جديد الكاتب

القاتل – الضحية والحلم الوردي

لم يحدث في تاريخ الكائن في عصوره المختلفة، أن يختلط وجه الضحايا بجلادها ويضيع ويلتبس على هذا النحو الذي نرى ونسمع على امتداد هذا الكوكب المأهول ببشره وحروبه، والمأهول بحقول الاختراعات والغرائز التي تنزع غالبا نحو الفتك وتأصيل أسطورة الشر والعنف في مختلف أوجه حياة البشر… حتى ليخال الرائي، أو حتى المستمع لنشرات الأنباء، أن العالم برمته ولد من دوافع انتقامية ذات منشأ ميثلوجي، وليس، فقط من دوافع شروط الصراع وأرزائه وعناصره، أو من حلبة صراع رومانية لم يتطور عبر خط تاريخها الطويل إلا نزعات الطغيان والهيمنة ورغبة إقصاء الآخر وسحقه تحت شتى الأقنعة والتبريرات، التي برعت في ترويجها وتعميمها ثكنات الاعلام وكواسر الفضاء التي وسمت الأفراد والمتون والهوامش بطابعها الخاص.

لم يحدث أن يضيع وجه الضحية ني تضاريس وجه جلادها ويتلاشى، بسبب هذا النوق من التطور التكنولوجي في مجال الأسلحة والاعلام وتسخير جل المعارف التي أبدعها العقل والمخيلة البشريان عبر آلاف السنين لخدمة هذا السياق الأحادي من التطور الذي تصب في بؤرته كل التعدديات والجغرافيات والمصادر المادية والعقلية الممكنة والمستحيلة لتبقى أرومة الحلبات الرومانية بأباطرتها وعبيدها وتوثب غرائزها المتوحشة هي المتربعة في سدة هذه الحضارة على المستوى الكوني.

جيوش من العلماء والمختصين والخبراء في كافة الحقول والمجالات يقذفون عصارة فكرهم الخلأق في تطوير هذه الحضارة وهذا النوع من التقدم، بعد أن أنجز بشراسة فصل العلوم والاختراعات عن سياج أخلاقها وسلوكها بما يعني ذلك من كوأبح انسانية وأخلاقية، ليتوحد الانسان والآلة في كائن مشترك، ليس سوى وسيلة لخدمة أهداف وغايات لن تعود شروط السيطرة عليها  ممكنة.

لم يعد شرط العقل النقدي في الغرب بصورة،خاصة وهو المعني، بداهة بمدارات الحضارة والتقدم في أطوارها الكبيرة في هذا العصر، يمارس فاعليته الحقيقية في تصويب المسار وما آلت اليه نتائجه الكارثية. رغم فرص المتعبير والمنابر الواسعة التي تتيحها مكتسبات، الحضارة الغربية، هل هذا العقل في الهامش يمارس دوره على صعيد النخب من غير قدرة النفاذ والتأثير في وعي المجتمعات والتاريخ.

في منحى الانسان ذي النمط الواحد ي المزاج والتفكير والاختيار الذي يرصف كما ترصف “الطماطم ” ذات الحجم الواحد في صناديقها. أو مثل الطيور التي تختزن داخل الأقفاص، كيلا تغرد خارج السرب، وهو تشبيه أكثر أملا وأقل قسوة..

هذا الانسان الواحدي الذي حسمته آلة الحضارة الغربية بتفوق باهر، رغم مظاهر الحريات السطحية، وتمت عملية الدمج للفروقات والاختلافات، وكذلك الأجناس والسلالات والثقافات في مستوى آخر لـ “كتلة ” التاريخ الجديدة.

في هذا المنحى ليس للضحية من مناخ لسرد حكايتها مع التاريخ ولأجيال يفترض قدومها، بعد أن رحل الشهود الحقيقيون وبقي شهود الزور الذين تفبركهم تلك الآلة وأولئك الخبراء البارعون في فقء عين الضحية ومحو ملامحها ووجودها. وان بقي من شهود فهم من الندرة، قد ولجوا تخوم عزلتهم اختيارا واكراها..

