جديد الكاتب

الصورة في شعر سيف الرحبي1

حميد بن عامر الحجري

– تمهيد:

(1)

للقصيدة العربية الحديثة، وقصيدة النثر على وجه الخصوص، لغة شديدة الخصوصية. وخصوصية لغتها الشعرية تتحمل جانبا كبيرا من مسؤولية جَعْلِها –في عدد كبير جدا من نماذجها- تجربةً مغلقةً على ذاتها، غيرَ متاحةٍ لقطاعٍ كبيرٍ من متلقي الشعر والمهتمين به، متأبِّيةً على الفهم، ونابيةً عن الذوق.

تستمد هذه اللغة الشعرية خصوصيتها من ظواهر أسلوبية عديدة تمعن في تمزيق النص بخروق وفراغات دلالية، ويمثِّلُ لأمُ هذه الخروق، وملء تلك الفراغات، التحدِّيَ الأكبرَ الذي يواجهه المتلقي. ولعل من أبرز الظواهر الأسلوبية المؤسسة لخصوصية اللغة الشعرية الحديثة: روابطَ نحوية غير مكتملة، وإحالات إلى موضوعات غير محددة عبر الضمائر والأسماء الموصولة وأسماء الإشارة، ومجازات غير بينةِ الدلالات، وتشبيهات متباعدة الأطراف إلى درجة ضياع أوجه الشبه الرابطة بينها، فضلا عن عملياتٍ إسناديةٍ لا تحترم واقعية الأشياء، وتُخَلخِلُ العلاقاتِ المنطقيةَ التي تربط بينها.

إن الظواهرَ الأسلوبيةَ التي أشرنا إليها كفيلةٌ بجعل النصِّ الشعريِّ تجربةً فنية مغلقة على ذاتها، مظلمةً شديدة الانبهام، تستدعي مقاربتُها ولوجًا إلى عالمها الداخلي، بحثا عن مفاتيح تُمَكِّنُ مُتَلقِّيها من فك شفراتها، وحل رموزها، وتبيُّن مستوياتها الدلالية التي تمثِّل رسالتها الفكرية والفنية.

والصورة الشعرية من أبرز المفاتيح القادرة على فكِّ مغاليق النص الحديث. ذلك أن الوظيفة البنائية الجديدة التي حظيت بها في إطاره تجعلها المستوى الأهمَّ والأكثرَ فاعليةً بين مستوياته البنائية الأخرى. تتكفَّل الصورة الشعرية بحمل رسالة التجربة في ضوء الدور البنائي الجديد الذي أنيط بها، وتتمتع لذلك بأهمية كبيرة في هيكلة التجربة ورسم إطارها العام. وبسببٍ من ذلك نَعُدُّ مقاربتَها مفتاحًا أساسيًّا في فَكِّ شفرات النص الشعري الحديث، وإضاءة سراديبه المعتمة. وفي الدراسة التي بين أيدينا نتوسل بالصورة الشعرية إلى إضاءة تجربة الشاعر العماني سيف الرحبي.

(2)

تنبني منهجيتنا في دراسة صور سيف الرحبي الشعرية على استخراج كل صورة على حدة، وتمييز طرفيها المكونين لها. وعلى الرغم مما يحفُّ بهذه المنهجية من خطورة منشؤها غموض النص الحديث، والتباس سياقاته، فإن معايشة الشاعر عبر أعماله جميعها، واستحضار عموم تجربته الحياتية والفكرية، كفيلة بجلاء الكثير من ذلك الغموض، مما يفسح مجالا في شرعية الوجود والممارسة لمنهجيتنا هذه.

بعد تقسيم كل صورة إلى عنصريها أو طرفيها المكونين لها، ستركِّز الدراسة على الطرف الثاني، وهو ما يُعْرَف باسم ((مصدر الصورة))، أي المجال الموضوعي (الحياتي، الطبيعي) الذي استقى منه الشاعر صورته تلك. وذلك عبر تجميع الصور التي تعود إلى مصدر واحد، وضمِّ بعضها إلى بعض، ودراستها كحزمة واحدة تشير إلى خصائص فنية ونفسية بارزة عند الشاعر.

إن هذه المنهجية تنهض على الفرضية التالية:

تتكون كل صورة من طرفين. يكون أولهما حاضرا أمام الشاعر، مفروضا عليه بفعل التجربة الحياتية التي استدعت القول الشعري. أما الطرف الثاني فيكون مخزونا في ذاكرة الشاعر، ويتم استدعاؤه بطريقة لاشعورية –غالبا-، ليشكِّل مع الطرف الأول معمار الصورة الفنية. إن هذا الطرف الثاني (مصدر الصورة) بحكم انبثاقه اللاشعوري العفوي ألصق بالشاعر وتجربته الفنية والنفسية من الطرف الأول. لذلك فإن دراسته -في ضوء الكثير من الصور المتضامة والمتجاورة- يفضي بالدارس إلى خصائص نوعية تميِّز الأديب المدروس من حيث فنه أو شخصيته وتكوينه العصبي.

