جديد الكاتب

العلاقات التركيبة والصور الشعرية في ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) لسيف الرحبي .

أ / د . عبد الجليل غزالة .
المغرب .

أطروحات العمل :

ما أهم العناصر ، التي تبني العلاقات التركيبية في ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، الذي أنجزه الشاعر العماني ؛ سيف الرحبي ؟ كيف تتجلى الاتجاهات المتعلقة بدراسة الصور الشعرية في النقد المعاصر ؟ ما أنواع التشبيهات والاستعارات والكنايات البلاغية ، التي تساهم في بناء الصور الشعرية عند هذا المبدع ؟ ما المقاصد والرموز التي يروم الناظم إيصالها للمتلقي العربي ، من وراء استعمالاته المتنوعة لأسلوب التشبيه والاستعارة والكناية في هذا الديوان ؟  هل يمكن رصد وضبط كل الإنجازات الشعرية ، التي يوظفها  لبلورة هذه الأساليب ؟

الشاعر والمتن المدروس :

أ ) الشاعر :

رأى الشاعر العماني ، سيف الرحبي ، النور عام 1956 م في قرية سرور – سمائل بسلطنة عمان . تلقى تعليمه بمدينة القاهرة ، وعاش في أكثر من بلد عربي وغربي . اشتغل بالمجال الصحافي والثقافي .

ترجمت أجزاء كبيرة من إبداعاته الشعرية إلى عدة لغات معاصرة كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والبولندية وغيرها ( 1 ) .

يعمل حاليا رئيسا لتحرير مجلة ( نزوى ) الثقافية الفصلية ، التي تصدر بمسقط .

نشر عدة أعمال شعرية مهمة ، نذكر منها :

1 _ نورسة الجنون ، دمشق ، 1980  .

2 _ الجبل الأخضر ، دمشق ، 1981 .

3 _ أجراس القطيعة ، باريس ، 1984 .

4 _ رأس المسافر ، الدار البيضاء ، 1986 .

5 _ مدينة واحدة لا تكفي لذبح عصفور واحد ، عمان ، 1988 .

6 _ رجل من الربع الخالي ، بيروت ، 1994 .

7  _ جبال ، بيروت ، 1996 .

8 _ معجم الجحيم ، القاهرة ، 1996 .

9 _ يد في آخر العالم ، دمشق ، 1998 .

كما نجد له بعض المقالات والمختارات المتنوعة :

1 _ ذاكرة الشتات ، مجموعة مقالات صدرت ، عام 1991 .

2 _ حوار الأمكنة الوجوه ، مجموعة مقالات ، صدرت بمسقط ، عام 1999 .

3 _ منازل الخطوة الأولى ، مجموعة نثرية وشعرية ، صدرت بالقاهرة عام ، 1993 .

ب ) المتن المدروس :

أنجز سيف الرحبي عمله الشعري ، الذي يحمل عنوان ( الرجل الذي رأى الطائر في نومه ) ، سنة 2000 م . صدر عن منشورات الجمل بكولونيا / ألمانيا  . صممت الغلاف الفنانة منى السعودي ، مستخدمة فيه رسما مكتنزا يحمل رموزا ودلالات ، تحتاج إلى دراسة سيميائية SEMIOTIC متخصصة . يضم هذا الإبداع الأدبي 92 صفحة من الحجم المتوسط . رتب الشاعر قصائده على النحو التالي :

1 _ ضربة شمس .

2 _ أشجار ترحل .

3 _ ذكرى .

4                  _ البحيرة المسحورة التي غرقت فيها أخيرا .

5 _ صوتك .

6 _ المدينة المنكوبة .

7 _ شعاع قرن قادم .

8 _ المحطات موقد الغياب .

9 _ المياه التي باركها الأنبياء .

10 _ سدرةالمنتهى.

11 _ صقيع الخارج.

12              _ الليل البهيمي للحيوان.

13            _ طائر يعبر الحديقة .

14          _ قوس الجسد الضاري .

15        _ صيف الأبدية.

16 _  بعصا الأعمى في ظلام الظهيرة.

17 _ لافريسة في الأفق .

18 _ أحذية الجند.

19 _ رومانسية .

20 _ لمسة من يدك .

21     _ تحت سقف الصباحات.

22 _ يمامة .

23 _ صبيحة يوم عيد .

24 _ عبدة الحصان .

25     _ الصفرد .

26_ غياب .

27 _ عرين سماء مقفرة.

28 _ غفوة الضحى .

29 _ مقهى القصبة .

30 _ كيف تصنع بقفر حديقة .

31 _  الجندي الذي رأى الطائر في نومه .

العلاقات التركيبية في الديوان :

يقوم عملنا النقدي المتعلق بديوان ( الرجل الذي رأى الطائر في نومه ) على أساسين مهمين :

أ _ اطلاع المتلقي العربي على مكونات وعناصر الجملة الشعرية بكل قوانينها وعلاقاتها ووظائفها المتنوعة ، عند سيف الرحبي .

ب _ تعريفه بالأدوات والطرق اللسانية والخطابية التي تساعد الشاعر على بناء قصائد ديوانه ، من أجل خلق عملية اتصال شامل . نقدم في هذا الأساس الثاني طريقتنا اللسانية الخاصة بالفهم والتأويل لقصائد الديوان .

لايصل المتلقي العربي إلى فهم وتأويل قصائد هذا الديوان مالم يحط علما بطرائق تراكيبه ودورها المحوري في بناء الجمل وإيصال المعاني المقصودة . فلا أثر لهذا البناء ، دون تراكيب شعرية عربية محكمة المكونات والعلاقات والوظائف . كما أن القول الشعري لا يكتسب تميزه و تفرده في غياب التركيب العربي السليم الواضح والتام . لذلك فإن التراكيب الشعرية تمثل عند سيف الرحبي نواة الإبداع وبؤرة التفرد في العمل …

سندرس العلاقات التركيبية في الديوان ، حسب ثلاثة عناصر :

1 _ مقاصد التراكيب الشعرية .

2 _ التراكيب وخصائصها الفكرية .

3 _ التراكيب ونفسية الشاعر .

أولا )  مقاصد التراكيب الشعرية :

تترابط أجزاء القول الشعري عند سيف الرحبي وتعانق بعضها كأسماء وأفعال وحروف . تتبادل الأسماء والأفعال المستخدمة في الديوان العلاقات بينها بشكل منطقي خلاق CREATIVE. لذلك فإن التراكيب الشعرية تقوم هنا على ملكات اتفاقية CONVENTIONAL COMPETENCESعربية ، تقوم بدور مهم في بناء الجمل الشعرية وخلق الأسلوب الشخصي للمبدع . فالدوال اللسانية في هذا القريض تبقى داخلية _ مثولية IMMANENCE بالنسبة للمدلولات المقصودة ، مالم تستغل ضمن سياقات متنوعة ، تغير مواقع التراكيب وتجعلها منفتحة . تبقى مقاصد المبدع متقوقعة ومحرزة ، حتى يظهر التركيب النموذجي لينشرها بين المتلقين العرب . يجسد هذا التركيب المثل المتبع الذي يحدد قوة القول الشعري أو ضعفه عند الناظم .

لاتبرز التراكيب الشعرية ، المؤسسة لديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) مرتبة وتداولية أو وظيفية مالم تكن مترابطة ومتعالقة ببعضها أو تابعة لها . تتجلى هذه العلاقات واضحة بين المدلولات الشعرية ، عن طريق ترابط وتبعية بعض أقسام القول الشعري لبعضها واستقلال موقع كل جملة داخل قصائد الديوان بطريقة نسقية . يخضع  الترتيب والتناسق على مستوى الدوال والمدلولات إلى قوانين وضوابط منطقية محددة ، تلتحم بمقاصد كل شاعر ، مما ينوع علاقات التراكيب الموظفة .

