جديد الكاتب

الضباع تلهث وراء طرائدها

قلتُ أسلّي نفسي بالمشي، رغم سحُب الدخان والتلوّث التي تلف المدينة، وتطبق عليها من الجهات الأربع.
أتسلّى بالمشي، ربما يبددّ كآبة توغل أكثر في الأيام الأولى لدخول البلاد.
لم يعد فرح اللقاء كما كان، لم يعد ثمة فرح على الإطلاق. تبّدد في الغبار المتراكم الراكض من غير هوادة..
الضباع تلهث وراء طرائدها في الخلاء.. الزمان لا يلهث، طرائده هي اللاهثة المنتحبة على الدوام. إنه على عرشه الوارف مسترخٍ يرقب خراب العالم والحيوات، ساديّا، موضوعيّاً، وعلى نحو رفيع من صرامة أزليّة.

? ? ?

قلت أسلّي نفسي بالمشي، مشيتُ عبر الشارع الممتدّ حتى الميدان الصاخب، انظر يميناً وشمالاً، مستنفراً قُدُرات الحواس جميعها. أتفادى المركبات بأنواعها والعابرين على غير هدى. أحاول ملاحظة التغيّرات التي تصدع المكان وتنسف معالمه..
لا شيء يذكر.. المشهد على حاله الكرنفالية كأنما يحتفل بموته، كأنما يشيّع هذا الموت بحطام أصوات وضحكات جاد بها الزمان أخيراً في غمرة هذا الاحتفال الجنائزي المتقشف والخالي من المهابة التي تمنحها اللحظات الكبرى..

? ? ?

في كل مدينة عشتُ فيها، أو لم أعشْ، تكون الأيام الأولى منذورة لمثل هذه الأحاسيس القاتمة، لمثل هذا التشظي الكئيب..
أرى قطعانَ الضباع، أشتمّ رائحتها العَفِنة التي تطبق على المدينة..
أراها تطارد ضحاياها من غير لهاث مسترخيةً هادئةً، وقد اختطفت مزاجَ الزمن، أو إنها إحدى كتائبه الطليعيّة في التدمير..
بهذا المعنى حتى الزمن انحطّ، نزل من علياء سؤدده، بوسائله الراقية المهيبة، المرئي منها والخفيّ، نزل إلى التحالف، أو التجنيد لهذه المخلوقات الشائهة الممسوخة القذرة..
تُرى هل هناك فرق أساسي بين وسائل راقية رفيعة، وأخرى وضيعة صغيرة، إذا كانت المحصّلة، المحق والتدمير، تدمير روح المكان والبشر والقيم وتحويلهم إلى مشتقّات ضباع وامتداد غرائز رخيصة، وخرائب؟
ربما هناك فروق كبيرة تشبه تلك التي تفصل بين موت تراجيدي كبير وآخر تخلَّت عنه العناية كما في الأساطير، فصار موتاً غُفلاً لا يكاد يلحظه العابرون على أديم هذه الأرض..
لكن المدُن التي أشير، يجدر بها موت آخر، موت آخر وحياة أخرى.

? ? ?

كنتُ بالفعل أنوي الحديث عن تسلية المشي في أزمنة الكآبة، الذي ربما يساعد كنوع من علاج، مثل السباحة في البحار الشاسعة الزرقاء.. وأن أصل عبر هذا المشوار الى بيت صديق أو مطعم أتناول فيه وجبة العشاء، مستمعاً إلى الموسيقى، ذلك الفن الأكثر غنائية حسب (هيجل) والأقرب إلى الكمال وفق (نيتشه) وأن أذكر في طريقي بعض علامات وأسماء لأماكن حميمةٍ قضينا فيها أوقاتاً سعيدة.
لا أعرف ما الذي جرف القلم المرتبك أساساً إلى هذه الحالة المشهديّة القاتمة.. هواجسَ آخر العام المحتدمة بالنهايات؟
لكن ما الذي يجعل آخره يختلف عن أوله، عن وسطه، في جَلَبَة هذه المواكب وزحمة هذا الغبار؟