(3)

أبرز الخطوات الإجرائية العملية التي سنعتمدها في تطبيق المنهج المشار إليه أعلاه هي الآتية:

1- تحديد نطاق الدراسة: وقد اخترنا المجموعات الشعرية الست الأولى التي أصدرها سيف الرحبي وهي: نورسة الجنون، الجبل الأخضر، أجراس القطيعة2، رأس المسافر، مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، رجل من الربع الخالي.

إن هذه المجموعات الست هي التي طبقنا عليها الإجراءات العملية التي نعرض لها في هذا الجزء من الدراسة. إلا أننا لم نغفل بقية مجموعات سيف وأعماله النثرية الأخرى. فقد استفدنا من سائر أعمال سيف الشعرية والنثرية في توفير بعض المعطيات لإضاءة بعض الجوانب الغامضة، وفي تعميق قراءة بعض الصور، وفي التدليل على بعض استنتاجاتنا.

2- استخراج جميع الصور الشعرية ضمن نطاق البحث المحدود:

وإجراء هذه الخطوة على وجه دقيق يتطلب التعمق في دراسة تجربة سيف الشعرية تعمقا يوقف الباحث على جوها الفكري والنفسي العام، ويمكنه من التقاط أبرز مفاتيحها، وفك شفراتها  ورموزها. ذلك أن استخراج الصور لا يمكن أن يتم بمعزل عن فهم التجربة الشعرية. وفي إطار الشعر الحديث، حيث تتأبَّى التجربة على إسلام نفسها لمتلقيها إسلاما تاما، تكون هذه الخطوة (استخراج الصور الشعرية جميعها) خطوة شاقة وصعبة، إذ تبقى دائما نواحٍ في التجربة عصيَّةٌ على مقاربات الباحث وقراءاته. وبسبب الظاهرة الأخيرة اضطررنا إلى عدِّ بعض الجمل والتراكيب صورا شعرية على الرغم من استغلاق معانيها، معتمدين في ذلك على امتناعها على التفسير الحقيقي المباشر، فمتى امتنع التركيب على القراءة المباشرة عددناه صورة شعرية وإن لم ينكشف لنا معناه، وتعاملنا مع هذه الصورة بالنظر إلى مصدرها لأنه حتما طرف حاضر نصيا، وأرجأنا عملية تأويلها لاستجلاء طرفها الأول إلى أن تتوافر لنا معطيات أخرى تضيئها وتجلوها.

3- دراسة الصور المستخرجة بالتركيز على مصادرها:

وتتم هذه الخطوة عبر مجموعة من الإجراءات:

أ- تصنيف مصادر الصورة إلى مجالات:

سيرا على منهج كارولين سبيرجن3 في دراستها لصور شكسبير، والذي اعتمده، مع تحوير طفيف، كل من الرباعي4 والمحروقي5 والحسيني6 في دراساتهم للصورة، قُسِمت مصادر الصورة – في هذه الدراسة- إلى مجالات خمسة:

– الحياة الإنسانية.

– الحياة اليومية.

– الطبيعة.

– الحيوان.

– الثقافة.

التزمتْ الدراسةُ بهذا الإطار العام، وفارقت بقية الدارسين في التقسيمات الفرعية لكل مجال، إذ اعتمدت تقسيمات فرعية مغايرة أملتها عليها خصوصية تجربة سيف الشعرية.

ب- إحصاء الصور الواقعة في كل مجال وفي كل حقل فرعي، وتحديد أوزانها النسبية التي تمثلها في المجموع الكلي.

ج- توصيف الطريقة التي وظَّف بها سيف كل مجال من مجالات المصادر في بناء صوره، عن طريق الإشارة إلى الموضوعات التي قرنها بها، والنواحي التي ركز فيها عليها: أكان تركيزه منصبا على مظاهر تلك المصادر الخارجية، أم على وظائفها العضوية والتكوينية، أم على إيحاءاتها وتلويناتها النفسية، أم على تاريخها الفني في الأدب العربي والمأثور الشعبي؟

د- تحديد المجالات والحقول الفرعية والمصادر الفردية التي توفرت فيها خاصية من الخاصتين الآتيتين:

* النسبة العالية من التكرار.

* التوظيف التصويري غير المألوف أو غير المنطقي.

هـ- تأويل ومقاربة استخدامات المجالات و الحقول الفرعية و المصادر الفردية التي أفرزتها عملية التحديد في الإجراء ((د)):

وهذا الإجراء هو الأخطر شأنًا في منهجنا، فجميع ما سبق من إجراءات وخطوات إنما هو عمليات حصر وإحصاء تهدف إلى تسليط الضوء على ظواهر في الصورة الشعرية عند سيف ذات حضور أسلوبي ودلالي بارز. ومعظم أهداف دراستنا يتوقف تحقيقها على النجاح في مقاربة هذه الظواهر الأسلوبية المستخرجة وتأويلها تأويلاً يبرز خصوصية لغة سيف الشعرية، ويكشف في الوقت نفسه عن فلسفته في الحياة،ورؤيته للعالم، ويميط اللثام عن بعض دخائل نفسه ووجدانه.

