جديد الكاتب

القاهرة .. بيروت .. وقناة ((الحرة))

عتب عليّ بعض الأصدقاء المصريين، على ما ورد في مقابلة تلفزيونية لقناة “الحرة” مع الشاعر جوزيف عيساوي، في بعض فقرات المقابلة، حيث التطرق إلى مصر، سواء عبر الكلام عن طفولتي الثانية في الفضاء المصري، القاهري خاصة. والتي اعتبرها دائماً النقلة النوعية من بيئة يَسِمُها الانغلاق والواحديّة في النظر والتفكير بتلك الفترة من تاريخ عُمان، إلى فضاءٍ مفتوحٍ يصخب بالتعددية الفكرية والثقافية والسياسية، الذي ترك بالغ الأثر في التكوين المعرفي والوجداني… وكان البوابة التي دخلتُ من خلالها إلى ما عرف بالحداثة والتجديد…
من نافلِ القول أن المكان القاهري مارس عليّ بعد المكان العُماني سطوته العاطفية، وتلك الجاذبية الروحية التي لا ينضب معينها على مدى الزمان المتقلب السريع. مما ظهر جلياً أثره الحاسم في الكثير من الكتب الشعرية والنثرية وعلى صعيد السكنى والمعيش.

* * *

ربما عتب البعض حول نقطتين وردتا في الحوار المتلفز والذي يتبعُ صاحبه خطاً فيه نزوع الإثارة والاستفزاز كي يستقطب أكبر قدر من المشاهدين العازفين أصلاً عن البرامج الثقافية والمعرفية الجديّة، المنصرفين نحو الإسفاف واللغو بمناحيه السياسية والفنية، حيث استخدام بعض أدوات تلك البرامج الإثارية حسب قناعة المقدم، يكسب موقع مشاهدة أفضل ويخطف منها بعض متاعها وضوئها، والتي هي ليست قناعتنا بالتأكيد.
عتب بعض الأصدقاء حول نقطتين وردتا في ذلك الحوار المتشعب:
الأولى – حين سألني مقدم البرنامج عن تلك الفترة البعيدة في الزمن والذاكرة، عن شعور الصدمة الثقافية حين انتقلت من عُمان الى القاهرة. وهو سؤال أصبح نمطياً من فرط تكراره، وكان جوابي: أن القاهرة ليست باريس كي تُحدث هكذا صدمة.. وكان قصدي أن الوضع الثقافي المصري والعربي ينتمي إلى شجرة أنساب واحدة عبر اللغة والتاريخ. فأحمد شوقي والبارودي وحافظ ابراهيم على سبيل المثال جزء من الذاكرة الثقافية العُمانية وكذلك أسماء ورموز مصرية أخرى وعربية، كلاسيكية وحديثة، هي جزء عضوي لا يتجزأ من هذا المركب الثقافي والمعرفي. عائلة واحدة بروافد وخصائص مختلفة ومتنوعة. وهذا الاختلاف ضمن الوحدة التي لا يمكن أن تنفصم عراها وتتفكك نهائياً كما يحلم البعض، إلا بالتصفية المادية والانقراض. يمكن أن تضعف كما هو حاصل في ضوء هذا الهجوم الكاسح على وحدة الهوية الثقافية في أزمنة الانحدار الذي تعيشه المنطقة كلها.
هذا التنوع مصدر إثراء روحي وثقافي، كما هي الوحدة الحقيقية التي تتوطدُ بهذا التنوع والاختلاف..
نقطة ثانية أتى عليها العتب والالتباس وهي حين أجبتُ على ما أظن، حول سؤال الفرق الثقافي بين بيروت والقاهرة، على أن الأولى كانت مسكونة بالسجال الثقافي وما يعنيه من انفتاح أكثر على التجريب الأدبي والمغامرة. وهذه حقيقة تاريخية لها ملابساتها وعناصرها الكثيرة. منها أن المؤسسة الثقافية في القاهرة، مؤسسة قوية متماسكة حول منظومة قناعات ورؤى، ليس من السهل اختراقها بسرعة. ولا أقصد المؤسسة الإدارية الرسمية، بل تلك المؤسسة من الذوق والمفاهيم الأدبية النظرية والإبداعية المراتبيّة التي لا تقبل التغيير إلا ببطء وضمن منظورها المركزي. فعلى سبيل المثال جيل “السبعينات” في مصر وما تلاه نال من الهجوم والإقصاء الشيء الكثير من تلك المؤسسة التي هي حديثة وتجديديّة وفق معاييرها وأطرها. وأذكر أيضا ما دعي بالجيل “السوريالي” الذي كتب الكثير منه بغير العربية ضمن تكوينهم التاريخي والتربوي، جيل جورج حنين، ورمسيس يونان، فؤاد أنور، وألبير قصيري. أقصي رغم أهميته الإبداعية والتاريخية، خارج نسيج الثقافة المصرية..
منذ تلك الفترة حتى اللحظة الراهنة وهذه المؤسسة لها امتدادها وان ضعفت تحت ضغط السجال والإبداع لأجيال الثقافة المصرية اللاحقة. عبدالمعطي حجازي وآخرون ما زالوا يناقشون مشروعية قصيدة النثر، وما زالوا يمانعون في إعطائها شهادة الولادة والاعتراف، بعد كل هذه الأزمنة والتحولات، حياةً وإبداعاً!!
بيروت أيضاً لها شروط مناخها الخاص الذي أفرز ذلك السجال الحيوي. بيروت الحاضنة والمختبر للتجربة الثقافية والسياسية العربية بصورة عامة بما فيها المصرية الطليعية وليس اللبنانية فحسب. وهو الدور الذي لعبته مصر قبل السبعينات، في مطلع القرن العشرين بشكل شامل وخلاق. وتلك مسائل بحاجة إلى نقاش متشعب بعيداً عن هذه العجالة.
يبقى أن المسألة تطرح في ضوء وقائع التاريخ الأدبي والثقافي العربي لكل بلد على حدة وفي السياق الثقافي الشامل العميق، الذي يغتني بمنابعه ومصباته الكثيرة، وليس بادعاء مركزيات متوهمة، وخارجة عن نطاق التاريخ ووقائع الاجتماع..
تبقى علاقتي الوجدانية والمعرفية بمصر، قضية حيوية بالنسبة لي، غير قابلة للمزايدة والإدراج في النقاشات التي تحركها نزوعات مرضيّة تحاول الاصطياد دائماً. علاقة هي من النأي بمكان بعيداً عن الحسابات الضيقة والمصالح الآنية، كما يعرف بعض أصدقائي المصريين الذين اقتسمت معهم خبز الحياة والمعرفة منذ زمن سحيق.
تبقى جزءاً من ذاكرة النبع الذي لا ينضب وإن جفّت كل القنوات والمياه.