يمكن التمييز بين شعرائنا المعاصرين عن طريق مقاصد التراكيب الشعرية ، التي تروم بلورة وظائف اللسان العربي ، المجسدة لمقام القول الشعري المنجز PERFORMATIVE .

لا تستقيم التراكيب اللسانية عند شعرائنا المعاصرين مالم تكن حاملة لمعان قريض واضح وسليم ، حيث تراعي قوانين اللغة العربية وتربط عناصر القول المنظوم ببعضها . فالصور والأشكال الفنية تصبح رائقة وتداولية ، إذا راعت الخصائص الفكرية ونبعت من معان التراكيب العربية الأصيلة .

تبرز العلاقات التركيبية عند سيف الرحبي من خلال جمل شعرية أصيلة ، تتحكم فيها عدة أساليب خطابية : النداء ، التعجب ، السرد / الحكي ، التشبيه ، الاستعارة ، الكناية ، النفي ، الإشارة ، الاستفهام ، الشرط …

تتأسس التراكيب الشعرية في الديوان المدروس على علاقات تبادلية متنوعة ، تحركها بعض الأساليب الخطابية المذكورة . تتحقق مقاصدها INTENTIONS وتدا ولاتها المقامية عن طريق التناسق  COHESION بين الدوال والتماسك  COHERENCEبين المدلولات . فهذه التراكيب تتحكم في بناء وتفعيل الدوال المنتقاة من أجل العمل داخل نسق معين . أما الصور البلاغية فإنها تتحكم في الذوق والرونق ، المرتبط بمقاصد هذه التراكيب ، مما يخلق عدة خصائص جمالية وفنية متميزة .

تمثل القواعد التركيبية والمعجم المتنوع الإنجاز ، عند سيف الرحبي ، مدخلات للإبداع الشعري ، المنبثق عن النسق العربي . فالقواعد التركيبية تجسد قدرات اتفاقية عند المتلقين العرب لهذا الديوان ، مما يحقق للغة الشعرية المستخدمة وظيفتها الاتصالية . تخلق العلاقات التراتبية SRATIFICATION ، القائمة بين التراكيب اللسانية والخطابات الشعرية ، عمليات فعلية ، تحرك النسق العربي الرابط بين الطرفين . تمثل مقاصد الخطابات الشعرية عند هذا المبدع مخرجات النسق العربي المستعمل ، الذي تخترقه عملية تغذية راجعة ، أثناء بناء الصور الشعرية الرائقة . كما يبرز ذلك المخطط التالي :

مدخلات النسق المنجز

قواعد تركيبية / معجم

استعمالات لسانية

تغذية راجعة للنسق المستعمل       بنى النسق                 العمليات الفعلية :

الموظف في                علاقات تراتبية بين

الإبداع الشعري             التركيب والخطاب

مخرجات النسق

مقاصد الخطاب

المدروس الباني

للصور الشعرية

ثانيا ) التراكيب وخصائصها الفكرية :

تتسق البنى الصوتية الخاصة بكلمات المعجم الشعري ، الباني لديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) بطرق وإنجازات اقتصادية محددة . يرتبط انتقاء الشاعر أصواتا معينة لبناء كلمات أوجمل شعرية رائقة بالاتفاق العربي العام . لذلك فإن القصد من وراء إنجاز القول الشعري العربي المعاصر ليس هو تتابع الأصوات المنطوقة ، بل التناسق بين الدوال والتماسك بين المدلولات بصورة حدسية مقبولة .

إن الدوال الشعرية ، الواردة في الديوان على شكل صور سمعية ، تخضع للمدلولات ، المتمثلة في التصورات الذهنية ، مما يجعل القول المنظوم يتسق وينتظم نظرا لاتساق وتنظيم معانيه عند المتلقي العربي . تعتمد التراكيب والخصائص الفكرية هنا على عدة جوانب :

أ _ خضوع بناء الأصوات الشعرية العربية إلى الاتفاق والمعيارية المقتصدة .

ب _ وجود قصد بارز داخل التراكيب الشعرية .

ج _ ارتباط المعاني الشعرية بآثارها عند المتلقي العربي .

د _  اكتمال الدلالة الشعرية وتناسق عناصرها ، تبعا لاكتمال وتناسق أجزاء القول المترابطة ببعضها .

ه – إحالة كل عبارة CLAUSE شعرية إلى أصلها التركيبي .

و _ ارتباط الدوال الشعرية بالعناصر الأخرى الموجودة معها في نفس الموقع ، من خلال علاقات تبادل SUBSTITUTION متنوعة .

يصطفي سيف الرحبي مجموعة من المدلولات العربية الرائقة ، حيث يربط بينها بقوة ، من خلال عدة صور وأشكال فنية ، مما ينتج أفكارا متكاملة تشكل صلب (( الرسالة )) الشعرية ، التي يبثها إلى متلقيه . فكل مدلول شعري عنده يوازيه دال شعري خاص به . كما أن كل تركيب يقدمه لنا يملك دلالات خاصة به أيضا . يرتب هذا النسق الذهني في النهاية الأفكار والمعاني الشعرية عند الناظم والمتلقي العربي ؛ الواعي والمتمرس .

تتشكل (( الرسالة )) ، التي تنظم قصائد ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، عبر ثلاث مراحل ، ترتبط بها عناصر مهمة :

1_ النواة الأولى : ترتكز على نفسية الشاعر بكل انفعالاتها وغنائيتها وإدراكاتها وتنميطاتها القولية .

2 _ شفرة القريض : تهتم بسلطة النصوص ورموزها المتنوعة وخصائصها الجمالية والفكرية .

3 _ التواتر التركيبي والتحليلي : يعانق (( كون )) المتلقي العربي بكل سماته واستراتيجياته الخاصة .

يحرك سيف الرحبي النواة الأولى لقصائده على شكل معارف ذهنية وملكات حدسية . أما شفرة القريض ، فتمثل الوسيط المرتب ، حسب نسق تركيبي شعري خاص . في حين أن التواتر التركيبي والتحليلي يصبح عبارة عن استراتيجيات ، تعانق عملية التلقي بكل خصائصها ، التي تسعى إلى فهم وتأويل نصوص الديوان بطريقة سليمة وواعية .

يستخدم الشاعر معاني خاصة تلائمها تراكيب شعرية خاصة ، مما يجعلها تثير نفس المعاني والتراكيب عند المتلقي العربي . فالانطلاق من أحد الطرفين يوصل بالضرورة إلى الطرف الآخر ، ضمن عملية عكسية كل مرة (  2 ) . يرتب الشاعر دوال قريضه تبعا للمدلولات ، المرتبة في ذهنه . أما المتلقي العربي فإنه يرتب المدلولات ، تبعا لوصول الدوال ضمن عناصر الرسالة الشعرية . يبدأ هذا المتلقي ، أثناء تأويله لرسالة القريض عند سيف الرحبي ، بتتبع علاقات ووظائف النسق الشعري عند هذا المبدع ، فيفك المستويات الصوتية والصرفية والتركيبية والمعجمية والدلالية والتداولية ، ويكمل عمل الناظم . كما يبرز ذلك المخطط التالي :

الشاعر

سيف الرحبي _________  الرسالة المشتركة ________     المتلقي العربي

يرتب المدلولات الشعرية                    دوال شعرية                يرتب المدلولات

في ذهنه كأفكار وتصورات جلية            ذات إنجاز شخصي          حسب طبيعة النسق

يستخدم تراكيب شعرية                    ( نسق شعري خاص )       الشعري

بعلاقاتها ووظائفها المحكمة

يركب المبدع هنا وينظم بنى نسقه الشعري ، حيث يبثها على شكل رسالة قريض منجز بطريقة معينة . أما المتلقي العربي فيقوم بعد القراءة المتمرسة والحسنة النية ، بتحليل وتفكيك هذه الرسالة المبثوثة إليه ليعيد تركيبها وبناءها من جديد .

