جديد الكاتب

بعيداً عن الشللية

 أجراه: شاكر الأنباري

ولد الشاعر سيف الرحبي عام 1956م في قرية داخلية محاطة بجبال عالية من سلطنة عُمان وهي قرية كانت محكومة برعب ميتافيزيقي دائم وكأنما حيوات فضاءاتها تعاقر الأحياء، وفي الليل تسمع أصوات الذئاب وبنات آوى والضباع فيحس الانسان وكأنه في جو خارج الكرة الارضية. ولد هناك ضمن مناخ قبلي وديني متماسك له سمات صرامة معينة. ودرس الفقه والدين وحفظ القرآن مبكرا وكثيرا من الشعر الجاهلي، سافر الى القاهرة وعمره ثلاث عشرة سنة وانفتحت عندها ستارة المشهد على التيه واللااستقرار. عاش في القاهرة تكوينا وثقافة أولية ثم انتقل الى الشام فبيروت والجزائر وبلغاريا. عاش أيضا ردحا من الزمن في الامارات ثم باريس وهولندا، وفي تلك الأماكن تكونت شاعريته وانبثقت منابع الهامه. وفي خضم هذا التيه التقى مجايليه وتلمس تضاريس الثقافة العربية وهو حين يحكي عن المعارك الابداعية والفكرية ومحطات الثقافة المميزة فانه ينطلق من صورة المعاش والحسي والمشترك، كتب ثمانية دواوين وكتابين سرديين عن الطفولة وتحولات المكان وأثر البيئة العمانية الاولى ويشتغل منذ رجوعه الى عُمان في الصحافة.

        من خلال موقعك في مجلة “نزوى” لابد انك اطلعت جيدا على الاتجاهات الابداعية العمانية، قصة ورواية وشعرا، هل يمكن اعطاؤنا نبذة عن تلك الاتجاهات؟

–       في البدء، أقول انه يمكن ان نتحدث عن سمات حركة ابداعية وثقافية، لكن من الصعب التحدث عن تيارات ابداعية بمعنى الكلمة، لان نشوءها وترسخها في بيئة ثقافية معينة بما تقتضيه من صراعات وتصادمات يلزمها مراحل زمنية مختلفة على صعيد الانتاج وعلى صعيد الاستمرارية وعلى صعيد التبلور. وهذا ما لا يتوافر في البيئة الاجتماعية والثقافية العمانية حتى الآن. لكن كما أشرت، يمكن الحديث عن سمات حركة ثقافية وابداعية تتطلع صوب مستقبل ممكن في هذا المجال، صوب انتاج طليعي متقدم على صعيد الاشكال وعلى صعيد الرؤى.

ظهرت القصة في عُمان بالفترة الاخيرة وثمة مجموعات وأصوات لا بأس بها من ناحية العدد او النوع، توسل أصحابها التجديد والتجاوز في المجال السردي، القصصي تحديداً، ولا أقول الروائي لأني حتى الآن لم أقرأ رواية بمقومات ابداعية روائية واضحة. هناك محاولات أعتقد انها لم تستطع اثبات وجودها ويلزمها فترة أطول لذلك.

اما الشعر فهو سابق على القصة من ناحية التطور والفاعلية، وهناك أصوات شعرية وابداعية اصبحت الآن تتراوح في الانتاج والاعمار والطموحات، وهناك أيضا محاولات في النقد الأدبي، خاصة من عمانيين يدرسون الآن في الجامعة. محاولات جدية وتحاول أيضا ان تخترق المألوف في النقد، المألوف الذي يتسم بالمجاملة الاجتماعية التي تصل أحيانا حد الابتزاز والرخص، كالترويج لأسماء لا معنى لها والتقليل من شأن أخرى تجسد ربما، أو ستجسد ملامح ابداعية مهمة، كل هذه السمات التي نشير اليها بخصوص حركة ابداعية ممكنة، تحاول بالتالي ان تشكل ظاهرة مختلفة عن أنماط التعبير وأنماط التفكير والتصور السائدة في عُمان منذ فترات بعيدة. تلك التصورات وتلك الأنماط التي كانت مقبولة في مراحل زمنية سالفة لم تعد الآن الا اجترارا نمطيا ومجانيا لا معنى له، سواء على صعيد الشعر العمودي التقليدي الذي لم يعد يعطي أي شيء اطلاقا أو على صعيد التصورات المحكومة بجهاز مفهومي جد متخلف باتجاه الأدب وباتجاه الفكر والحياة.

المحاولات الجديدة للحركة الابداعية في عُمان، قصة وشعرا ونقدا، تحاول عبر منجزاتها أن تخترق هذه الجدران التي راكمتها الأزمنة في منطقة تتسم بالمحافظة، وتتسم بالتماسك التقليدي الذي لا يقبل الجدل.

·        الملاحظ على الشعر العماني في الوقت الحاضر أنه صار يمتلك صوتا واضحا، وقد وصل صوته الى مديات أبعد كثيرا مما سبق. صار يحسب ضمن تيارات الشعر العربي عكس ما موجود على صعيد القصة او الرواية، اذ نلاحظ انعدام الجانب الابداعي ذي الخصوصية، أو على الأقل خفوت التأثير واعتقد أن هذه الظاهرة، صعود الشعر وغياب القصة والرواية، لها أسبابها الموضوعية ذات العلاقة بالمجتمع تحديدا.

