جديد الكاتب

المقتطف السادس

لكن نصّ (هذيان الجبال والسحرة)، يمتلك غنائية رومانتيكية من نوع جديد ضمن محاولة سيف الرحبي إقتحام سحر الطبيعة وتفكيكه. الذات الغنائية دافئة متوترة. الأشياء الموصوفة لا تنفصل عن الذات على عكس بعض كتاب قصيدة النثر الذين يوغلون في وصف الأشياء الجميلة منفصلة عن الذات، مما يساهم في تبريد اللغة، خصوصاً إذا كان السرد طاغياّ، وفيما يلي بعض الملاحظات على نص (هذيان الجبال والسحرة).
أولا: نص غنائي رومانتيكي رعوي يبدأ من الصحراء والجبال، كأنه معلقة لامرئ القيس تصف الأشياء بتفاصيلها، وأجوائها القبليّة الأولى، كأن كاتب نص (أحلام القطارات) سابقا، يستعرض شريط قطار قديم، ولولا المعجم الحداثي لشعرنا أنه يضعنا في قلب الصحراء والجبال والسحرة والقبائل- ليتركنا مع خوفٍ ما، لكنه هذيان الذات في جدلها مع الذاكرة.
ثانيا: لنختبر مطلع النص وختامه:
لقد ذهبوا بعيداً صوب أنفسهم
وذهبوا في الوحشة
أيامٌ تتلوها أيام
الديار تضمحل في عين عاشقها…
بدأ كاتب النص بالموت ليستدرج الراحلين واحداً واحداً مثل الأيام التي تتوالى، ورغم أن الديار تزداد بهاءً في عين العاشق، إلا أن النص يفاجئنا بالاضمحلال، إنه نوع من الترجيع الحزين لمقارنة الماضي بالحاضر. ثم تدور القصيدة دائرتها كاملة لتصل في خاتمة النص الى الرغبة في الموت فيلتقي المطلع مع الختام:
ها أنا المحُ الجسر الذي مشت عليه الملايين وتبخرتْ
ألمحه في البعيد بحدبته التي تصل الغابة بالبحر
يحملني الفجر هكذا بين اليقظة والنوم
مخموراً إلى مخبئي في الضفة الأخرى.
هكذا يصبح النص دائرياً، يسبر سيرة الراحلين من الأحبة.
ثالثاً: يلجأ إلى رسم الصورة الترجيعية بحشد التفاصيل دون حذلقة أو نحت بلاغي. لأن التعاطف مع النص يأتي من زاوية (الحالات الحميمة) التي يرسمها.
رابعا: هو أقرب الى (السرد السينمائي) المتدفق:
ظلوا ينثرون الشائعات حول قر جدّك
أتذكر حين ينحدر الرجال على الهضبات وفوق التلال
مختلطين بهدير الجبال ونواح بنات آوى
بل يلجأ الى لغة (السيناريو السينمائي):
لكنّ المشهد بحاجة الى ترميم
كأن تطلع إفاعٍ من بيوت الجيران
سادساً: يمزج بين الحلم والواقع بلغة بسيطة وبين الذات والجماعة بين (أشياء الماضي) و(أشياء الحاضر) بين (الذات) بين (والآخر) لكن المحور المركزي هو غربة الذات بين أطلال الحاضر.
سابعا: يحكم هذا النص، نظامان هما: نظام السطر ونظام الفقرة الدائرية، في البداية يظل نظام السطر مسيطراً غنائياً، لكن نظام الفقرة في القسم الثاني من النص يسيطر عليه السرد، لكنه سرد من نوع آخر مختلف عن السرد الترجيعي الغنائي.
سيف الرحبي لا يهرب من ذاته باتجاه حرق المراحل الى الأمام، حيث حذلقة الحداثة وصناعتها، بل يبقى شاعراً رعوياً يتأمل هذا الحاضر الذي لا يتغير ، وعينه على الماضي المتسلسل في هيئة ترجيعات غنائية، يفحص الطبيعة بعناصرها السحرية في ضوء ذاته الحداثية.

عزالدين المناصرة
من كتاب قصيدة النثر العربية