جديد الكاتب

النص الجريح

سيف الرحبي يتحدث عن جديده
((رجل من الربع الخالي))
النص الجريح
حوار
بيروت: من عقل العويط

صدرت عن دار الجديد في بيروت للشاعر العماني سيف الرحبي مجموعته الشعرية الجديدة ((رجل من الربع الخالي))، بعد سبعة كتب هي ((نورسة الجنون)) و((الجبل الاخضر)) و((أجراس العظيم)) و((رأس المسافر)) و((مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور)) و((منازل الخطوة الأولى)) و((ذاكرة الشتات)). والكتاب ينطوي على قصائد كتبت بين 1990 و1993 في هولندا حيث كان يعمل وفي عُمان بلد الشاعر. وتحمل هذه القصائد ملامح تجربتين مختلفتين على صعيد المكان الذي يمارس حضوره الواضح في تشكيل العبارة الشعرية. ويتجلى المكان العماني بجماله الوحشي وطبيعته، جبالا وشعابا وأودية وطقسه الطبيعي والبشري الذي عاشه الشاعر في طفولته والذي لا يغيب عنه الا كي يمارس حضوره الاقوى ويحتل كيانه وتجربته. ويجتمع المكانان في مناخ النص حيث يختزل العنوان دلالات التيه والوحشة وسراب الصحراء الذي لا يظهر أمام عين المسافر الا كي يختفي ويتلاشى.. إنها لعبة الحياة مع المصائر والاقدار. والكتاب امتداد للتجارب الشعرية التي كتبها الرحبي وتعميق لها. لكن النص يتوسل هنا بنية مقطعية تشكل في مجموعها لحمة الكتاب وحركته وإيقاعه المستمرين بين حركة المعيش واليومي والحلمي اكثر من أي مرجعية مسبقة أخرى.

 
الرؤى والاشكاليات

 ((الشرق الاوسط)) التقت الرحبي في بيروت قبيل صدور المجموعة الشعرية وحاورته حول تجربته وتحولاتها وآرائه في اللغة والغنائية والشعر العماني.

عن المسافة التي قطعها منذ كتابه الاول حتى الآن والمشاغل على مستوى اشكالية النص، لغة ومضامين، يقول الرحبي ان ((ثمة مسافة تسمح بتأملها والنظر فيها في ضوء ما كتبت وعشت، هي مسافة زمنية مليئة ايضا بانخلاع المكان وتقلبه ومليئة بالاحداث الكبيرة على مستوى الواقع الموضوعي، وان كانت كتابتي لا تدعي الارتباط المباشر بمنطقها، لكنها لا شك تمارس تأثيرها الخفي على مسارها. فالممارسة الشعرية والكتابية بصفتها حركة في المكان والزمان، تكتسب صفات ورؤى وتغوص في اشكاليات من صميم هاجسها البحث عن شكل يلامس تجربة الحياة وتنظيمها وهروبها، أي ان الوعي الشعري يحاول أن يحدد نفسه في ضوء ممارسة اللغة واستخدامها وفي ضوء التجربة الفردية المرتبطة بتجربة الانسان الاشمل في أطواره المختلفة. بمعنى آخر، ان المعنى يلعب دورا حاسما في النظر والتأمل على مستوى النص المتحقق وذلك المحلوم بكتابته. من هنا، كتابتي ارتبطت، على نحو ما، بمسار حياتي المتواضع الذي أتى على قدر من الهامشية والتشظي والابتعاد عن التمركز وكل ما يدعى الثبات والجسامة)).