من الصعب التحدث عن الرواية العمانية الآن كرواية، أما القصة فتذهب أبعد من ذلك، فهي الى جانب الشعر توصل صوتا ابداعيا طموحا ومشتركا بآلام وتيارات وهموم تمثلها القصة العربية وربما في العالم أيضاً. القصة في الفترة الاخيرة شهدت كثافة في الانتاج وكثافة في النوع. لا تزال الرواية في الخليج بصورة عامة في مؤخرة الركب الابداعي لكن تظل هناك استثناءات، فهناك أسماء معينة سواء كتابا او كاتبات، في الخليج او على صعيد الجزيرة العربية، استطاعوا أن يوصلوا صوتا طليعيا في المجال الروائي لكن ليس بالاتساع الذي نتكلم عبره عن رواية خليجية مثلا، لا أعرف هل ان المدينة الخليجية، بايقاعها الحياتي والنفسي الذي نرى ونشاهد، لا يمكن أن تخلق رواية كما هي في القاهرة أو كما هي في دمشق وبغداد، لافتقارها للبعد التاريخي، لتراكم المكان وتراكم الحداثات الجديدة على صعيد بنية المدينة وأنماطها السلوكية والحياتية.

        بالنسبة للفنون البصرية كالمسرح والسينما والفن التشكيلي، هل تواكب تلك الفنون النهضة الشعرية الموجودة حاليا؟

لا طبعا، في السينما هناك محاولات لكن كسينما عمانية فهي غير موجودة، لم أر فيلما سينمائيا عمانيا عدا بعض محاولات للهواة ليست مؤخرا لخلق سينما ذات هوية اطلاقاً، وربما في مناطق كثيرة من الصعب التحدث عن السينما وليس في عُمان فقط، الفن التشكيلي والفوتوغرافي من الفنون التي اولتها نزوى اهتماما خاصا كجزء من بنيتها ورسالتها الثقافية، كجزء من طموحها في تقديم الصوت العماني الابداعي في مجالات مختلفة للآخر، الى جانب الشعر والقصة والنقد الأدبي والبحث التاريخي والفكري الذي نحاول تقديمه في المجلة، في الفن التشكيلي والفوتوغرافي نلاحظ أسماء يمكن التحدث عنها وأعمالا يمكن التحدث عنها بشكل جيد، لكن رغم ذلك نجد الفن الذي يرسم بصورة نسخية طبيعية وفوتوغرافية تجاوزها الفن. التجريد موجود أيضا، وهناك نوع من توسل مناخات سريالية ولو بشكل معين. هناك أعمال ناضجة، بشكل كبير، مثلما هناك اعمال ما زالت تتوسل تقليد فنانين آخرين وهذا شيء طبيعي في بداية أي حركة فنية في أي بلد من العالم. لكن مع مرور الزمن ومع وتائر التطور المختلفة لوعي الفنانين وللحياة وللحركة الثقافية والفنية يتم تجاوز هذه المسألة باتجاه آفاق أخرى مختلفة. نحن نولي أهمية كبيرة للفن التشكيلي، في نزوى أخرجنا احد عشر عددا من المجلة محاطة دائما بفن فوتوغرافي او تشكيلي ويمكن ملاحظة تطور الفن الفوتوغرافي والتشكيلي في عُمان ووصوله الى مستوى كبير جدا يمكن أن يقارن بمستوى الانجاز العربي، وعلى صعيد المسرح اعتقد ان هناك بدايات مسرحية ليست بمستوى الفنون التي حكيت عنها.

        مع ذلك، ورغم منجزات الابداع المشار اليها، يلاحظ ان الثقافة المنتجة ظلت ثقافة ذكورية، أي أن هناك شحة بمساهمة المرأة واعتقد ان هذا له علاقة بالتطور الاجتماعي في بنية المجتمع العماني على الصعد الفكرية والاقتصادية والسياسية… الخ؟

–       صحيح هذا لاني من خلال وجودي هناك وتسملي منبرا ثقافية يلاحظ غياب المرأة الى حد كبير. طبيعي توجد هناك نساء منتجات في الفن التشكيلي أكثر من غيره من الحقول الفنية والثقافية. هناك أيضا في القصة والشعر لكن بشكل مازال محدودا وخجولا الى حد معين. المسألة بالتأكيد تتعلق بالبنى المحافظة في المجتمع، الكبت الرهيب والتحديد المخيف لسقف حركة المرأة. وحسب معرفتي المرأة، وبغض النظر عن تلك الموانع الاجتماعية فهي تقرأ وتتابع ما ينتج على صعيد عربي وعالمي لكن تبقى هناك مسألة لا أعرف أوضحها بحيثياتها، وربما هو التخلف التاريخي الذي ليس من السهولة تجاوزه في مرحلة قصيرة، هذا من ناحية لكن هناك في أماكن أخرى مثلا في الامارات ظهرت نساء يكتبن بشكل جيد أيضا، البنى الاجتماعية متقاربة بيننا. تجد في عُمان بنتا تكتب بشكل جيد فجأة تنطفئ، أي لا تواصل نشاطها الابداعي حيث تتحدد لاحقا بالسقف العائلي.