تتأسس دلالات الديوان المدروس ، في هذا المستوى ، عن طريق علاقات السياق الشعري ، المندس داخل تراكيب القول المنظم للعمل بأكمله ، وهوما يسطر بكل وضوح مقاصد هذا الإنتاج الأدبي من حيث البنى التركيبية والصوتية ، فيجعل المتلقي العربي يتفاعل معه بعمق ووعي .

ثالثا )  التراكيب ونفسية الشاعر:

إن المراحل الثلاث السالفة ، المتعلقة بتشكيل الرسالة الشعرية عند سيف الرحبي ، تتم عبر الاتصال بينه وبين متلقيه في الوطن العربي : فالنواة الأولى يخزنها المبدع في نفسه ، حيث تتجلى من خلال المدلولات ، التي يوظفها في النص ويروم إيصالها إلى متلقيه . لا تتبلور معالم هذه المرحلة الأولى إلا بمعانقة المرحلة الثانية من رسالة القريض عند هذا المبدع ؛ إذ يتعلق الأمر بالنسق الشعري المشكل للنص . تتحكم ذهنية الشاعر في خلق المعجم العربي الملائم لذهنية المتلقي العربي ، مما ينظم عناصر القول ، تبعا لمعانيها المطروحة في نفس المبدع . تبرز مرحلة التواتر التركيبي والتحليلي للقريض الدليل القاطع على وجود النواة الأولى المنظومة في ذهن الشاعر ، الذي يحثه على تنظيم القول المزمع بثه إلى المتلقي العربي  .

ينظم المبدع مقاصده الشعرية ، من خلال صور وصفات متنوعة ، يضخ بين جوانحها عدة تقديمات وتأخيرات ، ويقفي على أثرها بأشياء متغيرة التسلسل والإحصاء ليخلق صورا شخصية خاصة به . تنطلق هذه المقاصد INTENTIONS من دوافع نفسية تربط بالفعل المنجز حقيقة ، بناء على محتويات نصوص الديوان أو نسقه الشعري الموجه .

تتضح المدلولات الشعرية في ذهن الناظم ، أثناء المرحلة الأولى لتشكيل رسالة القريض ، تم يكتمل تنظيمها بواسطة عمليات عقلية يخلقها الفكر . تتوالى التنظيمات والترتيبات الطبقية  STRATIFICATIONS، حتى تتحقق المدلولات النهائية التامة لتلتحم بها الدوال التي تخصها ، داخل النسق الشعري برمته .

تتحقق المعاني الشعرية الرائقة في ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، بناء على طرق تركيب سيف الرحبي لأقواله أوملفوظاته النحوية المعيارية . إنه ينتقي التراكيب المناسبة للدلالات المقصودة ، حيث ينظم الدوال تبعا لنظام المدلولات ، القابعة في نفسه . لذلك فإن نوع التراكيب اللسانية الشعرية يمثل الصورة الأمثل لما يدور في نفس  الناظم . كما أن مقاصدها تتمثل  بالدرجة الأولى في خلق الدلالات الملائمة للقول الشعري .

تنجم الضرورات والانزياحات الشعرية أو(( نحو )) القريض ، من خلال نوع العلاقات والارتباطات بين عناصر القول الشعري ، القابعة في نفس المبدع . يؤدي هذا الأمر إلى جعل أساس العمل الإبداعي هنا يقوم على نوع التراكيب العربية الشاملة ، المستخدمة في بناء الدلالات ، القابعة في نفس الشاعر.

تقوم مرحلة التواتر التركيبي والتحليلي ، أثناء بث رسالة القريض إلى المتلقي العربي ، بمعانقة استراتيجيات الفهم والتاويل . قد ينجح هذا المتلقي في معرفة النواة الأولى لتشكيل الرسالة الشعرية وقد يفشل في ذلك .

الصور الشعرية في الديوان :

تتعدد الاتجاهات الفنية والنقدية التي تعالج الصور الشعرية في عالمنا العربي ، تبعا لتعدد زاويا الرؤى ومنهجيات البحث والتحليل . نجد ثلاث اتجاهات مهمة في هذا الصدد :

1 _ الربط بين الصور الشعرية والمجاز ، والمعادلة بينها وبين الاستعارة والتمثيل . تظهر الملفوظات أو العبارات والجمل الشعرية هنا مدججة بالوصف الأصيل الرقراق . إنها تحمل إلى خيال المتلقي مجازات عميقة وثرية .

2  _ التفريق بين الصور البسيطة والصور المركبة .

استخدم هذان الاتجاهان البلاغيان جل مباحث علم البيان : التشبيه ، الاستعارة ، الكناية ، المجاز …

3 _ الاهتمام بالصور الشعرية ، البانية للرموز والأساطير المتنوعة : يقوم هذا النوع من الدراسة بمعانقة التراكيب اللسانية في شتى تمظهراتها وصيغها ، مما يمنح العمل تفرده وخصوصيته . .. تبنى الصور ، فتصبح متخيلة عبر مراحل الرمز في القصائد المدروسة.. . يؤول الناقد هذا الرمز ، مما يجعل مجال القريض بصوره المتنوعة تعبيرا عن الواقع …

تتشكل عناصر الصور الشعرية البانية لديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، عن طريق الاتساق الجمالي بين الدوال والتماسك الفكري بين المدلولات ، مما يؤسس (( كونا)) شعريا متلاحم الأجزاء  . إنها تتجلى من خلال عدة جمل ووجوه بلاغية ، تقوم على كلمات معينة ، تعد هي الأساس في هذا التشكيل ، حيث تبلور العلاقات المتبادلة ، الموئسسة للصور الشعرية في العمل بأكمله .

تتحدد معالجة الصور البلاغية عند سيف الرحبي عن طريق تضافر الجوانب الجمالية مع الجوانب الفكرية . لذلك فإن قيمة كل دال شعري تبرز مشعة ، من خلال سياقه الخاص وكذلك الأمر بالنسبة لقيمة كل تركيب لساني عربي ، الذي يظهر جليا عن طريق موقعه وطريقة إيصاله للقصد المراد :

يقول في قصيدة ( المدينة المنكوبة ) ، ص 15 :

جاءوا من بعيد

يحيونك بالنرجس والأقحوان

أنت الغريبة المرتجفة بسعادة غامضة كنخلة

يحركها نسيم في صحراء .