و- لتعميق الإجراء ((هـ))، وتمحيص النتائج المنبثقة عنه، سنعمل على دراسة بعض المصادر التي اتسمت بالتكرار البارز والتوظيف الخاص، باعتبارها موضوعات للصور هذه المرة، أي باعتبارها أطرافا أولى. وهذا الإجراء يقتضي استخراج الصور التي وقعت فيها تلك المصادر أطرافا أولى، ودراستها في ضوء النتائج التي أفرزها الإجراء ((هـ))، للتحقق من كون تلك النتائج –ولاسيما ما يتصل منها برؤية سيف للأمور ونفسيته- دقيقة وواقعية، وأيضا لإضافة أضواء جديدة من شأنها أن تدفع الباحث إلى إعادة النظر في تأويلاته للتوفر على مقاربة أعمق وأصدق.

وفيما يلي من البحث سنعالج صور سيف الرحبي الشعرية وفقا للمجالات الخمسة التي أشرنا إليها أعلاه، واقفين على المواقف الفكرية التي يمكن أن تشف عنها، والخصائص السيكولوجية التي يمكن أن تشي بها، ومبرزين الملامح المميزة للتشكيل الشعري عند الشاعر.

ونلفت الانتباه إلى أننا سنتجاوز بعض التقسيمات الفرعية المندرجة في المجالات الخمسة المشار إليها، والتي تضمنت صورا هامة، مراعاة لحجم البحث وللمساحة المفردة له في المجلة.

1- الحياة الإنسانية:

شغلت الصور الشعرية المستخلصة من مجال الحياة الإنسانية المساحة العددية الأكبر بين الصور المستمدة من بقية المجالات الأخرى. إذ ضمَّت (1068 صورة) من أصل (2768 صورة) ، أي ما يعادل نسبة (38.6%).

إن هذا الطغيان لصور الحياة الإنسانية على صور المجالات الأخرى، متوقع سلفا في ضوء الدراسات السابقة للصورة الشعرية، فلدى جميع دارسي الصورة السابقين احتلت صور الحياة الإنسانية صدارة القائمة من حيث العدد7. وتفسير هذه الملاحظة يكمن في أن الإنسان –وليس الأديب فحسب- ينطلق في تعبيره عن الأشياء من الأقرب إلى الأبعد؛ بحيث يستخدم المألوف والمعروف، في التعبير عن الغريب والمجهول. من هنا نجد اضطرار الإنسان إلى استخدام الماديات في تعبيره عن المعنويات. وأكثر الماديات قربا من الإنسان واتصالا به هي جسده: أعضاؤه وجوارحه. ومن الطبيعي إذن أن تكون لها الغلبة في التعبيرات والاستعارات التي يلجأ إليها لجلاء أفكاره وكشف رؤيته. والأمر نفسه ينطبق على الأديب في استعانته بالمادي المتجسد في التعبير عن المعنوي المجرد. ولما كانت الصورة الشعرية –في جوهرها- استعارة لغوية تستثمر إحدى الظواهر والوقائع للتعبير عن ظواهر أخرى ووقائع أخرى، فمن الطبيعي أن تكون الغلبة العددية في الصور الشعرية لدى الشعراء والأدباء عموما هي لتلك المستمدة من جسد الإنسان أولا، وحياته ثانيا.

إن هذه النسبة العالية –وإن كانت متوقعة- مثَّلت أهمية دراسية تعادل أهميتها العددية، إذ أضاءت جوانب هامة من فلسفة سيف الحياتية والفنية. لقد عكست هذه الصور مواقف تتصل بقضايا وجودية وإنسانية كالهوية، والذات، والمعرفة، وثنائية الحياة والموت، وثنائية الذات والموضوع…إلخ.

( 1 )

لعلَّ العضو الإنساني الأكثر تمييزا لصاحبه من سواه من الأعضاء هو الوجه، وذلك بما يحمله من ملامح وقسمات. إنه عنوان الإنسان. وخصوصية وجه الإنسان هذه هي التي رشَّحته في رؤية سيف الفنية ليمثل هويَّة الإنسان وشخصيته:

)) في القطارات التي تحملني دائما

إلى البعيد

وعبر مرايا قفار أفقية، نزقة

لا أكاد أتعرَّف

على وجهي الذي

خمَّشته طيور الهجرة ((8 .

