جديد الكاتب

العمى

في رواية (العمى) لـ(خوسيه ساراماجو) التي تعالج وتستقصي عالماً تحل به كارثة العمى الجماعي، التي تباغته على حين غرة، تترنح الحياة بكاملها، تحت وقع انهياراتها وظلامها.. يعم العنف والفوضى، وتستحيل الحياة الى أنقاض حياةٍ وحطام.. يستقصي الروائي البرتغالي ويغوص عميقا في تلك التخوم الكارثيّة، التي حلت بالعباد والبلاد عبر هذا المرض الذي بدأ عضوياً عبر فقدان البصر، ليمتد الى الروح ويستشري في كامل الخلايا والحيوات.
في هذا المنعطف الوجودي- الاجتماعي الصعب، تتفجر الدوافع والأسئلة الدفينة للشخصيات التي تعج بها الرواية، وتتعرى تحت الضوء الكاشف لمبضع الاستبطان الروائي.
كارثة العمى الجماعي في رواية ساراماجو، تبدأ من فرد يسوق سيارته عبر الطريق العام، ويتوقف أمام إشارة المرور الحمراء… وهو يحدق في الإشارة، فجأة يرى بصره الاعتيادي يتشظى الى كتل لونيّة يغرق في سديمها الأبيض وتبدأ الكارثة.
نتذكر هنا رواية (بورخيس) الارجنتيني، عن نفسه، وكيف فاجأه العمى العضوي وهو في المكتبة العامة “كان ذلك مثل غسق صيفي” حيث فقد رؤية الألوان إلا شبهة اللون الأصفر، ما تبقى له من رؤية الموجودات الحسيّة والعالم، الذي راح يحدّق فيه بعمق أكثر سعة ونفاذاً عبر البصيرة والمخيّلة.
طبعاً رواية الأعمى، لدى ساراماجو، غيرها عند بورخيس ومن على هذه الشاكلة، كواقعة مرض طبيعي، رغم حمولتها وأبعادها الوجوديّة التي ترتبت عليها كاختبار صعب يحل بغتة على الكاتب والإنسان.
ساراماجو في روايته، التي بدأنا نقرأ عن تحويلها الى فيلم سينمائي، تحمل أبعاد الرمز وحمولاته الدلاليّة المتشعبَّة، التي تنطلق من الفرد الى الجماعة, ومن المدينة الى العالم.. وعبر هذا المرض العضال الذي يتخبط العالم في حمأة قسوته البالغة، يفضح ويحلل ويحتج على القيم والمنظومات والسلوكيات التي وصلت إليها البشرية في هذا الطور من حياتها المديدة..
طريقة مجيئ المرض في رواية (العمى) أغرت كثيرين بالمقارنة، برواية (البيركامو) (الطاعون) فهناك أيضا يذهب الموظف أو الطبيب في مدينة (وهران) الى عمله وإذا به يتعثَّر بفأر ميت.. لقد بدأ الطاعون.
طبيعة البداية والمرض – المختبر، تغري بالمقارنة لكن الروايتين تفترقان في أمور جوهريّة تتعلق بطبيعة السرد والرؤية والمناخ والشخصيات لا تسعها هذه العجالة.
إذ كانت رواية كامو، تعيّن وتسميِّ الأماكن والشخصيّات، فرواية سارماجو لا تفصح عن ذلك.
شخصيات ومصائر تتخبَّط في أشراكها وسط عتَمة المصائر والآفاق.