·        بالنسبة للثقافة العمانية أين تضعها من خارطة ما يمكن تسميته بالثقافة الخليجية من شعر وقصة ونقد وفنون، وهل في رأيك أن هناك خصوصية لما يدعى بالأدب الخليجي أو الثقافة الخليجية ضمن الخارطة العامة للثقافة العربية؟

–       أنا أشرت للحركة الثقافية في عُمان من مختلف تجلياتها لكن في ضوء الخارطة الثقافية في الخليج والجزيرة أتصور أن هناك تقاربا كبيرا، ومن خلال قراءة مشتركة في أفق الأجواء الثقافية في هذه المنطقة يلمس أن ليس هناك فواصل أو هوة واسعة بين منطقة وأخرى. قد يكون في بعض المناطق حدث تطور في بعض النواحي الفكرية والأبداعية لكن ليس بذاك البون الشاسع. تبقى هناك اختلافات في الامكانيات على صعيد الصحافة ووسائل الاعلام التي قدم هذا النتاج في بلد أكثر مما هو موجود في بلدان أخرى. وعُمان على صعيد تاريخي هي أكثر بلدان المنطقة امتلاكا لخلفية تاريخية ابداعية كبيرة. الوضع الكلاسيكي للثقافة العمانية كان أقوى وضع على صعيد المنطقة لان عُمان وقبل انفجار النفط تملك دولة ومجتمعا، أي كان لديها ثقافة كلاسيكية هامة فالكتب التي طبعت والمخطوطات التي أعيد طبعها في عُمان تصل اعدادها الى آلاف في مجالات متعددة تشمل كلا من الدراسات والفقه وعلم الكلام واللغة بمختلف فروعها الى علم الفلك بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. ان الاطلاع على هذا الكنز المعرفي الكبير مهم الآن من قبل الراهنين المعاصرين ونحن في مجلة نزوى نشجع دراسة هذه المخطوطات على أساس مقاييس العصر وهنا تكمن أهمية تقديمها.

        على صعيد الشعر يلاحظ في غلب البلدان الخليجية أن ليس هناك وسيط أو تدرج، كما حدث في العراق او مصر او سورية بين الشعر الكلاسيكي وقصيدة النثر، وكأن ثمة قفزة اسلوبية ومضمونية غير صحية، وهذا يخلق حالة من الانفصال بين النخبة التي تكتب الشعر الحديث وعامة الناس.

–       هناك قفزة وتطور في سياق مغاير ليس كالسياق الموجود في العراق، اذ بعد ركود النمط الكلاسيكي ولدت قصيدة من نمط آخر رأيناها في قصيدة السياب والملائكة والبياتي وكل هذه الكوكبة التي أسست الحداثة العربية اللاحقة. كانت هناك محاولات في أكثر من مكان من بلدان الخليج لكتابة قصيدة التفعيلة على نمط الموجة الانتقالية، خاصة في البحرين وبعض مناطق عُمان، لكن السمة الغالبة، الانتقال الى قصيدة النثر وهذا في رأيي اشكالية عملية انجاز الأساليب الشعرية على صعيد الحداثة. لكن لو كان هناك ارث كتابي يتعلق بشعر التفعيلة او هذا الجسر الذي يمتد من الكلاسيكي الى النثر مثلا ستكون المسألة أكثر اثراء، ويبدو أن طبيعة المدينة وايقاع الحياة وقصر التجربة زمنياً، التجربة الحداثية لم تعطها مدى لكي تختبر أساليب مختلفة.

·        ربما كان للتصادم بين البنى التقليدية وبين التطور الحديث او الحضارة التي اتت بشكل مباشر دور في هذه الحدة وهذا الانتقال غير المتدرج من الكلاسيكية الى قصيدة النثر؟

–       هذا صحيح. حتى في أنماط حياة الآخرين يمكن تلمس نتائج صدمة التغيير الجديد، من هنا تشعر أن هناك نوعا من عدم التوازن، مثلا تأخذ أي مدينة عربية، تأخذ بغداد او القاهرة، هناك قرن من محاولات التحديث والتنوير ومن محاولات الكتابة المتجاوزة أو الكتابة التي تخترق الجهاز الكلاسيكي، بمفاهيمه وتقنياته، عندنا هذه المسألة لم يتح لها الوقت الكافي نتيجة الظروف المعروفة كالقفزة التي سببتها الثروة النفطية المفاجئة. هذه المسألة لابد أن تخلق اشكالياتها وتشوهاتها لكن هي بالنهاية قدر هذا النوع من التطور ولا تستطيع إلا أن تتعامل معه ومع شروطه المختلفة. لاشك أن هناك تشوهات خلقت مثلما أن هناك انجازات لابد من الكلام عنها او الاشارة اليها.

·        المعروف عن سيف الرحبي انه احد كتاب قصيدة النثر الذين استطاعوا ترسيخ هذا الاتجاه منذ الثمانينيات ولحد الآن، في رأيك ما هو أفق هذه القصيدة وهل استطاعت أن تكوّن العمود الفقري للشعر العربي… لاسيما وأن هناك شيئا من التراجع عن كتابة قصيدة النثر عند فرسانها الأوائل، بل وحتى أحياناً هجوم تجاهها او اتجاه أنماط كتابتها.