في هذا المقطع الذي يختزل بفنية كبيرة حياة سيف الرحبي، ينهض الوجه معادلا موضوعيا لفكرة ((الذات)) أو ((الشخصية))9. لم ير سيف في وجهه ذلك الوضوح والجلاء الذي تعكسه ملامحه وقسماته، بل بدا له مشوها ضائع الملامح لا يكاد يتعرف عليه. إن سيفا –من خلال صورة الوجه المشوه- يضيء ذاته التي تعرضت في مغامراته الوجودية والشعرية لانكسارات عميقة، وتغيرات كبيرة. ولا يقف هذا التمييع لملامح الوجه عند التعبير عن شخصية سيف الرحبي، بل يتجاوزه ليعكس موقفا فكريا وفلسفيا، من ذات الإنسان وماهيته بشكل عام.

بحسب ما يشي التوظيف الفني لمصدر ((الوجه)) يتبنى سيف موقفا من ((الذات)) ينأى بها عن أن تكون معطى ناجزا على نحو مسبق، يتلبَّس به الإنسان فور انخراطه في تيار الحياة، ويظل ملازما له إلى لحظة مفارقته لها، كتلك ((الذوات/الماهيات)) التي يفرضها على الإنسان انتماؤه لجنس معين، أو دين معين، أو تاريخ معين. ليس للإنسان –أيِّ إنسان- ذات ثابتة واضحة المعالم والقسمات، ذات ناجزة تسبق خبراته الحياتية. إن الإنسان ركام من خبرات وتجارب متنامية باستمرار، ومجمل هذه التجارب والخبرات هي ما يمثل ذاته. ومادام الإنسان حيًّا فتجاربه إذن في تنام مستمر، وعليه فذاته ((مشروع)) لم يكتمل بعد. هذه هي أبرز سمات الذات الإنسانية. إن الإنسان مشروع ((ذات)) غير مكتمل. ولعل في الصورة الآتية ما يعكس هذا الموقف:

)) هذا الكائن الذي يجرفنا نحو أقاصيه

يتكور على الطاولة وفوق السرير

ركام وجوه وأماكن))10

إن ما يستقر في أعماق الشاعر الغريب (الكائن الذي يتكور على الطاولة وفوق السرير) هو ((ركام وجوه وأماكن)). ليس هذا الشاعر وجها واحدا أي ((أنا واحدة))، إنه مجموعة ((أنوات))، ومجموعة خبرات وتجارب يتراكم بعضها فوق بعض لتشكل تاريخ الكائن الإنساني ومسيرة حياته.

إن هذا الموقف من ذات الإنسان ينطبق أيضا على موضوعات أخرى كـ ((الأمَّة)) و))التيار الفكري)).

في ضوء هذا الموقف ليس للأمة –أية أمة- من ذاتٍ ثابتة تتجاوز أفرادها وتتعالى على لحظتها التاريخية الراهنة، وشخصيةٍ ذاتِ ملامحَ ثابتةٍ تنطبع بها أجيالُ تلك الأمة في مختلف مراحلها التاريخية. إننا إذا افترضنا للأمة العربية الإسلامية في العصر الإسلامي الأول خصائص فكرية وسلوكية تمثل جوهر الشخصية العربية الإسلامية، فإنه لا يسوغُ لنا في ضوء هذا الموقف أن نزعم أن تلك الخصائص الجوهرية على مستويَيْ الفكر والسلوك بقيت نفسَها تَسِمُ الشخصيةَ العربيةَ وتشكِّلُ صيغَتَها الأساسيةَ في مراحل تاريخية لاحقة. لقد كان للشخصيةِ العربية الإسلامية في كل عصر من عصور تاريخها الطويل أساليب في التفكير وطرائق في السلوك تباينُ تلك التي كانت لها في مراحل تاريخية سابقة وأخرى لاحقة. ففي العصر العباسي الأول على سبيل المثال حَظِي العقل باهتمام بالغٍ جعله مكوِّنًا رئيسيًّا من مكونات الشخصية العربية الإسلامية، على نحو لم يكن له في المرحلة السابقة من تاريخ الأمة العربية الإسلامية، ولا في المراحل التالية. وفي فترات تاريخية متأخرة زمنيا، حيث انتشر التصوف انتشارا بالغا، احتلت الخرافة واللاعقلانية مساحة كبيرة في التفكير والممارسة جعلت منها مكونا رئيسيا من مكونات الشخصية العربية الإسلامية لم يكن لها في الفترات السابقة ولا في المرحلة اللاحقة. وهكذا تكون للأمة الواحدة شخصيات وذوات متعددة بتعدد مراحلها التاريخية11. ولا يقف الأمر في تعدد شخصيات الأمة الواحدة على تعدد مراحلها التاريخية، فحتى في نطاق المرحلة التاريخية الواحدة نجد للأمة الواحدة شخصيات متعددة بتعدد شعوبها وبيئاتها.

