جديد الكاتب

الصيف ونوم القطط

أصبح من علامات قدوم الصيف الجدي عندي، نوم قطط العمارة على أبواب الشقق طلبا للنسمة التي تتسلل من الداخل المكيف، لتخفف عنها غلواء الحرارة والجفاف والرطوبة.
هكذا ليلا ونهاراً حين أفتح باب الشقة، أرى القطة الرمادية اللون مسترخية بكل تضاريس جسدها كما يسترخي الكائن البشري على سريره الوثير بعد نهار متعب.
أحيانا تفتح عيناً لترمقني بنظرة عابرة حنونة وتغلقها لتواصل مسيرة الهناءة البسيطة والحلم..
نادراً ما أرى قطة الباب هذه تأكل أو تستأنس بقرين. كل رؤيتي لها على هذه الهيئة وحين سألت عمن يطعم القطط التي هي ليست قليلة في العمارة، جاءني الجواب، أن هناك سكاناً أوروبيين يتولون مسؤولية العناية والطعام، فهم وبسبب تربية تشدد على العطف على الحيوان خاصة لا يهملون حيواناً على مقربة منهم من كلاب وقطط وغيرها. ومن هنا انتشرت على مستوى الأقطار الأوروبية والأمريكية ومقلديها، جمعيات الرفق بالحيوان ، أكثر من الجمعيات والهيئات والمنابر التي تعنى برفق الإنسان ، وواقع الأمر أن هذا الأخير وبحكم تطور الحضارة الأوروبية وما اشتق عن هذا التطور النوعي في تاريخ البشر، من مؤسسات حقوقية ومدنية هي اللب والصميم الأكثر إضاءة وعمقا لهذه الحضارة منذ انتفاضها في كافة صعد الحياة والمجتمع والمفاهيم، على العصور المظلمة، التي ما زالت ترسف فيها البلاد العربية والمتاخمة.
لكن الأعراف والتصورات المترفة لكائن هذه الحضارة، أيضا قاده إلى المبالغة في التبجيل والعطف على هذا النوع الحيواني، على حساب الإنسان، الإنسان بمفهومه الشامل وليس المركزي الأوروبي فحسب. ففي هذا الخضم الهائج للحروب والعدوان الذي تشنه دول من قلب تلك الحضارة وطليعتها، أو بإيعاز منها بحكم أنها تمتلك مفاتيح القوة والمعرفة على مستوى العالم، لم نشهد جمعيات ومنابر بهذه الكثافة والتعدد، بحيث يمكننا أن نرى في كل عمارة حتى في العالم الثالث، جمعية رفق بالحيوان..
وحتى ولو استطاع الوعي الأوروبي وعمل على نحو ما يوازي نزعته الأكثر إنسانية ورفقاً مع الحيوانات عمل بنفس الوتيرة مع قرينه الإنسان الممزق المخطوف من قبل الفقر والحروب، هل يستطيع أن يحد من اندفاعها الشيطاني الذي نشهده؟. هل يستطيع حتى أن يعرقل تلك الخفة والاستهتار في شن حرب على شعوب ودول هي من الأساس مدمرة وبحاجة إلى دعم وعون كي تأخذ طريقها إلى ما يسمى بالمستقبل؟.
وبمناسبة الحديث عن الحيوانات، أتذكر حين كنت مقيماً إقامتي العابرة في (لاهاي) قريبا من محكمة العدل الدولية بقضاتها وملفاتها المتفجرة بشرياً وليس حيوانياً على ما هو معلن. والتي ربما لم تنجز أي قضية عدالة كبرى، مستقلة في التاريخ ـ أتذكر صباحاً ومساء ، كيف يمر الهولنديون العجائز خاصة، ومع كل واحد وواحدة، ليس كلب أو كلبان إنما قطيع من كلاب متنوعة الأحجام والأشكال، من الكلب الفأر والقنفذ، إلى الكلب العجل أو الجاموس، من أمام محكمة العدل، يدخلون إلى تلك الغابات الشاسعة الممتدة حتى البحر.
كيف يستطيعون إطعام كل هذه القطعان مما لذ وطاب من طعام خاص يتصدر الواجهات الفخمة في المحلات؟. وأحيانا كثيرة أترك مثل هذه الخواطر لأفكر في نفسي، وأنا وحيد في غابة مع هؤلاء العجائز، بحيواناتهم، التي لو هاجت سأكون أقل من لقمة سائغة بين أشداق هذه الوحوش. لذلك أختار المشي بجانب الكلاب الصغيرة وأتجنب الجواميس وتلك التي تشبه الخنازير البرية المسمنة جيدا.
هل هذا السلوك تجسيد لضجر الإنسان المتراكم، من قرينه الإنسان وعودة لا واعية إلى العصور الأولى للخلق، حين كان يسود الحيوان بوئام أكثر وحروب أقل بالتأكيد، من عصور الحضارة؟.
أنا الذي لا أمت بأية صلة عضوية، إلى تلك الحضارة، أحس في غلواء هذه الظهيرة من الطقس، وخيانات البشر وتفاهتهم، بوشيجة أكثر حناناًُ وعاطفة تجاه القطة التي أشاهدها صباح مساء أمام الباب، تستجدي نسمة باردة تتسللّ إليها من الداخل.
ولولا طرف ذكرى من عشرة نبيلة تكرست برحيلها المستمر، لطردت زوجتي التي لا تحب القطط وأحللتها ساكنة داخل الشقة، لكن على ما يبدو أن الخيارين أحلاهما مر.