–       أنا لا أدافع عن قصيدة النثر بالمعنى المطلق للكلمة كما يفعل البعض. أنا أكتب هذه القصيدة بعدما كتبت شعرا عموديا وشعر التفعيلة لكن في النهاية أنا الى جانب انجازي في مجال قصيدة النثر على الصعيد الشعري لأني وجدت ان ايقاعي الخاص يتلاءم مع هذا الشكل التعبيري أكثر من الأشكال الأخرى. أقول لا أدافع عن قصيدة النثر بشكل مطلق لانها بالنهاية كأي شكل تعبيري آخر في الشعر، فيها الأصيل والزائف، الحقيقي والمفتعل. فيها ما سيبقى كانجاز ابداعي وما سيتلاشى، وهذا ما نلمسه في المشهد الشعري القائم على صعيد قصيدة النثر التي صار يكتبها أغلبية الشعراء من المحيط الى الخليج، في الجانب الآخر ثمة سجال ينطلق من انكار قصيدة النثر لكونها لا تمت الى التراث العربي بصلة، وهذا سجال جد متخلف ولم يعد له مبرر ابداعي. تجد هذا خاصة في المؤسسات الثقافية وبعض اتحادات الكتاب في العالم العربي وتلك المؤسسات التي لا يمكن ان يقوم وجودها الا على نفي الآخر وإقصائه من الساحة الابداعية تحت مبرر انه يكتب بشكل ليس له علاقة بتراثنا الكلاسيكي. هذا كلام متخلف ولامعنى له بالنهاية. قصيدة النثر كأي شعر عربي لها أعماق كلاسيكية في التراث النثري العربي وفي كثير من لحظاته وبرهاته المختلفة، متألق ابداعيا أكثر من الشعر المقفى والموزون. هناك كنوز وانجازات ورؤى وأخيلة لا حدود لها في النثرية العربية. قضية ان قصيدة النثر متثاقفة مع الغرب فهذا شيء طبيعي، اذ ليس هناك شيء غير متثاقف مع الغرب (…) لكن الى أي مدى حدود هذا التثاقف وهذا التأثر، هذه مسألة تحسمها موهبة الشاعر وأصالته الابداعية، يعني ليس هناك اطروحة مطلقة للتأثر أو التثاقف. وأتصور ان السجال عندما يدفع نحو هذه الوجهة فهو نفي للآخر. التمسك بشكل واحد للكتابة نمطية ومصادرة للآخر،وقد وقع حتى كتاب قصيدة النثر انفسهم بهذا المنزلق. مثل الجزم بأن قصيدة النثر هي الشكل السائد والمطلق. وهذا نفي لأي شكل تعبيري ونزعة غير صحيحة فقصيدة التفعيلة مثلا ما زالت تعطي ثمارها عبر كتابها الاصليين والراسخين في الساحة الثقافية العربية. أتصور ان الاشكالية انما تكمن في اطروحات أخلاقية حول هذه المسألة، لكن في المحصلة اذا نظرنا الى المشهد القائم هناك، في قصيدة النثر، فسنرى انجازات مهمة جدا واضافات مهمة فعلا، حيث كسرت تابوات كثيرة وأخرجت الشعر العربي من نمطية كادت أن تودي بنضارته وبطاقته الدلالية الخصبة. وابحرت نحو أفق ابداعي اعتبره أكثر اتساعا للم شمل الحالة النفسية المتشظية المتمزقة للفرد والكائن العربي الراهن، وربما هي الشكل التعبيري الأكثر ملاءمة من غيرها لهذه الحقبة.

·        الملاحظ على قصيدة النثر رغم منجزاتها الكبيرة، انها أدخلت الشعر العربي في حقل استسهال الكتابة لأنها لا تمتلك معايير محددة، ولا مرجعية تراثية، ولحد الآن لم يجد نقاد الشعر معايير واضحة لمحاكمة قصيدة النثر، جودتها او عدمها، قوتها وضعفها… الخ. وتلك اشكالية كبيرة من مترادفاتها ولادة ادعياء موهبة، لا يمتلكون ثقافة شعرية اوالعامة، ومن دون امتلاكهم رؤية كتابية تراهم يكتبون.