ونقرأ في قصيدة ( الجندي الذي رأى الطائر الذي نومه ) ، ص70  :

كان القتلة يصطادون الفراشات

في الحديقة المجاورة

الضياء الناعس يغمر الممرات والوجوه

الضياء القادم من سماء مترفة

نلاحظ أن الشاعر يستعمل في السطر الثالث من النموذج الأول جملة خبرية تحمل بعض عناصر التشبيه :

أنت الغريبة المرتجفة بسعادة غامضة كنخلة .  فهذه الجملة الاسمية تنطلق بالضمير المنفصل ، الخاص بالحبيبة المخاطبة ( أنت ) وهو مبتدأ . نجد التركيب الثاني في الجملة ، وهو ( الغريبة ) وكذلك الصفة ( المرتجفة ) وشبه الجملة ( بسعادة غامضة ) . فالتشبيه هنا قد ذكرت فيه الأداة ( الكاف )  . يقوم طرفه الأول على الضمير ( أنت ) مشبها واسم ( النخلة ) مشبها به . أما الجملة الواقعة بين الطرفين ( المرتجفة بسعادة غامضة ) فهي الرابط ببين هذا السطر والسطر السالف عليه :

يحيونك بالنرجس والأقحوان

تتعدى جملة التشبيه هنا مجال مبحثها البلاغي لتغدو كناية ، يعبر الشاعر من خلالها عن غموض وخوف المخاطبة وتحية الآخرين لها . إنها كناية تتراتب فيها الأوصاف اللغوية :

مبتدأ + صفة + مضاف + شبه جملة + تشبيه

أنت +  الغامضة + المرتجفة + بسعادة غامضة + تشبيه

تتوزع الصورة البلاغية في هذا السطر الشعري على :

مشبه + مشبه به

أنت + نخلة

يقدم النموذج الثاني نسيجا بلاغيا مختلفا :

الضياء الناعس يغمر الممرات والوجوه

يعرض علينا الشاعر سيف الرحبي هنا معلومة ، من خلال جملة اسمية ، تمنح المدلول الشعري قيمة مؤكدة ، يستهلها بمبتدأ ( الضياء ) الذي يرتبط بصفة ( الناعس ) ليكونا سوية تشبيها مؤكدا ، يؤسسه الطرف الأول عن طريق علاقة التشبيه . في حين أن خبر الجملة الاسمية ( يغمر الممر والوجوه )  يصنع صورة رائقة ، تشيع تشبيها تمثيليا جلي المعالم . يقيم الشاعر هذا التشبيه على ( الضياء الناعس ) ، الذي تضبطه حالة ( الممرات والوجوه المغمورة ) .

تظهر القيمة العملية للصور الشعرية في الديوان المدروس عن طريق التجليات المتنوعة للعلاقات التركيبية ، التي تحكم نسق القريض بكل ضروراته وانزياحاته وقواعده .  لذلك فإن دقة وصف الجمل والأقوال والملفوظات تمثل هنا طرائق مهمة لإنجاز الصور المدهشة باعتبارها تعابير داخلية ترتبط بغيرها ، من خلال النسق الشعري الموظف في الديوان كله .

تضم الصور الشعرية المنتشرة في قصائد ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ثلاثة عناصر :

1 _ التشبيه .

2 _ الاستعارة

3 _ الكناية .

أولا ) التشبيه :

يحاول الشاعر ، ضمن إنجازاته الأدبية المجازية المسيطرة على الديوان ، تقديم علاقات المشابهة المتنوعة بين بعض الأمور ، سواء كانت حسية أو عقلية . لاتمثل المشابهة بين أمرين مشاركة تامة بينهما ، بل مجرد موازنة بين طرفين معينين .

يمنح التشبيه الصور الشعرية التي يبدعها الناظم أبعادا حسية أو ملموسة أو تقريبية أو نفسية أو تشخيصية . لذلك فإن أركانه تعد مهمة في بناء (( الكون)) الشعري ، مع العلم أنها تتفاوت من حيث الدرجة والتداخل وإبراز قيمة الصور والأفكار البانية للتشبيهات المتعلقة بها .

يستخدم المبدع تشبيهات متنوعة ، تؤسس جوهر صوره الشعرية . نجد قوله في قصيدة ( صقيع الخارج ) ، ص 26  :

كانت تلك نأمة القطا

على الضفاف

نبرة اللجين

وفي قصيدة ( لافريسة في الأفق ) ، ص  35 نقرأ :

العقبان تسطع في الظهيرة

كأنما تسبح في ظلام خاص .

يبرز التشبيه الأول عند سيف الرحبي في ( كانت تلك نأمة القطا على الضفاف نبرة اللجين ) ، والثاني في ( العقبان تسطع في الظهيرة كأنما تسبح في ظلام خاص ) . تقوم هنا علاقة بين ( نأمة القطا ) ، التي ترتبط دلالتها باستعمال الرواية وقناع السرد ، المرتكز على فعل  ( كانت ) والمشبه به ( نبرة اللجين ) ، مما يبلور الترتيب والتنظيم المحكم . فالتشبيه الأول انطلق بفعل ماض ناقص ( كان ) ، والثاني بني على جملة اسمية ، تستهل بكلمة ( العقبان ) ، الأمر الذي يجسد هيمنة الجمل الفعلية والاسمية على النسق الشعري ، الذي يستخدمه المبدع . يجسد هذا العمل طرق ترتيب الجمل في اللسان العربي : كانت نامة القطا نبرة اللجين ، والعقبان كأنها تسبح في ظلام خاص . يحدد الشاعر بهذه الطريقة الموظفة في استعمال التشبيهين السالفين جوانب الحقل الدلالي ، الذي يستقي منه جملة المشبه به : ( نبرة اللجين ) ، المرتبطة بالتشبيه الأول ( نامة القطا ) ، وجملة المشبه به ( ظلام خاص ) المتعلقة بالتشبيه الثاني ( العقبان ) . يعتمد الشاعر هنا على العلاقات التقليدية في الربط بين المشبه والمشبه به وحقلهما الدلالي الخاص . تتواتر الجمل الفعلية والاسمية الخاصة بهذا الأسلوب البلاغي ، وهي عمليات قد تؤطر أفق التشبيه في بعض قصائد الديوان وتحدد قدرات الشاعر في هذ المجال .

يقتفي الشاعر أثر العلاقات الشائعة في الإنجازات البلاغية العربية الرصينة . يقول في قصيدة ( يمامة ) ، ص 43 :

أيتها اليمامة

التي تلجأ إلى نافذتي

من قيظ الصحراء وعصور الذرة

ترفقي بصوتك

الذي لا أكاد ألمحه

إلا كشبح جريح .

ترفقي به

يقدم سيف الرحبي هنا درجة مختلفة من التشبيه الشعري في العربية ، حيث يستعمل حرف الجر ( الكاف ) في السطر الأخير ( إلا كشبح جريح ) ، مما يؤسس عماد قصيدة ( يمامة ) ، من حيث الفكرة والمضمون . تبرز هذه الإنجازات البلاغية بعضا من ملامح التطور والخبرة عند الشاعر بالمقارنة مع دواوينه السابقة ( رجل من الربع الخالي مثلا ) ( 3 ) . إنه يقدم المشبه به ( شبح جريح ) بصورة مستقلة لا تمتزج بغيرها من الصور الأخرى ، حيث ينشر إيحاءاتها الشيقة بواسطة الدلالات النفسية ، التي تثيرها كلمة ( صوتك ) . تتعمق رؤية الشاعر ويظهر قصده واضحا من خلال السطر الأخير :

ترفقي به

يعلق بذهن المتلقي العربي المعنى المتنوع للصوت من خلال رجعه وصداه في الصحراء والبيد المقفرة ونداءاته المنغمة والمطرزة واستغاثاته وتفجعاته ، المفتتة للأفئدة والمحطمة للنفوس . يعتمد المبدع في رسم هذه الصورة على الإيحاء المباشر لجملة التشبيه ، الذي تبرهن عليه كلمة ( صوتك ) .

يتكرر حرف الجر أو كاف التشبيه في عدة قصائد من الديوان لينشر الشمولية والإحاطة بالنسبة لعدة تشبيهات . نجد ذلك في قصيدة ( عرين سماء مقفرة ) ، ص 51 :

سحب طالعة من أعتى القمم

أرمقها من النافذة

طالعةببطء تجتر جثة أجيال كئيبة

تتجمد وتتلاشى

كأنما لم تكن أبدا

وسط عرين تلك السماء المقفرة

*****************

أحيانا تشرئب بأعناقها الثكلى
تحد جني بغضب

كأنما تطالب بدين السنوات التي

أرحت وجودي عن رؤيتها

دين الغياب

كأي عاشقة شرسة

*******************

السحب من وراء الجبال البركانية

تبدو كضباع تتقافز بكسل أمام الفرائس

التي يهيئها السحرة في مأتم

ليل باذخ .

