جديد الكاتب

الوطن الفلسطيني في ضوء الكارثة واحتشاد الحنين(*)

 

 
وسوى الروم خلف ظهرك رومُ

فعــلى أي جــانبيك تميــــــلُ

المتـــــنبي

عام مضى على بداية هذا الحدث المهيب (انتفاضة الأقصى) ومازال الدم الفلسطيني يسيل بسخاء وغزارة، وبإرادة قلما عرف التاريخ البشري مثيلا لها وفق هذه الشروط وهذا الفارق الفلكي في انعدام توازن القوى لطرفي الصراع.

عام مضى ودائرة الصراع والمقاومة اتسعت وطوّحت بكل الحسابات والتوقعات خارج جحيمها المشتعل الذي لم يترك للفلسطيني من خيار آخر ينـزع إليه كما في الماضي وتسويات منافيه التي كانت تفرض في قلب الزلازل والخيانات، ولاتزال روح ضحاياها تلتهم الأرض والسماء.. لا خيار هذه المرة إلا خوض المعركة بكل هذا الزخم الهائل من الآلام والفجائع وكأنما خطبة طارق بن زياد الشهيرة تجد تطبيقها مع الاحتفاظ بالفروق، في هذه المعركة الفلسطينية الجديدة- لا خيار آخر. التاريخ حشرهم في هذه المنطقة الصعبة من تضافر عناصر التعقيد والالتباس.. ومن بقي منهم في الخارج، في مخيمات دول أخرى يبدو أكثر وحشة وشعورا بالفَقْد والاجتثاث، من خائض الصراع مباشرة.

عام مضى، وأعوام قبله تصل إلى قرون من فرط ثقل الخيبات وكأنما على الفلسطيني أن يحمل قدر صخرته العاتي من منفى إلى آخر، حتى اذا وصل الى مرابع طفولته الأولى، أو ما تبقى منها، ثقلت أعباؤه أكثر وتشعبت صروفها المأساوية.

عام مضى ولا نستطيع أن نكتب إلا شعورنا بالعجز واليأس أمام هول المشهد وقتامته. وعدا تلك المزايدات لفرسان الفرجة والشعارات التي نُحرت تحت لافتاتها «الكبرى« أهم منجزات النضال الفلسطيني، واحتمالات أي تقدم عربي ممكن. الأنظمة العربية التي ولدت على أثر «الاستقلال« والمأخوذة بنفس الطبيعة الشعارية دجلاً أو قراءة خاطئة للأحداث والتي احتكرت فلسطين والعروبة والمطلق، تحولت إلى مرتع لخلاصات الديكتاتوريات في العالم ونفاياتها وما ترتب عليه من إجهاض قاس لمرحلة عربية لم تبدأ بدايتها الحقيقية على صعيد الدخول الفعلي في العصر والتاريخ.

الفلسطينيون أنفسهم أو جانب أساسي منهم ليسوا بمنأى عن هذا السياق التدميري فهم نتاج الأوضاع إياها، غير أن المحن التي عركتهم أكثر طوال هذه السنين منحتهم وضعا خاصاً ومتميزاً. لهذا ربما عزلة الفرد عريقة وطبيعية في هذا المنحى. والفلسطينيون داخل أرضهم المحتلة بمثابة فرد لما يحملونه من عذابات نوعية يستخدمون كافة أسلحة هذه العزلة والحصار، وما ملكت أيديهم من إرادة نزوع إلى البقاء، انهم الجماعة بصفات الفرد ومشاعره أو هكذا استحالوا، وسط هذه الجموع التي تتفرج على الصراع وكأنما على مسلسل هوليوودي مثير، ثم تنسحب الى مخادعها لتحلم بمتابعة بقية الحلقات.

عام مضى على انتفاضة الأقصى وحدها، ولا علامة تلوح في الأفق لوقف هذا الجدول البشري للموت المتدفق من كل الجهات. والخشية أن يتحول هذا الموت الإستشهادي إلى عادة وغاية أمام انسداد الآفاق، فلا تعدم تجارب في التاريخ على هذا المنوال.. وأن يكون بديلا للحياة المحلوم بها على أنقاض الاحتلال والدمار. خاصة في الظروف التي تتصاعد فيها نبرة لاهوت الموت وتأخذ مداها في كسر واقعية الحياة ورغبة المعيش.

عام مضى .. والمشهد العربي يوغل في التيه الذي هو ليس تيه الإبداع والخلق بالطبع، وإنما الضياع في ظلام الثكنات وذل التاريخ وليس مكرها فحسب كما عبر هيجل..