صحيح من هذه الناحية، لكن هذا السؤال يطرح اشكاليات على أصعدة مختلفة، اذ السهولة موجودة بالنهاية في كل أساليب التعبير او أنماط التعبير الأخرى، سواء الشعر التقليدي او شعر التفعيلة. الاستسهال يعني اذا انطلقنا من فهم قاصر ان الشعر ليس قافية ووزنا فمن الممكن على أساس هذا الفهم لنصف متعلم ان يتقنه باعتبار هذا النوع من الايقاع المحدد سلفا هو المعيار لعدم اختراق هذا الفن من قبل طفيلي او مستسهل. انا أعتقد انه حتى تلك الانماط اخترقت قديما، مع المتنبي كان هناك مئات الشعراء استسهلوا الشعر لانهم يعرفون القافية والوزن لكن الشعر غائب تماما عنهم لذلك لم يسمع عنهم احد وهم عبارة عن فكاهات وطرائف في خارطة الشعر الكلاسيكي. نفس الشيء لشعر لتفعيلة، اذ نجد ركاما ضخما جدا من القصائد، لكن الشعر الحقيقي قليل وكله ملتزم بالتفعيلة، وكله داع لقانونها وبحورها. هذه التهمة، تهمة السهولة ليست على صعيد قصيدة النثر فقط. لو انطلقنا من معيار ان الوزن والقافية ليسا الحصانة الوحيدة ضد الاستسهال والتطفل، لكان على النقاد الحقيقيين الذين يبحرون في المناطق الشعرية الصعبة للشعرية العربية وللثقافة العربية ان يستنبتوا معاييرهم الخاصة لتقييم الشعرية العربية الجديدة. أما بالمعايير والأدوات المعرفية القديمة فانهم بالتأكيد لن يصلوا الى ضبط ايقاع هذا الابداع والوصول الى حكم قيمة في فرز حقيقته من زيفه وأصيله من مفتعله. هناك أدوات جديدة لكن كتاب قصيدة النثر يشكون من الركون لأدوات معرفية لم تعد تلائم الابداع الجديد ولا الشعرية الجديدة.

طبعا هذا على صعيد النقاد الذين يمتلكون رؤية نمطية في محاكمة القصيدة العربية، لكن بالجانب الآخر هناك كثير من النقاد الذين يتبنون قصيدة النثر ويكتبون عنها… لكنهم بالوقت ذاته يستخدمون المعيار الغربي لمحاكمتها. أخذت معظم المفاهيم من نظريات نقدية غربية او نظريات ادبية اخرى وهذه ايضا اشكالية جدية تمس صلب الخصوصية العربية. يفترض بهم استنبط المعايير النقدية من النص نفسه. من اللغة العربية نفسها، بلاغتها ونحوها وبنية الجمل والكلمات والعلائق المترتبة على مكونات جملة عربية سليمة أولا وذات عمق فني متماسك ثانيا. لذلك ليس من المستغرب توجيه اصابع الاتهام لمجمل هذه العملية، مفرز قصيدة النثر كنص أو كنقد مرافق لها.

النقد الغربي الحالي بمختلف مدارسه واتجاهاته وتياراته، وفي سياق البرهة الحالية للعالم يبدو من الصعب تجاوزه، والقضية الاساسية الى أي مدى ممكن استنبات مقاييس نقدية عربية تستطيع أن تستوعب النقد الغربي في سياقها وفي قنواتها الفكرية بمزاوجة مع التراث النقدي العربي الكلاسيكي الذي هو ايضا اللاشعور الفردي والجمعي… لا يمكن أن نتجاوز البرهتين الآن، لان المعطى الراهن لأي ثقافة عميقة لا يمكن أن يتجاوز هاتين البرهتين للثقافة في العالم كله. هناك ما يتساوق في النقد الكلاسيكي العربي حول الشعر بصورة عامة موجودة في التراث الكلاسيكي العربي وموجود في النقد الغربي، يقول ابن سينا أن الشعر ليس المقفى والموزون انما الشعر بعنصره الحاسم الا وهو التخييل والابتكار. هذه برهة نقدية تضيء جانبا كبيرا مما نحن بصدده.

·        رجوعاً الى مشروعك الشعري وما تكتبه، لاحظت من خلال قراءاتي لقصائدك الأولى طغيان الغموض وتشظي الصورة والمعنى لاحقا، ثم ترددا في امساك الفكرة وكأنك تحاول تأسيس كون شعري من خراب، خراب الانسان والمكان والرؤية؟ أنا أتكلم عن البدايات طبعا.

نعم هذه ملاحظة صحيحة، التجربة الشعرية في النهاية لابد أن تخضع لهذا التعرج وذاك التشوش والغموض الى حد معين. أعتقد أن الوضوح، بالمعنى العميق للكلمة لا يصل اليه الواحد إلا عبر تجربة طويلة في الزمن والحياة والكتابة. هذا الوضوح العميق للاشياء، الوضوح القاتل والجارح. لابد أن يمر الواحد بتجارب بوحية وكتابية مع ممارسة قاسية أيضا مع اللغة، كون هذه حاملة لهذه الهموم والاشكالات والجراحات اللامتناهية. لابد ان يمر بكل هذا الى ان يصل الى نوع من الوضوح، الوضوح الماكر، الشعر لا يفقد طاقاته الدلالية المتراكمة لكن هذه الطاقات ممكن ان تفصح عن نفسها بشكل اقل التواء وغموضا بمعنى تشوش تجربة وتشظيها وعدم الامساك أيضا بزمام اللغة بالشكل الموائم للحظة الابداعية. لا تخسر التجربة الالتباس الفني، الالتباس الفني سيظل قائما لكن الفرق يكمن بين تجارب البدايات وبين المرحلة المتأخرة من الممارسة الابداعية.