لم يعد هناك فرق واضح بين الضحية وجلادها، بين المحيط والمركز، بين الأمي والمتعلم بهذا المعنى، لقد تماهت الضحية والجلاد بسبب تزييف الوقائع ووأدها. وليس فقط، عبر التشوهات الخلقية والروحية التي تأتي كنتائج للسلوك الفاشي وتدميره للضحية مثلما في فيلم “بواب الليل ” للايطالية «ليانا كافياني”.

وأد الحقائق وطمس معالم الفروق الجوهرية عنصر رئيسي من عناصر القوة الممتزجة بشكل كلي بانجازات المعرفة، العنوان الكبير للسيطرة في عصرنا.

القاتل في هذا السياق لا يرفض مقاومة الضحية فحسب ولا حتى توسلاتها، ولا يريد استسلامها الكامل بالمعنى التقليدي. إنه يعطيها قدرا من وهم الحركة والحرية وقدرة المناورة، وهو يتفرج عليها من على، مبتسما بدهاء المنتصر سلفا طالما أن مجمل عناصر وجودها في قبضة مخالبه القاطعة.

هذا التطور في علاقة القاتل بضحيته، هو تطور في صلب المعرفة المعا هوة وأدواتها، تطور لم يبق على نعمة تلك الثنائية إن كان هناك من نعمة، التي تندرج في النظرة إياها، من محيط ومركز. لقد أخذ المركز كل محاسن هذه الثنائية ويتم التمويه واللبس.

لقد اتسعت الفجوات بصورة مريعة كما اتسع الخرق على الواقع، واتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء وبين المتحضرين ونقيضهم، لكن ذلك يظل مضمرا كجزء من لعبة السيطرة الجديدة في محاولة لطمسه، فآلة الاعلام الضخمة قادرة على كل شي د وهي المولدة الوحيدة للمعجزات والخوارق في عصرنا.

هذه الآلة نفسها التي لم تترك للبدائي الأمي في أقصى غابة بافريقيا، أو منعطف صحراوي في الجزيرة العربية، نعمة الأمية كي يبقي على قسط من طفولته وفطرته وصفاء خياله فألحقته بها حتى الامحاء والاضمحلال.

لا يفهم (طبعا) أنني أدافع عن أمية ما! ربما – من وجه مختلف لكنه يفضي الى المفارقة المأساوية نفسها – على طريقة (نيرون) حين جاءوا اليه لتوقيع أول حكم بالقتل، أطلق عبارته المعروفة “ليتني لم أتعلم القراءة والكتابة ” كان نيرون فيما يبدو من سرد حكايته مع القتل ذا ضمير نقي قبل ولوغه في لعبة الدم الأزلية، التي برع فيها الأحفاد لاحقا بشكل يجعل منه ذكرى لطيفة في غابر الأزمان.

الأمي هنا لم يدخل في مجال معرفة أولية ممكنة، تعلم القراءة والكتابة، مثلا، بل انغمر في الشاشات وأطباق الفضاء ليقتلع من حياته ونمط تفكيره وموروثه. هذه المعطيات التي كان لها أن تمضي باتجاه تحديث على قدر ولو بسيط من الاتساق يرمي بها في قعر هاوية لا سقف لها ولا قرار.

إن انفصام هذا الكائن هو أعلى درجات الاختلال التي عرفها تاريخ الوعي البشري وأعلى درجات الاختلال في ضمور وقصور الجهاز الادراكي حتى الامحاء الكامل، عن الشروط والملابسات التي أنتجتها تلك الحياة المستجدة بشخوصها وهرامها ومخترعاتها الاستعمالية وغير الاستعمالية اللأمحدودة.انه الضحية المثالية لقاتل لا يتراءى له الا كحلم وردي.