ينطلق التشبيه في بداية هذه النماذج بجملة خبرية ، تصرح بمعلومات فيزيائية ومناخية عامة ، يبلورها استخدام كلمة ( سحب ) وصفتها المحددة ( طالعة ) ، المسطرة للحالة الجوية الصافية ، مما ينظم العلاقات والوظائف بكل وضوح ، استنادا إلى بعض الملحقات والعناصر التابعة دلاليا ، والمتمثلة في شبه الجملة والإضافة ، من خلال قوله ( من أعتى القمم ) . فالسياق الشعري هنا يناسب المشبه ( سحب ) والأداة ( الكاف ) والمشبه به ( عرين السماء المقفرة ) ، حيث تتعالق عناصر الجمل ببعضها . يتحكم الامتداد التركيبي والبلاغي العربي الفصيح في أسلوب الشاعر عن طريق الصفة والإضافة ، فيسود بعض من التجريد في القول . يشبه ( السحب الطالعة ) ، أثناء نظره إليها من النافذة ، بشخص قد أفلت من سجن حالك مقفر ، فتبرم به ونبذ ماكان قد لحقه من جراء هذا الحبس . يحقق هذا العمل بناء لسانيا شيقا يربط بين ( العرين ) و ( القفر ) ، ضمن ( سماء ) فسيحة . يعد هذا التعبير جميلا لأنه يخلق أثرا نفسيا عميقا عند المتلقي العربي ، من حيث الشمولية والدقة بالنسبة للصورة الشعرية وجانبها التمثيلي . يمنح عنوان القصيدة ( عرين سماء مقفرة ) الجمل دلالات مدهشة ؛ إذ أنه يجعل المتلقي يفهم بعمق ويسر صفة ( مقفرة ) ، المستعملة في العنوان .

يطور سيف الرحبي في بعض القصائد أساليبه الإبداعية ليقدم للمتلقي العربي أبعادا ثرية تتعلق بالتشبيهات المتنوعة ، التي تكتنف جل جوانب الصور الشعرية . قد يقصد أحيانا إثارة إيحاءات التشبيه لاصورته الفعلية ، مما يحقق أثرا عميقا ، يؤسس عدة دلالات نفسية متجددة ، تشمل سطورا وفقرات أو نصوصا بأكملها .

تقصي التشبيهات التي يقدمها الشاعر في عدة قصائد من ديوانه ، ظاهرة الغموض ، التي تخيم على الشعر العربي المعاصر لأنه يربط من خلالها السياقات السابقة باللاحقة . كما أن وضوح العبارات الشعرية التي تحوي مشبها به يحل مشكلة الدلالة المعطلة أو (( المخصية )) في بعض قصائد شعرائنا المعاصرين . يقول في قصيدة ( مقهى القصبة ) ، ص 56_ 55 :

كم من الأزمان مرت كجبال على

رؤسنا

منذ أن بدأنا هذه الرحلة

الغربان التي شاخت فوق أشجار السدر

وغارت دول وبحار وأساطيل

وحبنا باق

وحده الباقي

زهرة عاتية

حبنا العدمي الكبير

تبرز هنا دقة التركيب الشعري ، الذي يستهل باستخدام الأداة ( كم + شبه الجملة ) ، مما يحقق شمولية وانتشارا عريضا للمشاعر المتعلقة برحلة العمر ومشاقها وظهور الشيخوخة على سحنة المخلوقات الفانية . لذلك فإن أشياء وأعمالا كثيرة تسود ثم تبيد ، بين لجج هذه الحياة المتقلبة في كل حين من الدهر .  تبرز كلمة المشبه به الأولى  ( جبال ) ، علاقة وشيجة ورائقة بالمشبه ( الأزمان ) ، حيث يخلق توظيف الفعل الماضي ( مرت ) حالة إحاطة وتبصر كبيرين بالنسبة للصورة الشعرية المقدمة . يزيد هذا الإنجاز من قوة الإحساس بأثر السنين على المخلوقات . أما كلمة المشبه به الثانية ( زهرة عاتية ) ، فتنسج مجازا رقيقا ، ترتبط علاقته بنضارة الزهرة وقوة مقاومتها لصروف وعاديات الزمن الهاجم ، مختزنة كل عشق ووجد دفين ، يربط بين الحبيبين وينعشهما .

يقدم الناظم في قصيدة ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) تشبيهات جمة تبرز الطرائق والصيغ المتنوعة ، التي يعرض من خلالها المعاني والمقاصد الشعرية الهادفة الاستشرافية ووجهة نظره ووعيه ورؤيته للعالم وهموم جيله وعصره … تتبلور كل هذه الصور والمواقف والسلوكيات عند المبدع ، من خلال نسق خاص في مجال القريض . يقول في الصفحة 66_ 65 من هذه القصيدة :

تذكرت الجندي تائها بين الصحاري

في يده الطائر

على رأسه خوذة المعدن

يركض في الهاجرة

يطارده شبح الأعداء

تطارده الظلال والثكنات

لم تكن الحرب التي كسرته

وليس الأعداء الذين سكنوا تحت ضلعه طويلا

بجوار قلبه المرتجف

كان الطائر وهو يرفس في بركة الدم

كان الإعصار وهو يلتهم الأعماق

كان القبر المفتوح كنهر من عظام

الهالكين .

يقدم الشاعر هنا للمشبه ، الذي هو ( الجندي ) زمرة من المشبه به . فهذا الجندي يشبه من خلال رؤى حلولية- تناسخية  ( الطائر الرافس  + الإعصار الملتهم + نهرمن عظام الهالكين )  . يبرز التغيير واضحا في هذا المثال على مستوى المشبه به بالموازنة مع النماذج السالفة المحللة ، حيث تكثر الصفات والمعطوفات ، مما يعجل المشبهات بها تمتد بعمق لتشكل جوهر الصور الشعرية المعروضة ( الرفس في بركة الدم + التهام الأعماق + نهر عظام من عظام الهالكين ) . تعد هذه الصور الشعرية ، المبنية على أساليب التشبيه المتنوعة ، طريفة وجديدة بالنسبة لما سلف . تترابط هذه الصور بعمق ، مما يدفع المتلقي العربي إلى ضرورة استرجاع السطور الشعرية السابقة لإقامة علاقات وشيجة بينها.

ثانيا ) الاستعارة :

تجسد الاستعارة في الديوان المدروس نوعا متميزا من التشبيه الشعري . يوظفها الناظم بحذف أحد ركنيها : المستعار ، أو المستعار منه ، مما يبني مجازات متينة ، تقوم على دوال لسانية ، مستخدمة في غير مواضعها الحقيقية . تخلق الاستعارة ، من خلال هذا التوظيف الخاص عمقا ومبالغة عميمة في بناء معاني القريض ، حيث تصبح لها الريادة في تشكيل الصور المتنوعة ، التي تحويها قصائد الديوان . إنها تستنطق الجماد وتحرك الأجسام المستقرة بطرق فيها بيان وفصاحة . كما أنها تجعل المعاني الشعرية المقدرة والمستترة ظاهرة وبارزة المعالم .

تلعب الاستعارة دورا مهما في تشكيل الصور الشعرية ، التي تحويها قصائد ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، حيث تخلق عدة قواسم مشتركة جمالية وفكرية ، تربط بين المبدع ومتلقيه .

تتبلور الإنجازات الشعرية ، التي يستخدم فيها سيف الرحبي صورا شعرية ، تكتنفها استعارات بلاغية متنوعة ، حسب ثلاثة مستويات مختلفة :

1 _ مستوى خيالي .