·        كنت تتحاشى استلهام التجربة المحلية وتحاول أن تكتب متأثرا بأفق وجودي وثمة ايضا نوع من التجريد والهلامية…! هل كان المكان الأول مؤلما وجارحا وقاسيا لهذا الحد على الشاعر؟

–       كتبت في مراحل مختلفة كما في أماكن مختلفة، بكل مكان أحل فيه أحاول استلهام عناصره البيئية والبشرية وحيواته. وهناك عناصر لاشعورية تخترقني من البيئة الاولى، يعني حيوات وعناصر مختلفة تمتد من الذئاب وبنات آوى الى الجبال والعناصر الأولى البدئية المتوحشة لكائن مطبوع ببيئته الولادية أكثر من غيرها، كانت تسحب نفسها لا شعوريا الى النص وتفرض نوعا من حضور معين.

·        قصيدتك اليوم تميل للحكمة وتسعى لرصد مشهد شعري، لحالة او للتعبير عن فكرة او قناعة معينة. تخلقت الجملة المتماسكة التي تتجه الى هدفها وتعرف ما تريد. الجملة التي تتطابق مع الصورة المتخيلة… هل لهذا ارتباط برسوخ تجربتك في كتابة قصيدة النثر؟

–       في ديواني وراثة الجنون والجبل الاخضر برزت مسحة كلاسيكية وبقايا تأثير لرواد قصيدة التفعيلة مع البحث طبعا، البحث المؤلم عن أفق آخر. في أجراس القطيعة الذي صدر في باريس… كانت هناك لغة ليست مقطوعة عن التي قبلها لكن ميلها التدميري كان أكبر سواء لنفسها او للعالم، الكتابة العدوانية تجاه الأشياء. فيما بعد أصدرت رأس المسافر، وفيها بدأت مرحلة أخرى هي رصد المشهد الحياتي بتفاصيله، بهوامشه، بحيواته المختلفة. كتابي الاخير الجبال تجربة خاصة كتبتها في عُمان، والعمانية حاضرة فيها أكثر. الخصوصية بمعنى الكلمة لها حضور وسطوة في دواويني الاخيرة اكثر من قبل. رصد المشهد التفصيلي للحياة وتحويله الى قصيدة، الى أفق شعري وهذا هو ما يسم الكتابة الشعرية العربية في كثير من جوانبها الآن، لكن لكل شاعر زاوية تناوله المختلفة بالنهاية. هناك سمات للكتابة في العالم، وفي التاريخ او في مرحلة راهنة معينة. لكن تناول شاعر ما لموضوعة معينة او لمشهد معين حتى تعبيره عن الفرح والحزن والمرأة والغربة والمنفى والتشظي والانكسارات التي تسود حياتنا الراهنة يعني تناول كل ذلك من زوايا مختلفة، ومن هنا يعطي الشاعر اضافة او خصوصية ابداعية للمشهد الشعري والثقافي القائم، اذ لا يقع في التماثل. هذا الجيل نشأ مجردا من أي غطاء سياسي أو نفسي او ايديولوجي، بمعنى نشوؤه في قفر على صعيد الأفكار وعلى صعيد الوطن والمفاهيم.

·        أعتقد ان هذا يتطابق مع الواقع الحقيقي الذي نعيشه الآن. فالفرد العربي يواجه مصيره لوحده دون تغطية ايديولوجية، دون أحزاب وشعارات كبيرة كما كان سابقا وهذا يجعل الشاعر او المبدع متناغما مع حقيقة الفرد؟

 وهذا بالضبط ما يعطي مشروعية اكبر للابداع، كونه يعبر بأصالة وصدق عن الحالة اذ ليست هناك أوهام تبشيرية، الشاعر أصبح عاريا أمام الواقع والتاريخ واللغة، وعليه ان يخلق نفسه وتعبيره من هذا الكون السديمي المتشظي والشرس. عليه أن يبدأ من اللحظة مما يعطي النص الابداعي صدقية اكثر ولغة مفارقة لا نمطية.

·        نأتي على مسألة اللغة المفارقة هل تعتقد أن هذا النمط الابداعي الذي نتكلم عنه والاتجاهات الجديدة في كتابة القصة او الاتجاهات الروائية والنقد الحديث استطاعت خلق لغة عربية جديدة أو ذات نكهة متميزة في الوقت الحاضر؟

نعم فاللغة العربية، شأن اية لغة تطورت لتواكب العصر وما تعرض له من تجديد وتحديث في جميع المجالات، خاصة المجال الابداعي بتجلياته المختلفة. هذه المهمة قامت بها النخبة المستنيرة، الانتلجنسيا، الشعراء والكتاب، سواء داخل الوطن العربي او خارجه. فاللغة على صعيد المجال الابداعي تطورت اكثر بكثير مما تطورت في المجالات الاخرى نتيجة التخلف الاجتماعي والتكنولوجي  الحاصل على الصعيد الشعبي والمؤسساتي. الحداثة عندنا تعني التحديث الأدبي والابداعي واللغوي اكثر من سياق المفهوم الغربي للحداثة. من هنا شهدت اللغة العربية تطورها في المجال الابداعي تحديدا وليس العلمي، بحيث انها تواكب أغنى وأوسع اللغات في العالم، وهذا الانجاز تحقق على يد الفرد والنخبة، سواء في النقد والشعر، او في النص الروائي.

