جديد الكاتب

النسمات المنعشة

الثامنة صباحا أخرج من البيت باتجاه المقهى القريب الذي أجده مفتوحا رغم شكوكي حول ذلك .
طلائع الصيف بدأت في التوافد بشكل تدريجي بفضل الأمطار الأخيرة التي غمرت البلاد والعباد وخلفت بهجة وضرراً رغم أنها لم تستمر على أشدها إلا ساعات في جوف ليلة مظلمة …

أجلس على الطاولة مع كوب الشاي والقلم والورقة ، مستمتعا بآخر النسمات المنعشة .
لا أحد في المقهى ، لا أحد في الشارع . سيارات تمر بين الفينة والأخرى …

وهكذا بدأت استدعي لقطات من رحلتي الأخيرة إلى قطر لحضور مهرجانها الثقافي الفني والمشاركة في ندوة (الأدب والمنفى) .
ومن ثم جئت إلى أبو ظبي لحضور الحفل الباذخ لتوزيع جائزة الشيخ زايد رحمه الله . في المبنى المقام حديثاً لمعرض أبو ظبي للكتاب..
إثر العودة من ندوات ومهرجانات صاخبة بالأفكار والكلام والأصدقاء ، دائما ذلك الحزن وتلك الكآبة التي تعقب صخب الاحتفالِ والانطلاق الصداقي المحتشد بالحنين إلى الوجوه الصديقة ، بعد غياب . تلك الوجوه القادمة من بلدان وأصقاع شتى، يحدونا إليها اللقيا والمسامرة ، أكثر من حضور الندوات والمهرجانات التي تتحول أحياناً كثيرة ، إلى ذريعة . هذه اللقاءات التي نحلم دائما أن تكون حميمة ، حرة وإبداعية أكثر من المؤتمرات المسيّجة باللوائح والأوراق المحدّدة سلفاً .
***
كثيراً من الندوات واللقاءات ليست ترفاً ثقافياً وسياحياً بل تقع في القلب من محنة الواقع والتاريخ ، فندوة (الأدب والمنفى) مثالاً ، تندرج في هذا التصور إذ أن برهة الراهن العربي تستدعي المنفى والاغتراب بكافة أشكاله ووجوهه المتعددة في مراياها المُدماة المكسّرة ..

منفى واغتراب على الصعيد الحضاري والتاريخي والسياسي عن الذات والعصر . غياب عن الفعل الحقيقي المؤثر على مسار الأحداث والتاريخ . بالإضافة إلى المنفى بالمعنى الوجودي طبعا . برهة الراهن العربي في حروبها الكالحة اللا مجدية واللامثمرة على المدى البعيد والقريب ، إلا مزيدا من العقم والدمار . وتلك المستترة التي تفتك عبر الكراهية وانعدام العدالة في أبسط مستوياتها ، قادمها (لأنني لا أجرؤ أن أقول مستقبلها) ربما أكثر التباساً وخطورة من الحروب الواضحة الصريحة .
هذه البرهة بالفعل برهة منفى واغتراب بامتياز . هذا “المنفى ” بداهةً لا يستدعي تحديدات جغرافية واجتماعية بتوصيفاتها الجاهزة كالبلاد الأم والبلاد الأخرى التي يُفترض أن تكون غريبة . انه أكثر إشكالا وعمقا.
****
أفكر بأن المهرجانات الثقافية في بلدان الخليج والبلدان العربية على أهميّتها ينبغي ان تكون تعبيرا عن الحراك والحيوية الثقافية الإبداعية لهذه البلاد وتجسيدا لها عبر الحوار والسجال حول إشكالياتها واختلافها ، وليس بديلا برانّياً فضفاضاً مثل مهرجانات التسوق والسياحة التجارية .
وهذا الفرق الجوهري تناط عبء مسؤوليته على المنظمين وتصورهم ورؤيتهم حول الثقافة والفنون بالدرجة الأولى وعلى المشاركين الفاعلين في هذا المجال.

****
القط يتسلق الشجرة
الأيام تنام هانئةً في أحضان
بارئها
بينما مهد الطفل يتأرجح بين أشباح الحروب القادمة
***
الشجرةُ تهزها أنسام الصيف
هادئةً تتأمل ذاتها
تتأمل الفصول التي كانت واضحةَ
المعالم والذكريات
قبل أن تبتلعها الرمال الغاضبةُ
وتتلاشى في مهّب الجهات

 
1