2 _ مستوى حسي .

3 _ مستوى نفسي .

قد ترد الاستعارة ، ضمن بعض السطور الشعرية تصريحية أو مكنية أو إضافية . فالتصريحية واضحة الأركان ، أما المكنية فتقترب من التشبيه ويحذف أحد ركنيها . لاتقوم الاستعارة الإضافية على التشابه بين الطرفين ، بل تدمجهما لخلق الجديد المفيد . كما أنها تساعد الشاعر على بناء (( كون )) خاص به ، حيث يغير المعنى داخل كل طرف ليؤسس معان جديدة متميزة . نقرأ في قصيدة ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، ص 87 :

يا لفتنة الصباح

لأول مرة يطلع هذا الصباح

بسفنه الجانحة في الضباب

روح نسيم يطوق جسدي

والعذوبة تلفح أعماقي

بمطر قديم .

نجد الاستعارة التصريحية متجلية هنا بوضوح ، من خلال الكلمات ( سفنه + روح + العذوبة ) ، مما يبرز مراحل تطور التراكيب العربية الخاصة بهذه الاستعارة وأهميتها في بناء نصوص القريض عند شاعرنا . يرد المستعار منه في قوله ( بسفنه الجارحة ) شبه جملة بمعية الإضافة ، مما يحكم جملة الاستعارة . كما أن المستعار له يشكل استهلالا للقول الشعري بحرف النداء التعجبي ( يا لفتنة) . يعد هذا النداء التعجبي من أرقى أنواع التعجب لأنه يضم بين طياته همسات وجوانب صوتية منغمة ومقاصد بلاغية راقية . فالمتكلم يتعجب هنا من ظهور الصباح أول مرة وكأنه أسطول من السفن البحرية ، التي تمخر عباب السحب الكثيفة ، مما يغير أحوال الجو ونفسية الشاعر، التي تنعش وتنتشي بعمق …

تخلق الاستعارة التصريحية أحيانا بعض المشكلات الدلالية بالنسبة لقصائد الديوان ، لكنها تعتمد في الغالب على المعاني الشعرية المتداولة ( سفن جارحة + روح نسيم + العذوبة اللافحة ) الخاصة بالمشبه به . لذلك تتعدد الإيحاءات والتراكيب البسيطة بشكل رومانسي شفاف ، فتعبر عن شاعرية مطبوعة ( 4 ) . يقول في قصيدة ( عرين سماء مقفرة ) ، ص 53 :

الظهيرة بعضلاتها الدموية

تستفز القيامة بشكل مبكر

تبرز الغنائية الشعرية هنا رقيقة وعذبة ، حيث تجسد استعارة مكنية ، من خلال : عضلاتها الدموية + تستفز ، مما يمثل صورة جزئية محددة يبنيها الشاعر بتشبيهه الظهيرة بالشخص العاقل ، الذي يملك عضلات قوية ، ثم يضيف فعل ( تستفز ) ، الخاص بنفسية البشر فقط . يحذف هنا المشبه به ويبقى على أحدي لوازمه ( العضلات + تستفز ) . تتحقق صورة التشخيص في المعنى المسترسل وتوالي الجملة الشعرية في قوله ( بشكل مبكر ) .                تعتمد هذه الصورة على تركيب موسيقي صادح ، تؤسسه جملة شعرية اسمية ( الظهيرة بعضلاتها الدموية ) ، التي تحمل عدة معان ودلالات شيقة ، فهي :

أ   _  فترة للراحة وضعف للجسم من جراء الحر والعمل وانتشار للهدوء والسكون .

ب  _  مسيطرة وقاهرة للمحلوقات بجوها المتميز .

ج  _  مثيرة ومخلخلة للنفسيات والفكر ، بغية القضاء المبرم ؛ الماحق( = القيامة ) .

إن الاستعارة السابقة تعد إيحائية في قوله ( الظهيرة بعضلاتها الدموية + تسفزالقيامة ) ، حيث إنها تدل على السيطرة والقهر للمخلوقات عن طريق نشر جو متميز . يظهر أن هذه الدلالة الإيحائية الخاصة بالاستعارة هي المقصودة في الجملة .

تمثل الاستعارة محورا مهما بالنسبة لبعض الإنجازات الشعرية ، المهيمنة على ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) . يقول الشاعر في قصيدة ( صبيحة يوم عيد ) ، ص 44 :

أرواح الغائبين التي تخفق دائما

أجنحتها تجرف المسافة

ما بين البندر والقرية

أمضي صبيحة العيد

تحقني أرواح وغيابات

أحدق في الأطواد الهرمة

( لغزها الأصم مازال يبطش بي )

التي شهدت ميلادي قبل قرون

وتلك الحفرة التي خلفها غضب الثورات

تعج هذه السطور الشعرية بعدة استعارات مكنية ؛ إذ أنها تفرغ صفات تخص العاقل على غير العاقل ، وتطمس المشبه به في جل الإنجازات . نجد الاستعارة المكنية الأولى في جملة أرواح الغائبين التي تخفق دائما أجنحتها تجرف المسافة ) .  فالجملة الاسمية ( أرواح الغائبين ) هي المشبه ، والطائر المكنى عنه مشبه به ، محذوف من الجملة  . تقدم جملة الصلة ( تخفق بجناحها ) أحد لوازم المشبه به المحذوف في هذه الجملة ، وتبعث فيه عدة معان وإيحاءات رقيقة .

تمتد الاستعارات وتتنوع داخل هذه القصيدة ، حيث نجد في جملة ( تحفني أرواح وغيابات ) جانبا عقليا للفاعل ( أرواح ) ، الذي يستطيع ، رغم جانبه الغيبي ، تطويق الشاعر والإحاطة به بوسائل تخص البشر . كما نجد استعارة أخرى تتعلق بالجملة الاسمية وصفتها المشبه بها ( لغزها الأصم ) ، التي تتبلور بعمق ووضوح عن طريق لازم المشبه به ( يبطش بي )  ، وهي استعارة تصريحية واضحة لبروز الأركان كلها . نجد استعارة تصريحية أخرى في قوله ( وتلك الحفرة التي خلفت غضب الثورات ) ، إذ استعار للمشبه ( الحفرة ) ، صفة ( الغضب ) ، الخاصة ببعض المواقف الإنسانية وأفرغها على ( الثورات ) غير العاقلة .

يقول في قصيدة ( تحت سقف الصباحات ) ص ،  41:

صراخي ما زال مزهرا

تحت سقف الصباحات

لم تستطع مدينتكم أن تخنقه .

صراخي الذي بنيت العشب

على صقيعه

تبدأ الاستعارة هنا بكلمة ( صراخي ) المسندة إلى ياء المتكلم ، ثم تتواصل الجملة بفعل الاستمرار ( مازال ) ، الذي يقبع خلفه اسمه وخبره ( مزهرا ) . فالشاعر يستعير هنا للمشبه ( صراخي ) أحد لوازم المشبه المحذوف ( النبات ) ، وهي كلمة ( مزهرا ) . يتحقق الشمول والعمومية بإسناد المبدع كلمة ( صراخ ) إلى المتكلم ، المدفوع ب( أناه ) المتميزة ) وغنائيته الرقيقة . يتوالد صوته المتألم عند انبلاج كل صبح مسيطر ، متحديا ضوابط المدينة وقهرها ، فيحيا فيها مجلجلا يثير الخصب والنماء …إنه صوت جواد وقوي …

يستعمل الشاعر في النماذج السابقة عدة كلمات مشبهة ، يجعلها مضادة للمشبه به : الصراخ / الإزهار ، الصراخ / الخنق ، الصراخ / الصقيع . إنها مفارقة مهمة دلاليا ، حيث تبلور للمتلقي العربي علاقة ذات الشاعر بالصراخ وتبعاته . فمبدأ ( العطاء ) والسيطرة يجعل هذا الصراخ يمنح المبدع القوة والتحدي والإنتاج . لذلك فإن المشبه والمشبه به قد استخلصا من حقلين دلاليين مختلفين لا يلتقيان بداهة ، بل وجود أحدهما يعد دليلا على غياب الآخر أو نفيه .