 
ضد الجاهز والنمطي

  عن كتابته ((نصا جريحا)) وسط اسئلة ((الحداثة)) في عبارة تسعى الى جمع لغة العصر داخل خصوصية ((غنائية)) يقول الرحبي: ((ولدنا جزءا من ((جيل)) عربي وسط ركام الهزائم والانكسارات والذل الفردي والجماعي. وفي هذا الخضم طلع نصنا المثخن بالكآبة والعزلة والسخرية. يمكنني الادعاء في هذا السياق، انني حاولت، وخاصة في الفترة المتأخرة من كتابتي، ان أخفف من الوطأة النظرية لمسألتي الحداثة والتجديد لصالح انبثاق ضرورتهما من الاعماق ومن تفجرات المعيش والمحسوس. المواضيع والمضامين ربما لا تتغير في بطشها وديمومتها واستمرارها، ولكن المشكل الكتابي هو كيفية القبض عليها في حركتها وانكسارها وتحولها وكيفية اضاءتها عبر كل نص جديد من زوايا وجهات مختلفة وايضا، وهذا أمر أساسي، كيفية اضفاء تجربتنا الخاصة ورؤيتنا الشخصية عليها وعلى تاريخ تراكمها الهائل. وربما من هنا تكون التمايزات والأصوات والخصوصيات ((دوغما)) النصوص والأفكار وضد الجاهز والنمطي ومحاولة تفادي الاسقاطات النظرية. واعتقد أن الذي يشكل بعضا من العصمة عن الوقوع في بريق هذه الاسقاطات هو تجارب الحياة والارتطام والتيه بالمعنى الفكري والحس المعيش الذي لا محالة سيخلق ((نصا جريحا)) لأن هذا النص لم ينعقد عبر تصورات نظرية لبنائه وعبر استيهام المفاهيم والنظريات، وانما ولد معمدا بالدم والحياة والارتطام والغنائية التي تلاحظها في كتاباتي. وهي غنائية هذه الحياة وخرابها وجمالها ايضا.. جمالها المؤلم والهارب، كثيرا ما أقرأ وأسمع كلاما ضد الغنائية وضد الايقاع أي كان نوعه وضد وجود الحضور البشري والتاريخي في الشعر. هي مقولات تقابل في الجهة الأخرى مقولات عكسها. ولا أعتقد أن معظم ذلك يعني الكتابة الحقيقية في شيء. والشاعر، وان لم يكن مؤرخا، فهو ليس خارج التاريخ وليس خارج الايقاع والغناء، حتى في ((القصيدة النثرية)). في مثل حالتنا، المهم كيف يستطيع النص ان يهضم هذه العناصر والمعطيات في ولادة رحمية صادقة بعيدا عن الاقحام القسري الفذلكة و((الذهنية)). وأعتقد ان الكثير من النصوص ذهبت ضحية هذه التحديدات والتصورات المسبقة. على كل حال، على النص ان ينأى بنفسه عن مأزق التحديد السياسي والغنائي والنثري والوزني. ربما هذه الأمور تهم مؤرخي الأدب، لكنها لا تهم الشاعر لحظة الكتابة. والنص كما أفهمه، هو هذا المزيج المركب العناصر والأشياء والأماكن المبعثرة والجبال والشعاب والحيوانات وذكريات الحب والشخوص والمجازر والخيانات، نكتب عن هذه الأشياء كمن يحاول ان يتطهر على نحو ما من أحمالها وألمها وملاحقتها وافتراسها الدائم)).

 

التجربة العمانية

  عن التجربة الشعرية في عُمان يقول الرحبي: ((اعتقد انها على رغم حداثتها الزمنية تتقاطع وتتداخل مع الكتابة الشعرية العربية عامة وبدرجات متفاوتة بين شاعر وآخر عبر المطبوعات الشعرية التي بدأت تظهر تباعا. ومثل هذا التناول سيأخذ في اعتباره بشكل أخص نمط الكتابة الشعرية الطامحة الى تحرر أكبر من نمط ((القصيدة النثرية)) التي تختلط فيها جدية التجربة وطموحها الصادق مع استسهال أصبح واضح المعالم ليس في عُمان فقط وانما في التجربة الشعرية لمنظمة الخليج عامة.

أحد هواجس هذه التجربة بالطبع، السعي الى تكوين خصوصية عمانية لهذا الشعر ولهذا الأدب عامة كي نحتمي من شمولية متوهمة عبر استلهام واضح عند البعض لعناصر المكان ومميزات الذاكرة والتاريخ في هذه البلاد الضاربة في التاريخ والموروث.

واذ كان هاجس الاحتماء من الوقوع في هذا الشمول المتوهم ايضا، وبالقدر نفسه الاحتماء من الاغراق في وهم الخصوصية بدعوى التفرد الكامل مما يغرق التجربة الكتابية في عرض فولكلوري فضفاض، كان هناك في السابق بعض شعراء عُمان الكلاسيكيين استطاعوا ان يأهلوا هذه المنطقة المتوازنة بأصالة بين العماني الخاص جدا والعربي وعلى مستوى الانسان والتي نحن بصدد ادراكها في ضوء الوعي والتجربة)).