·        مع ذلك ألاحظ ان هناك هوة كبيرة بين النص الحداثي المكتوب وبين القارئ الغربي. وأفضل المجاميع القصصية أو الشعرية، حتى الجيدة منها لا تباع كثيرا ولا تصل حتى الى القراء عدا نخبة النخب احيانا! هل هذا حسب ما تراه ناتج عن قصور النص الابداعي من باب أن هموم النص وحساسيته تختلفان عن هموم المواطن العادي فلا يتواصل معه؟ أم ان الركود الاجتماعي والضائقة الاقتصادية هما السبب؟

–       كل هذه العناصر مجتمعة. واعتقد ان الهموم لا تختلف. فالكاتب ينشد بالنهاية العدالة والانسانية ومعاداة القمع والقهر والهيمنة التي تمارس الآن على الصعيد العربي. أزمة القارئ المتلقي والكاتب مسألة أعيدت وكررت ملايين المرات، لكن في النهاية المؤسسات العربية على صعيد الاعلام، وعلى صعيد توعية الناس ليست متخلفة فقط وانما عمقت هوة الجهل بالمعنى الابداعي عند الفرد العادي وعند الشعوب بينما الكاتب العربي بصفته كاتبا، ويحمل أعباء هذه الكتابة وأعباء هذا التاريخ، يمضي بطرق مختلفة. طريق الثقافة والتأمل والتشرد من أجل المعرفة والاحتكاك بمعطيات العصر بمختلف أماكنه. بالتأكيد هناك هوة أعمق من أماكن أخرى لكننا نتساءل في النهاية هل الابداع من شعر وقصة ونقد كان تاريخيا في متناول العامة؟ لا أعتقد، حتى الفلسفة الاغريقية التي كانت شعبوية  الى حد كبير لم تكن مشاعة امام الجمهور، وتبقى هناك فواصل ومسافات بين القارئ المتلقي وبين الناس، حتى في الغرب وهو مختلف جذريا عنا من ناحية البنيات الاجتماعية، يبقى الكاتب غير مقروء الا من فئات معينة من الناس. إذا عملنا احصائية، رينيه شار من اكبر شعراء  فرنسا والعالم كم يطبع من مجموعاته؟ وماذا عن سان جون بيرس بفرنسا والشعراء في انجلترا؟ أكيد ان من يقرأ هؤلاء  الفئات المختصة والمهتمة، فهذه تبقى اشكاليات الابداع في عمقه.

·        في ذات الوقت اذا اخذت الصحافة الرسمية والكثير من وسائل النشر الرسمية بمختلف البلدان العربية تجد هناك اقصاء للنص الحقيقي وتكريسا واعطاء مشروعية للكتابة المسطحة أو الهشة أو التي لا تقيم تواصلا حقيقيا مع الفرد وهمومه.

–       هذا صحيح وأنا ذكرت أوجه مختلفة للسؤال حاولنا ان نضيئه بأكثر من زاوية، الخصوصية العربية التي هي دائما بالمعنى السلبي تعني الصحافة العربية والاجهزة الاعلامية والاجهزة الرقابية الكاسحة. أجهزة الاعلام الآن هي الوحوش الكاسرة الماسكة بخناق المشاهد والقارئ العربي طوال النهار والليل لا تتيح له أي برنامج نظيف او ثقافي بالمعنى الحقيقي للكلمة. واذا أتاحت هامشا فلذر الرماد في العيون ولأجل أن يمرروا ويسوقوا كل ما هو تافه الى الوعي. ان مؤسسات كثيرة وصحافة كثيرة تعادي الثقافية الجدية، تحت لافتات مختلفة بحجج تخريب اللغة والاتحاد والانفصال عن تراثنا النظيف. انه تجهيل للناس ومحاولة تدمير وعيهم الفطري. هذا جانب من توسيع الهوة بين الكاتب وبين قرائه، هناك طبعاً العناصر التي لا يمكن اختراقها، سبق الاشارة اليها، كون الكتابة لا يمكن أن تكون شعبية بالمعنى الشامل للكلمة.

·        حول شعرك ايضا ألاحظ ان هناك مأساوية عالية في صوتك، وكأنك ناي لعذابات تلك البقعة الوحيدة المنزوية من العالم، البقعة المسماة عُمان؟