انطبــــاعات

منذ رجوعي من فلسطين، وأنا أتهيب الكتابة حول هذه التجربة الاستثنائية، نحن الذين رضعنا حليب فلسطين مع حليب أمهاتنا، تلك التجربة التي عشتها مع أصدقاء وزملاء جمعتني ببعضهم لحظات حرب بمعنى الأعمال العسكرية والمسلحة في إدارة الصراع بين الجماعات البشرية – وعشتها مع الشعب الفلسطيني في الداخل في «وطنه وعنوانه« الذي خاض من أجل الوصول الى بدايته الحقيقية كل هذه المجازر والحروب والاقتلاعات والشتات، كل هذه التراجيديا التي كانت 84 بداية الفصول الأكثر كثافة ودموية وانحداراً للعصور العربية اللاحقة.

من هنا كانت كلمة محمود درويش في اللحظة الأولى للقائنا أمام الفندق الذي يطل على هضبة بين رام الله والبيرة «أهلا بكم لأول مرة في بلدنا«.كان معظم الأصدقاء الفلسطينيين الذين عشنا معهم مطلع عمرنا الجارف والثوري وأحلامنا الفكرية والثقافية بالضرورة خارج فلسطين بين أماكن وقارات شتى. كانت سمة التيه الفلسطيني تطبع جيلا كاملا في الثقافة العربية بالمعنيين الرمزي والواقعي.

هذه أول مرة أراهم في مرآة «وطنهم« المتشظية والمتصدّعة، على هذا النحو المريع، وكان من «حظنا« أن ينفجر القهر الفلسطيني ويبلغ ذروته في انتفاضة الأقصى التي عشنا بعض مشاهدها والتي عمّقت قناعاتنا ببربرية العصور الحديثة الأكثر فتكا ووحشية من سابقاتها المتواضعة في هذا السياق.

مشهد الأولاد الذين يواجهون بصدور عارية واحدة من أعتى الآلات العسكرية في العالم، وشعب مجرد من أي سلاح غير إرادته التي لا يمكن قهرها، وحيد وأعزل وسط تواطؤ العالم سيد العقل البشري الحديث. هذا المشهد اليومي في شتى المدن الفلسطينية يحمل دلالة قياميّة، أكثر من أي حدث آخر، ويحمل دلالة أعمق على المستوى الذي وصل إليه إنحدار إنسانية البشر وشرطهم الأخلاقي والقيمي الذي اكتسبوه عبر تاريخ طويل جدا عبر أزمنة «الحرب« و«السلم« من المكابدة والكفاح ضد الوحشي الرابض في الأعماق منذ بدايات الكائن على هذه الأرض.

كان الفندق الذي نزلنا فيه ليس بعيدا عن خط التماس بين رام الله ومستعمرة «بيت إيل« الضخمة والتي تبدو بنيتها المعمارية المستفزة والعدوانية كأنما نزلت هكذا جاهزة بشوارعها وسكانها وأضوائها ومراحيضها من غير جذور ولا إمتدادات ولا زمن. هكذا كأنما كانت محمولة على متن قاذفة نووية عملاقة وقذفت دفعة واحدة في هذا المكان، وهكذا تتبدى كل المستوطنات التي تشكل أسوارا محكمة حول المدن الفلسطينية العريقة، كاتمة حتى الهواء عن أشجار هذه المدن وحياتها وعناصرها. كان صوت الرصاص على خط التماس يخترق ليل المدينة طواله، والسهل الفلسطيني بتلاله وجباله الملحية الممتدة حتى بيت لحم والقدس و… إلخ. فما يقصر عن إنجازه الدموي الجيش الاسرائيلي يتكفل به المستوطنون – أو العكس – أولئك القادمون من كل جهات الأرض، حثالة وزعرانا، مدججين بالأسلحة والتعصب الأعمى والانحطاط، حتى ليبدو أمامهم زعران كرة القدم نوعا بشريا أرقى، لا نكاد نتحرك بين المدن الفلسطينية إلا ويأتينا التحذير وهواجس الخوف، ليس من الجيش الذي يمارس الإذلال اليومي وإنما من المستوطنين وحواجزهم وعدوانيتهم الطليقة وتعطشهم لدماء الآخر وسحقه. لقد طلعوا مثلما ولدت اسرائيل برمتها من رحم الميثولوجيات اليهودية وخرافاتها الخرقاء كما طلعوا من رحم المعرفة العلمية للعصر الحديث الذي يشكل الغرب وأمريكا واليهود عصبه المركزي، فهم في تفوقهم مستخدمين إنجازات هذا العصر وأسلحته المدنيّة والعسكرية أمام مختلف البلدان العربية التي لا يبدو في نيتها أو مشروعها الدخول الحقيقي في المجتمع المدني وتعدده ورؤاه أي الدخول في العصر الفعلي للحضارة البشرية الراهنة. هذه الازدواجية المخيفة التي تثقل كاهل اسرائيل وتطوح بها بين السمو المدني والحضاري الذي تدّعيه أمام تخلف «الآخر« العربي، وهو كذلك فعلا، وبين عصابة من القتلة وشذاذ الآفاق الذين يعيشون في دائرة مغلقة من الرعب المتجذر في النفوس من هذا «الآخر«، رغم تفوقهم الساحق. فهواجس الخوف التي يعيشونها هي هواجس المنبتّ الذي سرق أرض الغير وحياته وتاريخه وبنى على أنقاضها وجثثها حياته الأخرى المرتجفة باستمرار وسط هذه الرمال العربية والإسلامية التي لابد في هياجها القادم ستجرف كل شيء أمامها.

