذه النشأة البيئيّة أفضّل البرد على الحر وأتمنى وأحلم بالليالي الباردة وحتى الصقيعيّة منها. ولا تختزن ذاكرتي أي سوء تجاه الحياة التي عشتها في كنف تلك المدن التي تندرج في هذا السياق.

* * *

(الظهيرة تستفز القيامة بشكل مبكر) هناك كتب وروايات، أبطالها يرتكبون أفعالاً تصل حدود جرائم القتل.. أبرز هذه الروايات (الغريب) لألبيركامو، بسبب الحرارة الشديدة على الأرجح، إذ ليس ثمة دوافع واضحة أخرى.
أتذكر، منذ فترة بعيدة، قرأت مقالاً ضمن كتاب، للروائيّة الكبيرة غادة السمان، تستقصي فيه الجرائم والأفعال العدوانيّة في كتب بعينها، حصلت في ذروة الصيف الحار.
أكتب هذه الخاطرة وضغطي مرتفع 150 على 100 ، وهذا يحصل غالبا في الصيف أو في ليالي السهر الطويلة..
والسلام عليكم.