نظرة سريعة على حياة البشر القائمة، عربيا وفي أماكن أخرى، تعطينا البراهين الكافية الى ما آلت اليه هذه الحياة من تفسخ واختلال ونمو رهيب لقيم الانحطاط المنبثة في تضاعيف هذه الحياة وتفاصيلها. الغناء وهو ضحية أخرى للتقليد الأعمى لموسيقى الغرب في عصر انحطاطها، وليست المسلسلات والسينما بأحسن حالا، حتى أنماط السلوك المختلفة وطبيعة اللغة والثقافة المتداولتين. وخيلاء المال وسطوة استعراضه، والذي لا يندرج بداهة، في أي مشروع حضاري وثقافي، وان كان هناك نوع من تفكير مشترك من هذا القبيل فهو مجهض سلفا، نتيجة للجشع والأنانية المفرطة وضيق الأفق الذي هو جزء من التركيبة العضوية للواقع الذي نعيش، حتى يتراءى لمستمع الضجيج حول “الهوية ” ونقائها بأن الحديث كان عن العهود الأموية والعباسية، لكأنما الذات العربية تستبدل حياة الواقع والزمن والتاريخ بحزمة أوهام بديلة كسياق طبيعي للعجز عن الاقامة في الزمن والتاريخ.

نستدرك في هذا الصدد، أن ماسي الحياة العربية ليست كلها من صنع “الآخر” الغرب الأوروبي الآن بما فيه أمريكا طبعا، وقبلا العهد السوفييتي وتلك العثمانية المظلمة، كما ذهبت أفكار أحزاب وأيديولوجيات اسقاطية، يسارية ويمينية بتعليق كل عناصر التخلف والانهيار الداخلي، فوق قرون هذا الحيوان الأسطوري الذي هو “الخارج “.

ولا تتورع بعض الآراء السيالة بالحماس عن سرد قصص البطولات والانتصارات التي لا تخص إلا العرب بعينهم في مقابلة مع الأعداء الذين لا يرنون وزنا من تاريخ وثقافة وملاحم أمجاد.

ولا ننسى في هذه العجالة، وكيف لنا ذلك ودماء الأبرياء تغطي الساحات والشوارع والمعابد تحت سطوة هواجس الانتقام نفسها التي تتحكم في آلة القتل الكوني وان اختلفت الدوافع المعلنة، حيث حراس قلعة الأصول والتطرف،دعاة الاستئصال لكل ما لا يتفق مع تصوراتهم الكهفية المقذوفة بعصاب العنف خارج امكان الحياة وشروط المعيش في عصر بعينه، مهما كان نوعه ووجهته.

هذه الجماعات التي يقودها شبح القتل والتنكيل لكل رأي مخالف سواء كان من أبناء الجلدة في الدين والتاريخ والقرابة والرحم أو “الآخر”. في الحالة الأولى نرى كيف تفترس الضحية نفسها بعماء لم تعرفه عصور الغلاة والتشدد والظلام – الجزائر نموذجا – إنه المظهر الأكثر سطوعا ودموية لشلل الذات عن الاقامة في الزمن والتاريخ. الذات في تشظيها وانهزامها أمام نفسها وأمام الآخر.

الذات الضحية والجلأد في الوقت نفسه.

أمام زحف البربرية الحديثة، يمضي موكب حضارة العصر، في فجر الأيام الأخيرة لهذا القرن. مخلفا وراءه كل القيم والأفكار التي كان من المفترض أن يمني على نحو من هديها وصراطها قيم: الحق والجمال والحرية والعدالة. قيم النهضة والتنوير، “ديكارت “،”كانت ” (شيئان يضيئان أعماقي بالدهشة: النجوم في السماء والأخلاق على الأرض) “هيجل ” و” نيتشه ” والشعراء والفنانين وقبلهم فلاسفة وعلماء العرب والمسلمين والشرق.. الخ.

لم يبق منهم إلا ذكريات حزينة للدارسين والمختصين والحالمين وسط جلبة هذا المشهد الذي يمني الى حتفه بسرعة سقوط النيازك في صحراء مقفرة وعاتية.

لم يعد من دور يذكر لتلك القيم والأفكار التي استدعت كل تلك التضحيات العظمي في تاريخ البشر، ليرتفعوا بذواتهم وحياتهم من مهاوي البهيمية والغرائز.

صارت البشاعة والقبح والخواء هي الأركان التي تؤثث الأمكنة والحياة..

سيف الرحبي