جديد الكاتب

المساحة المحاصرة

في أزمنة الانحطاط والزحف الإعلامي الكاسر، الذي جاء ليكرّس تلك الأزمنة وقيمها الزائفة وجهلها، والتي هي أكثر فتكاً ومحاولة استئصال لما تبقى من أبعاد جماليّة وإنسانيّة على هذه الأرض التي تحاصرها الحروب والأوبئة من كل جهة وصوب.
في هذا السياق ، الظلامي يكثر أدعياء الثقافة ومتطفلّوها، فيالق جهل ورذيلة وانعدام ضمير، ويطفح المستنقع بعَفَنه وضَغائنه على شكل كتابة تتلقفها بشهية مفتوحة منابر بعينها، أصبحت مرتعاً للارتزاق الثقافي والنَّصب بكل أنواعه وأشكاله .
في مثل هذا المشهد الذي أصبح نمطّيا، ينعدم أي حوار معرفي وأخلاقي، فأي إنسان لديه بعض احترام لنفسه، ولمفهوم الثقافة والمعرفة إلا أن يلوذ بالصمت وعمل ما يمكن عمله في هذه البقعة المحاصرة.
وفي البقعة نفسها ، هذه المساحة التي لم يأت عليها الجفاف، ولن يأت مهما تكدّست أسلحة الفساد وتشعّبت، طالما هناك نبض روح وحياة لن تعدمها الأرض حتى بعد خسوفها … في المساحة الضيقة الواسعة، سعة الروح الحرّة، المحاصرة (بين هلاكين) يعود ذلك الحوار المعرفي القرائي البسيط والخلاق بين عناصر وحيوات، لا تستطيع الحياة والتنفّس خارج خضرة الروح هذه، أو خارج الفسحة المضيئة للفكر والإبداع عبر أجيال الماضي البشري، وعبر هذا الحاضر الذي يوشك على الموت اختناقاً وقهراً، لولا هذه الفسحة التي يتيحها الخيال والحلم ، هذه اليد العاشقة الحنونة في زمن القسوة والانهيار الشامل..
كل صباح حين نصحوا من نوم لا شك ، مليء بالمغارات والكوابيس والأشباح العنيفة، نصحوا على كثير من انعدام توازن ودوخة رأس، نحاول لملمة الأشلاء المتناثرة، على مسافة دنيا العرب والعالم ، عبر اللجوء الى قراءة من نحب والكتابة، إلى سموّ الموسيقى والصداقة أو ما تبقى منها ، لنعاود صياغة يومنا بكلفة ألم وقهر أقل، أو هكذا يحدونا الحلم والتفكير.
في قلب هذا المشهد نلجأ إلى هذه المساحة المحاصرة أكثر مما كانت في الماضي البعيد، رغم سيادة المفهوم الحديث الذي يدّعى عكس ذلك ، ونمد يد المصافحة للصداقة المعرفيّة والشعريّة ..
نمدُّ يد المصافحة كما الغريق في حفرته المائية المتلاطمة، لكن ليس إلى قشّة، وإنما إلى خشبة خلاصٍ ومحبّة، أو شيء في هذا المنحنى الروحي والأخلاقي.
وهذا ربما الرد الأقوى والممكن على أزمنة الانحطاط العربيّة وغير العربيّة.