هذا على ما يبدو هاجس صميمي من بين الهواجس التي تفترس الذات الاسرائيلية، وإلا فما معنى هذه القيامة العسكرية الموتورة وهذا السحق لشعب أعزل طليعته رماة الحجارة والزجاجات من الأولاد والأطفال؟ وفي الوقت الذي يمد فيه الفلسطينيون والعرب يد التعايش والسلام الطامح الى نوع من العدل المقبول على المستوى الانساني.

تفاصيل كثيرة ومواقف عشناها خلال أيامنا في الاراضي الفلسطينية، لم يكن هذا العام المتفجر يحجب تلك التفاصيل الشخصية البالغة الحميمية والرهافة والحنان من الأصدقاء الذين لم نلتق بهم منذ عشرين عاما ربما في الشام وبيروت وصوفيا، عشنا معهم كثافة اللحظة وعمقها ومرحها. ويبدو أن الأرواح يكون لقاؤها أكثر عمقا ودفئا في اللحظات الاستثنائية والخطرة في حياة البشر وينجلي الكثير من الأوهام والهواجس الرديئة التي تسرطن الكائن في لحظات العطالة والخمول والروتين اليومي.

إنها الحقيقة عارية في لهيب المغيب

لقد تأجلت أعمال المؤتمر التي ذهبنا لأجلها، من غير أسف، المؤتمر أو الملتقى الذي دعا إليه بيت الشعر وعلى رأسه الشاعر المتوكل طه القائد الميداني الذي لا تنقص صرامته القيادية في خضم تلك المنعطفات الضاجة بالقتلة، لا تنقصه الطفولة والمرح، والشاعر غسان زقطان الذي خيّر هاشم شفيق لحظة ذهابنا الى بيت لحم، وكان هاشم قد صحا متعبا بعد سهرة قاصفة مع المنصف الوهايبي وفيصل قرقطي ويوسف عبدالعزيز ورسمي أبوعلي وآخرين، إما الذهاب بطيب خاطر أو الخيار الآخر وهو إخبار المتوكل بالأمر وما تتبعه من نتائج ترتعد لها عظام هاشم… وحين أراد زهير أبوشايب البقاء بعدنا لزيارة ما تبقى من أهله في الخليل. وكانت لحظة رحيلنا باتجاه الأردن، انفجر جهاد هديب أصغرنا عمرا، بنحيب لا ينقطع على صدر زهير وكأنما يودّعه للمرة الأخيرة حتى أيقظتهم من غيبوبة الحزن بجملة ضاحكة.. علق عليها جهاد ونحن في الباص، بأنني أحاول كسر اللحظات التراجيدية بالفكاهة والسخرية. وهو كذلك فعلاً، إذ لا مخرج للحظة الاحتدام الصعبة، لحظة الفراق والحنين واحتشاد المأساة، إلا بالسخرية. السخرية السوداء التي ينجلي أمامها أكثر الرؤى والمواقف قتامة وتجهماً من فرط سبرها للأغوار المعتمة..

وهناك نتالي حنضل الأمريكية الفلسطينية من عائلة حنضل المنتشرة بقوة في أمريكا اللاتينية والمنحدرة من «بيت لحم«. كنا نتجول في حواري وأزقة هذه المدينة العريقة التي شهدت ميلاد السيد المسيح، يحتلني شبح الصديق والاستاذ الراحل جبرا إبراهيم جبرا. وسيرة طفولته «البئر الأولى« التي كانت هذه المدينة مسرح أحداثها وجمالها الغارب. حتى وصلنا إلى «شارع حنضل« صرخت نتالي، مطالبة بالوقوف والتصوير أمام أثر جدها الأكبر الذي تركه ذات دهر على هذه الأرض.