ليس لأي أمة من الأمم ذات ثابتة تسري عبر التاريخ متجاوزة أحداثه ووقائعه لتصل على نحو حتمي ومصيري أبناء اليوم بأبناء الأمس البعيد الغائر في ذاكرة التاريخ. إن هذا التصور الأخير لفكرة الذات هو ما تتبناه –عن وعي أو غير وعي- التيارات الإسلامية وتيارات القومية العربية، ويرفضه بعض مفكري وفلاسفة وأدباء هذا العصر12، ويرون فيه جناية على أبناء هذا الجيل، عن طريق ربطهم التعسفي واللاعقلاني بأسلاف نشأوا في سياق تاريخي ومعرفي مختلف تمام الاختلاف. يرى هذا الفريق الأخير أن الأسلاف عاشوا سياقاتهم الحياتية والفكرية، وكونوا قناعاتهم وتوجهاتهم في ضوء معطياتها. وعبْرَ ارتباطهم بواقعهم اليومي بنوا ذواتهم وحققوا أصالتهم. أما غالبية أبناء هذا العصر والعصور المتأخرة، فقد تعاموا عن معطيات واقعهم اليومي، وأغفلوا سياقات حياتهم المعيشية والفكرية، واستعاروا لأنفسهم شخصية السلف المنصرم، ليعيشوا في ضوء هديها. والنتيجة المباشرة لسلوكهم ذلك أنهم انفصلوا عن ذواتهم الحقيقية، تلك التي يبنونها بأنفسهم من مجمل تجاربهم وخبراتهم، وعانوا غربة روحية خانقة فصلت بينهم وبين ذواتهم من جهة، وبينهم وبين المجتمع والواقع من جهة أخرى.

إن الرؤية نفسها تنطبق على أي تيار فكري، فما من تيار يمارس عمله الفكري وفقا لنماذج مسبقة تمثِّل ماهيته وذاته، إنه يبني تلك النماذج تدريجيا في ضوء ممارسته العملية وتجريبه المتواصل. وحتى لو بدأ التيار الفكري مسيرته بنماذج مسبقة، وادعى حفاظه المطلق عليها، على نحو ما نجد في التيارات الأصولية، فإنه يظل يعدِّلها وينقحها ويطورها بما يتواءم مع ما يستجد من معطيات، وإذن فهو يظل يبني ذاته ويشكِّل ماهيته على نحو مستمر.

إن ما يعزز تفسيرنا هذا للوجه وللموقف الفلسفي الذي يشي به هو مجمل الصور المشتقة من مصدر ((الوجه)). إن غالبية هذه الصور ( ما يمثل نسبة 77.8%) ارتبطت بمعاني الغياب والتشرد والضياع:

– ((وجه الغياب الأسمى تقاليدك

لخراب الآتي

قرن الكوارث المحفور على جبهة الليل))13 .

– (( أي عذوبة هذه

أي صباح ينهض بتكاسل

من حلمتك

أي وطن ينقش استغاثاته

فوق الأرصفة

وعلى اسفلت الوجوه المهشمة))14

– (( الهنود القادمون من غير ظلال ولا وجوه

غرباء المكان))15

– (( لتلم كلماتك المبعثرة في وجوه تطلع

دوما من السديم

فعما قليل يأخذ المدعوون طريقهم إلى الموت))16

لعله بات جليا قران الوجه بمعاني الضياع والتشرد، إنه وجه سديمي ضبابي لا يؤشر إلى شيء ولا يميز شيئا من شيء. كذلك ((الذات))، ليست هي وجها بيِّن الملامح ثابت التقاسيم، يولد به الإنسان ويظل يرافقه إلى وفاته. إن وجه ((الذات)) صفحة ضبابية في الأصل، ولا تتشكل ملامحه إلا بعد فترة من الزمن، ولا تتخذ صورة نهائية وحاسمة مطلقا، إذ تظل في مشوار تشكل مستمر، وسيرورة تكوُّنٍ لا تنقطع إلا بالموت.

بالإمكان تعزيز هذه النتيجة بفقرات من نثر سيف ومقالاته تعكس بوضوح تبنيَه هذه الرؤية لمفهوم ((الذات)) أو (( الشخصية)):

في خاتمة مقال مطول عن ملامح التجربة الشعرية الجديدة، يؤكد سيف الآتي:

«تبقى الحداثة دوما ذلك المشروع الناقص، واكتماله المتوهم يعني سقوطه في شرك الدوغمائية والتكلس، أي موته أو تحوله إلى مؤسسة قمعية، ويبطل أن يكون مشروعا وفعل شعر وحياة يشهد بصدق على كل الأزمنة، انطلاقا من زمنه الراهن .. وربما جماع السجال حوله يدل على أن اكتماله في نقصانه، في نفيه المستمر لذاته وحاجته الدائمة إلى التشرد وراء ظل يختفي في دهليز أسئلة لن تكتمل»17.

وفي تصديره لمجموعته الشعرية القصصية ((الجبل الأخضر)) يؤكد سيف أن هذه المجموعة:

«تظل مؤشرا لفترة من التوتر الذهني الذي مازال يسود ولا يعني ذلك أنها مفصولة عن السياق الكتابي الآخر من حيث التوجه العام في الكثير منها إلا كونها اضطرابات بدء يستمر حتى تخوم الانتحار في أحشاء اللغة لصالح قصيدة لن تكتب إلا بحبر الموت (ربما)»18.