يقول في قصيدة ( لمسة من يدك ) ، ص 40 :

هذا المساء

البحر مضطرب مثل أعماقك

القي جسدي فيه

يسبقني عويل السنوات

وحنيني إلى لمسة من يدك

المباركة

نجد في الفعل المضارع ( يسبقني ) ياء المتكلم ، التي تنوب عن الذات الشاعرة بكل انفعالاتها وكوامنها وتناقضاتها ، حيث تقع مفعولا به لحدث السباق في زمن الحال والاستقبال . يمثل هذا السباق سفرا تاريخيا من الآلام والوعثاء المريرة والذكريات المنعشة

تبرز الاستعارة هنا عن طريق إيحائها الجميل ، الذي ينسج خيوط القيمة المعنوية ، الموجودة بين الشاعر سيف الرحبي وسنوات العمر المنصرمة بكل ذكرياتها المتنوعة ، التي تصبح جزءا من تكوينه النفسي وأحد معالم بناء شخصيته ( 5 ) …إنه يحن إلى عشرة الحبيبة للتبرك منها في وحدته وتيهه وغربته في زمن أغبر متصعلك…

يعيش الشاعر على ذكريات السنوات الماضية والحنين إلى لمسة يد الحبيبة المباركة ، فهي سر وجوده واستمرا يته وانتعاشه وتطلعه …

والملاحظ في الاستعارة ، سواء كانت تصريحية أو مكنية هو إضفاء صفات بشرية معقلنة على الجماد والعجماوات الخرساء ، وبث الحياة في المعنويات المحسوسة ونقلها إلى عالم الماديات الملموسة ، وكأنها من لحم ودم وعظم . يصبح المتلقي العربي هنا وكأنه داخل خلية نحل محكمة التنظيم والقوانين . كل شيء يعمل بهمة ونشاط دؤوب ، تبعا لعلاقات ووظائف نسقية  SYSTEMATIC.  يقوم الشاعر ، في هذا المستوى ، ببناء كثير من المبالغات وأنواع من التماهي ، التي تجعل المتلقي العربي يلج مجال المجازات اللغوية من أوسع أبوابها …

تخلق الاستعارة عند سيف الرحبي ثروة تركيبية لسانية عربية وسعة كبيرة في أفق الصور الشعرية التي تعرضها . لذلك فإن المعاني المتنوعة ، التي تحملها هذه الصور الجميلة تتحرك داخل سياق القصيدة التي تحويها . تقدم هذه الاستعارات رؤية المبدع ووعيه بالعالم وأسلوبه الشعري الخاص وطرق تنميطه لأقواله … كما أنها تجسد أنماطا من التفسير والتعليل المنظوم والسلوك اللساني المتغير والحقول الدلالية المتنوعة والأضداد والتورية المتعاقبة والرؤى الفكرية المرجعية بالنسبة للصور الشعرية الموظفة …

تتضافر الدوال والمدلولات الشعرية مع عدة تشكيلات بلاغية عربية رائقة لتكون الاستعارات المتنوعة ، المسيطرة على قصائد ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) . فالشاعر يقدم تراكيب متواترة ، ثم ينوع في بعض القصائد مواقع عناصرها ، مما يجعل الصور تتلاحق دون ثقل أو ملل . كما أنها قد تتحول عن طريف الاستعارة إلى صور بصرية فاتنة ، تجعل المتلقي العربي يتأمل مواقف ورؤى الشاعر بحب وإكبار .

والحقيقة أن الاستعارات التي تتحكم في بعض قصائد الديوان المدروس تملك عدة مقاييس وضوابط :

أ _ الرمز لأشياء حقيقية كالواقع والحياة والمرأة بواسطة أنواع من الاستعارة والمجاز لنشر المبالغة والإيهام والإيحاء والإلهام المتعدد …

ب _ نشر القلق والدهشة والتساؤلات الكبيرة والاستفزاز الفكري وتغيير بعض الأبعاد بالنسبة للمتلقي العربي …

ج _  بناء أنماط جديدة من التشخيص والتمثيلات المتنوعة .

د _ رصد جوانب مهمة من (( أنا))  الشاعر والحبيبة المخاطبة والغائب المجرد .

ه _  تجسيد مشاهد رومانسية وحالات تاريخية معينة .

و _  استخدام أقسام الكلم العربي ضمن مواقع مختلفة ، تحكمها ضرورات شعرية ، تمنح التراكيب الاستعارية حلة قشيبة .

ي _ استعمال أسلوب الحكي الشعري العربي المعاصر لبناء كل لحظة من لحظات  مشهد القريض الفاتن ، مما يسطر معالم شخصية سيف الرحبي ؛ المتكلم والشاعر والإنسان…

ثالثا ) الكناية  :

تنتج الكناية ، الموجودة في بعض قصائد ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، عن طريق علاقات الاستبدال ، التي تكون أبلغ من التصريح لأنها توطد المعاني الشعرية . إنها تخلق معنيين ؛ الأول مباشر صريح ، والثاني مستتر خفي ، مما يجعل المعجم الشعري يستخدم أنماطا من التشكيل والصور المتنوعة .

تسمح الكناية للشاعر سيف الرحبي باستعمال الأقنعة وأنواع من التنكر والتنميط اللساني ؛ حيث يغير بعض الملامح الشخصية ليتناص  INTERTEXTUALITYبطرق متعددة مع التراث بجل أجناسه ؛ إذ يطرح من خلاله مواقفه ورؤاه . تجعل هذه الكناية المبدع يبتعد عن الهفوات والأخطاء واللوم الذي قد تجره عليه أحيانا صراحته وتعابيره المباشرة . لذلك فهي تبني جسورا من الجدل والمناظرات بين الناظم ومتلقيه ، الذين يساهمون في بناء الصورة الشعرية ، التي يعرضها عليهم عن طريق الكناية . إنها تستفز معارفهم اللسانية والبيئية والحياتية والمعجمية ، فيوصلهم إلى اكتشاف معنى المعنى وأسس الاستبدال ، اللذين تقوم عليهما صورة التعبير الكنائي .

يساعد استخدام شاعرنا لأسلوب الكناية على بلورة صوره الشعرية بعمق وجعلها اكثر إثارة للأحاسيس المتنوعة وملاءمة لمواقف المتلقي العربي في هذا المجال .

تنقسم الكناية إلى ثلاثة أنواع :

1 _  كناية عن موصوف . يقدم الشاعر هذا النوع ، ضمن عدة أقوال . نجد ذلك في قصيدة ( شعاع قرن قادم ) ، ص 16 :

كانت دنف العاشق المذعور أمام سطوة الوجود . يستخدم كلمة ( المذعور ) كناية عن الجبن والتردد والإدبار وانعدام المواجهة للمواقف المتنوعة . كما أن عنوان القصيدة ( شعاع قرن قادم ) ، تظهر فيه كلمة ( قادم ) كناية عن المجيء الحثيث والعجلة المهيمنة .

2 _  كناية عن صفة . يتجلى في قوله المبثوث بين طيات قصيدة ( المدينة المكسورة ) ، ص 15 :

الخجل يتوارى من غير حجاب

والصمت المزهر في أحداقك

كما تزهر أشجار

في غابة .