–       أتصور ان الانسان صدى لذاته ومحيطه؟ صدى لزمنه بصورة عامة. في العمق يجب ألا نتكلم بلغة ميلودرامية  لكن من حقنا ان نتكلم بلغة درامية او تراجيدية. الواقع ان الحال القائم هكذا. ليس هناك في هذا السياق مانويات في الطرح حول الفرح والحزن او حول النور والظلمة. هناك الكون الرابض بثقله الرهيب على أعماق الفنان وعلى ضميره وجوارحه، هذه الحياة العربية التي لا تغذي فيك الا الاحباط والحزن والانكسار الذي بدأ منذ فترة طويلة على صعيد الكائن العربي. بطبيعة الحال هذه أشياء عامة يمكن ان تختلف  بين شاعر وشاعر. التجربة الحياتية معين لا ينضب للتجربة الشعرية، وليس هناك شعر خارج الحياة اطلاقاً. هناك مسار حياة او سياق حياة بالنسبة لي او آخرين كثيرين من هذا الجيل الذي أنتمي له حياتهم شهدت من التصدعات والآلام والجراحات ما صار منبعا لهذه التجربة، مغذ لها بمعنى مأساوي حد التوحش والدموية. أرجع الى الوراء فأجدني انفصلت عما يسمى بالمفهوم التقليدي للأمان العائلي والأمان الذي تضفيه مفاهيم كالوطن والجماعة والقبيلة، انفصلت عن هذه الاشياء بشكل مبكر جدا وعمري لا يتجاوز 13 سنة. هذا الانفصال المبكر، الصدع الذي مس النفس ومس الوجدان بهذه الصورة المبكرة ترك أثره منذ تلك المرحلة السابقة. فيما بعد التاريخ العربي لا يبخل عليك بأي مأساة او بأي تدمير بالمعنى الشامل للكلمة. خذ التجليات المختلفة لبصمة الانحطاط العربي الشامل الذي نعيشه، كشعراء وكأفراد وكمجتمعات، وهذه كلها تغذي هذا النص الجريح في النهاية، وأتصور ان الواحد صدى لأعماقه. لابد أن تكون جريحا في هذا الزمن المسيطر وأتصور ان هذا الجرح دائما يزداد هوة ويزداد اتساعا ونزفا، لاني لا أعتقد أن هناك أفقا يبشر بخير في الحياة العربية الراهنة.

·        نعود الى مجلة نزوى، هل هناك أفق لأن تكون مشروعا ثقافيا عربيا، وهل هناك مواصفات معينة تسعى لتحقيقها؟

–       هي كمنبر او كمجلة مشروع ثقافي، ومشروع ثقافي عربي، لان كتابا عربا من مختلف الأقطار والمناطق ومختلف الاتجاهات يشاركون فيها، وهذا يعطيها صفة مشروع ثقافي عربي، لكن لأي مدى يتسع هذا المشروع وتتطور ملامحه؟ ليس عندي استراتيجية واضحة لهذا الموضوع اكثر مما هو الآن، وقد راح يتجسد عددا بعد عدد وهي بالنهاية تبقى مجلة فصلية. اذا اتسع هذا الموضوع بصورة افضل تكون مجلة شهرية لكن لا استطيع الكلام حول هذا الموضوع لانه يرتبط بعناصر وخلفيات أخرى. بالنسبة للملامح، ليست هناك ملامح خاصة فالملامح استقرئها من خلال التجربة. ولا أستطيع ان أضع تصورا نظريا لها من خلال التجربة ومن خلال الممارسة. انها تحاول ان تبقى على مستواها الجدي وأن تتفادى الأخطاء عبر ممارستها وعبر احتكاكها وتواصلها مع مختلف الفعاليات الابداعية العربية.

·        ألاحظ اهتمامها بالنص الجاد والثقافة الجادة وتشجيعها او تكريسها لقصيدة النثر والقصة القصيرة المكتوبة بمواصفات فنية حديثة وتجريبية وابتعادها عن التقليدية الكلاسيكية سواء كابداع او كنقد او كتناول. ألاحظ اهتمامها بالصورة وهو جانب جد جميل، ويتجلى في طريقة تقديمها للوحة التشكيلية الملونة العربية عموما وليست فقط العمانية. كل هذا يجعل القارئ يطل على مشهد واسع من الكتابات العربية واللوحة التشكيلية العربية وهناك شيء مهم هو ان مشروعا جادا رصينا بهذا الشكل يأتي من أصقاع بعيدة بالنسبة للمراكز الثقافية، ثم يكون له هذا الثبات والرسوخ والجدية والطليعية، اعتقد ان هذا انجاز كبير يثري حياتنا الثقافية.

–       نحاول في حدود الممكن، يعني امام هذه العناصر الجدية والايجابية التي اشرت اليها ان ننميها ونثريها دائماً بالكتابات المختلفة. انا شخصيا عندي ميل لكتابة معينة لناس معينين بحكم صلاتي وعيشي المشترك بأكثر من بلد عربي او غير عربي، لكن هناك مسألة أساسية بصناعة المجلة هي عدم الخضوع لشللية ثقافية او ابداعية. ينبغي أن أدع الجهات المختلفة تتصارع وتتواجد وتتصادم ضمن المجلة وليس بالضرورة بصورة مباشرة دائما من خلال تجاورها في النصوص. هذا نص مختلف عن الآخر اتجاها، شرط ان يجمع هذه الاتجاهات الصفة الجدية والملتزمة بمعطيات الابداع وصدقه. لا استطيع أن أسطح المجلة باسم تعددية وهمية مثلا في عُمان. مطروح علي شعر تقليدي كلاسيكي معظمه سيئ جدا لا يعطي شيئاً. انا لست معاديا للوزن وللعمود، انني عدو الرداءة. حتى لو كان نثرا لا انشره لأنه سيئ، الصفة الأسلوبية لا تهمني كثيرا ورأينا كثيرا من المجلات التي أخضعت لمنطق شللي ففقدت دورها الطليعي الذي من المفروض أن تلعبه.

 مجلة المدى