ينفي سيف عن التيار الفني الذي ينتمي إليه تجوهره في ذات ثابتة، بل يرى في هذا التجوهر الذي قد يسعى إليه البعض موته الوشيك. إن أصالة هذا التيار لا تتحقق إلا بحرصه على سياسة نفي الذات المستمر.

تتقاطع رؤية سيف هذه مع الفلسفة الوجودية، تلك التي ازدهرت في أعقاب الحربين العالميتين، حيث الاقتتال بين المشاريع السياسية الكليَّة/الشمولية دمَّر العالم وأوصله إلى حافة الهلاك. لقد قامت بعض تلك المشاريع (النازية، الفاشية) على رؤىً عنصرية تصنِّف البشر -وفقا لخصائص تراها جوهرية ثابتة- إلى أجناس متضادة ومتصادمة ينفي بعضها بعضا، ولا تتصور العلاقة بين الشعوب خارج إطار علاقة (السيد) بـ (العبد). وقام بعضها الآخر (الشيوعية) على أيديولوجيات متزمِّتة تعلي من شأن الدولة في مقابل الفرد، ولا ترى للفرد الإنساني من دور أو قيمة إلا ذلك الدور أو تلك القيمة التي يحددها المجتمع له. إن هذا المشهد الصدامي بين تلك المشاريع الكلية، والذي جر العالم إلى محرقة كونية، أفضى إلى قناعات فكرية جديدة أعلت من شأن ((الفرد)) و ((الوجود الفردي الخاص)) في مواجهة ((المجتمع)) و ((الوجود المجتمعي العام))، وخلخلت تصورات ((الإنسان : الجوهر/ الماهية)) لصالح تصورات ((الإنسان : التاريخ/ المسيرة)). لذلك فإن:

«الوجودية ترفض دكتاتورية العام، لأنها ترفض إفناء الشخص في سبيل الدولة. هي مع الشخص أولا. ولذا كانت الحرية من أضخم أبوابها. نعتبرها إذن ردة فعل للأنظمة الدكتاتورية في ميدان السياسة»19 .

توضح النقولات الآتية الفكرة الأساسية القابعة في عمق معمار الفلسفة الوجودية:

«الإنسان موجود، هذه هي الواقعة الوحيدة التي يمكن للفلسفة أن تحيط بها. والفكرة التي يمكن (أو يجب) أن يمتلكها الإنسان عن ذاته، تتوقف على هذا الوجود، على وجوده. هنا تكمن موضوعة الوجودية الأولى: عند الإنسان، الوجود يسبق الجوهر، فطبيعة الإنسان لا تعين ما يتوجب أن يكون وجوده، بل على العكس، من حيث إن سلسلة الأعمال المكونة لوجود كل إنسان هي التي تحدد مايكونه كل إنسان بصرف النظر عن جوهر خالد للإنسانية. وعليه يكون الإنسان كما يصنع وجوده. إن الإنساني هو حقا هاجس مركزي في الوجودية…….. إن هذه الإنسانية إذ تترك لكل إنسان الاعتناء بتعيين معنى كلمة إنسان، إنما تكون مذهبا فردانيا»20 .

« ما معنى كون الوجود يسبق الجوهر  أو الفكرة المجردة؟

إن ذلك يعنى أن الإنسان يوجد قبل كل  شيء، يصادف ويظهر في الطبيعة والكون، ومن ثم يُحَدَّد ويعرَّف……

والإنسان، كما تتصوره الوجودية، ليس له في البدء أي وجود حتى يمكن تعريفه وتحديده، وإن هذا التعريف وهذا التحديد لا يصح وجودهما إلا بعد أن يكون الإنسان قد وجد وعلى الشكل الذي يوجد نفسه عليه…

الإنسان ليس فقط موجودا كما يتصور وجود نفسه، بل كما يريد وجود نفسه وكما يتصور وجود نفسه بعد أن تكون هذه النفس قد وجدت، والإنسان هو خالق لنفسه لأنه وحده متصور لها….

الإنسان ليس قبل كل شيء إلا مشروعا. وهو مشروع يعيش بذاته ولذاته. وهذا المشروع سابق في وجوده لكل ما عداه»21 .

« يتصور الوجوديون الوجود على نحو فاعلي نشط، فلا ((يكون)) الوجود، وإنما هو خلق نفسه بنفسه في الحرية، بعبارة أخرى : هو ((يصير)). إن الوجود دائما غير مكتمل، وكأنه يبتدأ، إنه شروع واستقبال..

ويضاف إلى هذا أن الوجوديين يفهمون ((الذاتية)) بمعناها الخلاق: فالإنسان يخلق نفسه بنفسه، إنه هو هو حريته هو»22 .