يقدم الشاعر هذا القول ( الصمت المزهر ) كناية عن رزانة وتأني الحبيبة في السلوك والطباع . كما يبرز عنوان القصيدة ( المدينة المكسورة ) كناية عن غياب الحول والقوة والحيلة وضعف السلطة…

3 _  كناية عن نسبة . يظهر ذلك من خلال قوله قي قصيدة ( ضربة شمس )، ص8 :

أي هذيان شمسي يدفعني لتقليب

رفات الموتى

فالشاعر هنا نسب الهذيان للشمس ، بدل أن يقول ( هذيان الشمس ) ، وهو كناية عن عدم التحكم في القول والعمل وغياب العقل .

تحدد الكناية عند سيف الرحبي بعض التعابير والأقوال والأحلام والآمال والأوهام الخاصة بالمجتمع العماني والعربي المسلم . إنها إفراز لهذا المجتمع ؛ حيث تعبر عن حالاته المتنوعة بواسطة جمل عربية منظومة ، توظف الرسم والعرض للصور الملموسة .

يستعمل سيف الرحبي أسلوب الكناية لبلورة عدة مقاصد ومستويات . يجعل المعجم الشعري الموظف هذه الكناية تتخذ ثلاثة أبعاد :

أ _ البعد الاجتماعي . ترسم الكنايات المستخدمة هنا ثقافة عمانية وعربية مسلمة بكل معتقداتها وقيمها ومعارفها وطاقاتها المتنوعة . إنها تقوم دليلا على مستوى التطور والتفكير ونوعية العقل المدبر … يقول في قصيدة ( أحذية الجند ) ، ص 37 :

مشت عليها النسوة الوثنيات

والرجال البدائيون .

تجسد صفة ( الوثنيات ) كناية عن معتقد بائد وطقوس وممارسات جوفاء . أما صفة ( البدائيون ) ، فهي قد وظفت كناية عن نمط من العيش والسلوك واستغلال فضاء جغرافي بنواميسه وقواميسه الخاصة .

ب _ البعد النفسي . تبرز الكناية هنا متأججة ، حيث تجسد عدة أحاسيس وانفعالات نفسية متناقضة ومدركات واستجابات ومهارات وفروق فردية وتربية خاصة … يقول الشاعر في قصيدة ( المحطات موقد الغياب ) ، ص 19 :

الجمال الشاحب في موقد الغياب

إن توظيف صفة ( الشاحب ) هو كناية عن المرض وعدم اعتدال وسواء النفسية والجسم

ج _ البعد الديني . يدبج الشاعر كناياته هنا ، انطلاقا من عناوين بعض القصائد ، التي تمثل عتبة لهذا الأسلوب البلاغي الرمزي ( المياه التي باركها الأنبياء ، سدرة المنتهى ، عبدة الحصان …) . تحتاج هذه القصائد دراسة سيميائية SEMIOTIC تعالج البعد الصوفي وأنواع التناص  INTERTEXTUALITYوالسمات التي تخصه . يقول في قصيدة ( سدرة المنتهى ) ، ص 24 :

يتبعني الفلو المرتجف

وسط رماله الهائجة

ترد كلمة ( المرتجف ) كناية عن الاضطراب وانعدام الاستقرار داخل حيز معين .

والملاحظ أن الكنايات الثلاث ( كناية عن صفة ، عن موصوف ، عن نسبة ) ، المستعملة في ديوان ( الجندي الذي رأى الطائر في نومه ) ، تعبرعن عدة دوافع ووظائف، تحمل رموزا بليغة ورصينة ،  يروم الشاعر إيصالها للمتلقي العربي :

1 _  تقلب المعايير وتزحزح القيم السوية .

2 _  غياب التأمل والنباهة والفراسة .

3 _  قساوة الحياة والطبيعة .

4 _ انتشار السحر والشعوذة والرياء والمداهنة .

5 _ تعب الحياة ووعثاء مسيرها وصيرورتها .

6 _ تنوع الرحلات والصداقات والخلفيات .

7  _ شيوع الدمار والخراب والانشطار والصعلكة بين العباد والبلاد .

8 _ اعتماد الكتمان والوحدة وقلة الثقة وغياب الايثاربين أفراد المجتمع .

9 _  تعدد وسائل الإعلام وكثرة دجلها وميوعتها .

10 _ انتشار أسلحة الدمار وتعدد اتجاهات فلسفة الموت .

11  _ روعة الطبيعة مجلس الخالق ، البارئ ، المصور …

12 _ كثرة الترحال والقلق في هذا العصر .

13 _ بحث كثير من الناس عن الملجأ الهانئ .

14 _ وجود خواء فكري عند بعض بني البشر .

15 _ حرارة الفعل والعمل والحياة عند بعض النفوس ، تبعا للفصول .

16  _ الافتراس أو الشراسة ليست أزلية ولامعمرة .

17 _ الوطن مرتع للذكريات والمجد والإبداع .

18 _ المرأة رمز للعشق والخلق والخصب والنماء .

19 _ الحب مبارك ومقدس ، والحبيبة قدر الشاعر الخاص .

20 _ كل صباح هو سفر جديد للحياة والتغير والنمو .

21 _ في التأني السلامة وفي العجلة الندامة بالنسبة لكل الأعمال والعلاقات العامة والخاصة .

22 _ الأعياد والمناسبات هي فرصة للذكرى والموعظة .

23 _ صفاء المعتقد وتذكر تاريخ السالفين يقودان إلى نهاية معقلنة ومرضية .

24 _ الجهل بالتاريخ وإضاعة مسيرة السلف يلغيان التراث والتواصل بين الأجيال.

25 _ التأمل الفلسفي في مظاهر الكون يقوي الإيمان وينشر عظمة الخالق .

26 _ الحياة كر وفر وتقلبات ودول .

27  _ الحدائق والمقابر مرتع للذكريات والعبر .

28   _ المدن فضاءات للاستقرار والأوبئة والمتناقضات .

29 _ الإنسان يخرب الطبيعة بعلومه ، فيثير غضبها وينشر الدمار .

30 _ استلهام التراث والتناص معه بشتى الطرق المختلفة .

31 _ الماء رمز الحياة والعمران البشري .

والحقيقة أنه يصعب رصد كل النماذج الشعرية التي تجسد ، في ديوان ( الجندي   الذي رأى الطائر في نومه ) الأنواع أو الأبعاد الثلاثة المذكورة ، الخاصة بالكناية . إنها    تلعب دورا مهما في بناء الصور الشعرية والمواقف الفكرية عند المبدع ، مثل التشبيه والاستعارة . قد تتجه الكناية في بعض قصائد الديوان نحو الإشارات والإيماءات الرمزية والتعريض ، حيث تقرب بشكل مضمر بين المشاهد . كما أنها تنوع ، في عدة قصائد أخرى ،  رسم الأبعاد الحقيقية لرؤى الشاعر العينية …
الهوامش :

( 1  ) من السيرة الذاتية ، الموجودة بالصفحة بظهر الثانية من غلاف الديوان .

(  2  ) محمد سعد شحاته ، العلاقات النحوية وتشكيل الصورة الشعرية عند محمد عفيفي مطر ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، مدينة 6 أكتوبر ، 2003 ، ص 95 .

(  3   )  درسنا منذ سنوات : معمارية النص الشعري عند الشاعر سيف الرحبي ، من خلال ديوان ( رجل من الربع الخالي ) ، الذي نشر بمجلة الرافد بالإمارات العربية المتحدة ، العدد ، 86  .

(  4   )  محمد سعد شحا ته ، مرجع سابق ، ص 173.

(   5   )  المرجع نفسه ، ص 183 .

* يشكر الكاتب زميله القاص والناقد الليبي د. زياد علي ، الذي أعاره الديوان المدروس .