كانت تبكي كمن اكتشف ذلك الشيء الدفين المطمور في ذاكرتها البعيدة. إشراقة الجذور.. صخب الأسلاف قادمين عبر ضفاف الأزمنة.

كانت كمن اكتشف هويته المبتورة في النفس والمكان وعاش تشظيها في هذه اللحظة العابرة. حكايات وطرائف كثيرة إختزنتها ذاكرتنا، هي من الجمال والعذوبة بحيث لا يطالها النسيان تماما.

لقد تأجلت أعمال الملتقى واستبدلناها بأشياء أكثر أهمية وثراء روحيا وبقاء في التجربة، رغم أني لا أتمنى بالطبع أن يكون ثمن هذه التجربة الثرية على الصعيد الشخصي ذلك الثمن الفادح الذي يريقه الشعب الفلسطيني من أبنائه وحياته اليومية. لكنها الحرية وحلمها البعيد الشاق.

في قلب هذا المشهد المتفجر يعيشون بهدوء حياة شبه عادية فكأنما الفلسطيني عبر هذا التاريخ المتراكم من المآسي والاقتلاعات تعلم الدرس جيدا وصار يسري في السلالة. وهو كيفية البقاء وفن الحياة وسط الأعاصير التي حملت الفلسطيني من مكان الي آخر، يعيشها ويتنفسها حالما بالوطن الحقيقي والسلام حتى لو يتحقق بعد أجيال.

رغم ذلك الوضع المأساوي، استمرت حياتنا مع الأصدقاء على نحو عذب وعميق قلما عشناه في مكان آخر كأنما اشراقة لرؤيا مفاجئة، إشراقة صداقة ومحبة في ذروة الألم، ولا أنسى تلك اللفتة الابداعية بسموّها الخاص من قبل مسرح عشتار في رام الله الذي قدم عملا، نسيجه مقاطع منتقاة من شعرنا نحن الزائرين في غمرة هذا الحدث.

مديرة المسرح الست إيمان والفنانة منيرة زريقي والفنانة تهاني سليم كن جزءا من روح المكان وشفافيته الجريحة في الحياة والمسرح حيث قمن بالدور فيه مع زملاء قدموا من مدن فلسطينية كان الحصار محكما عليها، رغم ذلك تسللوا وسط الخطر المحدق ليشاركوا في هذه اللفتة التكريمية الدالة. الفن انتصار للحياة ولو عبر جسر الموت الكاسر.

في حومة هذا المشهد أيضا وخلال تنقلنا بين المدن والقرى وزيارة عائلات الشهداء وساحات معارك البارحة، وفي جلساتنا مساء في الفندق ومشاهدتنا لمحطات الإعلام الإخبارية وغيرها التي يبدو أن معظمها يتغذى ويعتاش على فجائع البشر وآلامهم وكأنما في عيد، أدواته الجثث والأشلاء والأسلحة، لتكون وليمة الإثارة ومتعة المشاهدة أكثر وقعا، تتحول الى سيرك من المهرجين الذين تتفجر عبقرياتهم في تلك المبارزات والصناعات اللفظية الثقيلة. وألح عليّ هاجس أن تلك الفضائيات المنتشرة بكثافة على مجمل الأراضي العربية الثكلى، ليست إلا تعويضا عن وقائع الأرض والتاريخ. وعن التطور الحضاري والتكنولوجي الحقيقي.. إنه التعويض السهل أيما سهولة حين لا تجد تلك الشعوب ملاذاً ومتنفسا أمام ضغط معضلات الواقع إلا تعلقها بالوهم الساذج والتشبيح.

في تلك الأثناء وغيرها، لا أعرف لماذا تلح علي عبارة (العَدَم الضاري)؟ حتى أن الصديق لطفي اليوسفي على باب المصعد يودعني بـ«تصبح على العدَم الضاري والهوام«.

تحية لأصدقائي الصامدين على أرضهم بعد أن طوّح بهم ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة الى أراضٍ كابوسية لا سقف لها ولا قرار.

وتحية لمن تقاسمتُ معهم هذه الرحلة ما ذكرت منهم عفو الخاطر في هذه العجالة وما لم أذكر لكنه موجود في زاوية ما من الأعماق.

رغم التباس ثنائية الوطن – المنفى على الصعيد العربي الراهن يظل الوطن الفلسطيني على صفائه، في ضوء الكارثة واحتشاد الحنين.

ــــــــــــــــــــــــــ
* هذه الانطباعات كتبت إثر عودتي مع أصدقاء كتابا وشعراء وفنانين من أكثر من بلد عربي بمشرقه ومغربه.. ثاني أسبوع من بداية الانتفاضة..