لا يخفَى مقدار التقاطع الواضح ما بين رؤية سيف للوجود الإنساني –كما عرضناها ودللنا عليها- وبين الفكرة الرئيسة في الفلسفة الوجودية. تتفق الرؤيتان على أن الإنسان يبني ((وجوده))، ((ذاته))، ((ماهيته))، بإرادته هو، في ظل الحرية التي يتمتع بها. ليس للإنسان من قيمة وجودية إلا بمقدار ما تكسبها إياه خبراته وتجاربه، وإرادته وطموحه، لا كما يريد له الدين أو المجتمع أو النظام السياسي.

إن هذا الفهم للذات، بتأثيرٍ من الفلسفة الوجودية أو باستقلالٍ عنها، لم يكن حكرا على سيف دون غيره من الشعراء المعاصرين. إنه كان سمة المرحلة وعلامة المشروع الحداثي برمته. وإذا توقفنا أمام علم من أعلام الحداثة، هو أدونيس، وفقا لقراءة عادل ضاهر الفلسفية، وجدناه يفهم ذاته على أنها «دائما مشروع غير مكتمل. إنه يتوحد بالنقص… إنه مرحلة انتقالية دائمة، سيرورة عبور، مما يفسر لماذا يظل بدون هوية أو ماهية ثابتة»23.

وفي ضوء بعض المؤشرات الإحصائية يجوز لنا الاستنتاج أن إحساس سيف بـ))أزمة الذات)) اشتدَّ في فترة كتابته لديوان ((رأس المسافر)). إذ تضمن هذا الديوان أعلى حضور عددي لصور الوجه بنسبة (44.4%)، وجاء ديوان ((رجل من الربع الخالي)) في المرتبة الثانية بنسبة (22.3%)، وجاء كل من نورسة الجنون، والجبل الأخضر، وأجراس القطيعة في مرتبة أخيرة بنسبة (11.1%) لكل واحد منها. إن هذه التكرارات العددية ذات دلالة إحصائية. ففي مجموعات سيف الثلاث الأولى (نورسة الجنون، الجبل الأخضر، أجراس القطيعة) لم يكن لأزمة الذات أو الهوية أي حضور نصي واضح، مما يعني أن سيفا في تلك الفترة يتماهى24 إلى حد كبير مع الدور الذي اختاره لنفسه، أو فرضته عليه المساقات الثقافية التي انخرط فيها، وهو دور المثقف المعارض الثائر. ولم تبدأ أزمة ((الذات)) تلقي بظلالها على النص الشعري إلا في ديوان ((رأس المسافر)) حيث يبلغ الحنين إلى عمان أوجه مرتفقا اعترافا بالتعب من حياة السفر والتشرد25. لقد جاء هذا الديوان في خضمِّ مرحلة انتقالية هامة في حياة سيف، تلك التي تفصل بين حياة الغربة والتشرد، وقرار العودة إلى الوطن، والتصالح مع النظام السياسي القائم26، وتبني فكرة التنوير من الداخل27. إن ديوان ((رأس المسافر)) عاصر مرحلة تعديل وتنقيح في ملامح الشخصية الفكرية التي يتبناها سيف، وانعكس ذلك في الجانب التصويري منه.

( 2)

بقدر ما كان ((الوجه)) صورة قريبة التناول، متأتية التأويل، تدور غالبية نماذجها في فلك واحد، وهو الدلالة على ((الهوية)) أو ((الذات)) – نلاحظ أن ((العين)) تدخل في نسيج صورة تتحرك وفقا لمستويات دلالية متباينة في الظاهر. فمما نرصده في هذا الصدد، ويبدو لنا مميزا وذا دلالة، أن سيفا جعل للزمان عينا ، وللمكان عينا، وللمشاعر المؤلمة عينا، على نحو ما نرى في المواضع الآتية على الترتيب:

– ((والمساء دائما تحت معطفك

عينا جاحظة

وأخرى تراقب الغيم يسقط

فوق الجبال))28.

– ((أيها الرجل الجالس على جفن روما))29.

– (( محجر الألم

طاحونة الأيام))30.

إن مقاربة هذه الصور أفقيا في السلك التي انتظمت فيه أعلاه، وعموديا في سياقاتها التي وردت فيها، يضيء لنا الفضاء الدلالي الذي تؤسس له ((صور العين)). إنه فضاء الإدراك والمعرفة والكشف. لكنها ليست المعرفة العقلية المسيَّجة بحدود المنطق والتجريب العلمي. إنها معرفة الحدس والخيال والحلم. إنها المعرفة السريالية31 التي تقدس مظاهر الإدراك اللاواعي والمعرفة اللاعقلية: تلك المعرفة وذلك الإدراك المتوهجين بعمق الإحساس ودفق الشعور، بعيدا عن برودة المعرفة المنطقية المتسلسلة على نحو آلي من المقدمة إلى النتيجة.

في قصيدة ((كونشرتو من أجل داليا)) يخاطب سيف حبيبته:

(( أنت امرأة الحياة وما عداك

موت يدلف نحاس عينيك

فيتلاشى العالم في بؤبؤ الرعب))32

إن علاقة الحب المتوهجة بداليا، والتي أطلقت العنان لرصيد باهظ من الرغبات المكبوتة، ولدته مرة أخرى في وعي جديد ورؤية جديدة ، حيث ((يتلاشى العالم)) ولا تبقى إلا حقيقة الحب خالدة في وجه الزمن. لقد أبقى الحب على سيف حيًّا عاقلا، إذ حصَّن قدرته على مواجهة تغيرات وانكسارات، على مستوى الحدث الشخصي والاجتماعي، وعلى مستوى الوعي والإدراك، كان من شأنها أن تحطم قدرته على التحمُّل والاستيعاب، على نحو قد يفضي به إلى الجنون.

في نموذج آخر:

)) حين سقطت في حدقة الليل العميق

وتطلعت في مرايا النهار الخفي

رأيت ما يشبه السديم رابضا في

بؤبؤ عيني

ما يشبه الغبار))33

تمثلُ ((حدقة الليل العميق)) الحلم. إن الحلم بما يكشف عنه من حقائق النفس البشرية، وبما يزيحه من أستار عن عقد الإنسان ومركبات النقص لديه، يمثل ((عينا)) لاشعورية نافذة الرؤية تجاوز كفاءتُها كفاءةَ ((عين)) الوعي والإدراك. إن عين الوعي لا ترى من الجزيرة أكثر من قمتها البادية على سطح الماء، وتعمى عن بقية جسدها الجبلي الغارق في الماء.

أما حدقات النيازك الواردة في قوله:

)) فأنتم ضيوف المساء الهارب

في

حدقات النيازك))34

فإنها تشير إلى لحظات التأمل العميق في فترة الليل، حيث تتحول ((النيازك)) موضع التأمل والتفكر، في غمار تلك اللحظات الروحانية، إلى نافذة جديدة للمعرفة، يطل منها الإنسان –والشاعر خصوصا- على عوالم جديدة.

ومن النماذج التي تستدعي المقاربة صورتا (روما، ومطرح) التي جعل سيف لأولاهما جفنا ، وللثانية مقلتين:

(( أيها الرجل الجالس على جفن

روما

تقرأ بازوليني وتفكر ((35

ليست روما مجرد مدينة عادية، إنها إحدى حواضر العالم المتمدن. وهي بـ ((فنها)) الممثَّل في الفقرة الشعرية بـ ((بازوليني))، تعمل على صنع وعي جديد وفكر جديد، أو أنها تعيد صياغة وعي الإنسان في بعض جوانبه على الأقل، فتثريه وتعمقه. إن هذا الوعي الذي تفيضه ((روما)) على مرتاديها ومريديها، عبَّر عنه سيف بالجلوس على الجفن، إنه الجلوس على شرفة ((الإدراك)).

أما ((مقلتا مطرح))، فإنهما إشارة إلى استعادة شريط الذكريات. إنهما عينان تلتفتان إلى الوراء لاستجلاء بعضٍ من وقائع الماضي التي غشتها سجف الزمن المنصرم:

)) وأطلق بين مقلتيك منجنيق طفولتي

وأصطاد نورسا تائها في زعيق

السفن))36 .

العين –إذن- في لغة سيف التصويرية، رديف لحظات من الحدس والبصيرة تثمر وعيا نافذا، وإدراكا دقيقا، وإن كانت بمنأى عن سيرورة العقل الآلية.

أما نسبة الألم إلى المشاعر المؤلمة والمخيفة في صورتي: (( محجر الألم (( و (( بؤبؤ الرعب ((، فإنها تضيء الواقعة الإنسانية الخالدة (الألم قرين الوعي). وهي ما عبَّر عنه المتنبي قديما بقوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله             وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم37

إن لحظات الوعي المصيري، والمرتبطة بمفاصل هامة من حياة الإنسان، تمثل زلزالا حقيقيا يخلخل معمار الذات وكيانها. ذلك أن الوعي الجديد هو نفي لوعي سابق، وقد يكون الوعي السابق متجذرا في تربة الذات الإنسانية لعقود من الزمن، إذ تشكل وأخذ ملامحه في طور حاسم من عمر الإنسان كفترة الطفولة مثلا. ووعي من هذا النوع هو جزء من ذات الإنسان، وعنصر من عناصر وجودها وماهيتها. وهدم هذا الوعي، بتفكيك ما يتضمنه من قناعات وتصورات، هو هدم للذات بشكل من الأشكال. وقد يكون هذا الهدم بالغ الحدة والعنف –في بعض الحالات- فيبدو تفجيرا لمفهوم الإنسانية برمته، وذلك عندما تتساقط القناعات التي تمثل مبادئَ خُلُقيَّةً كبرى توجِّه حياة الإنسان. إنه صراع ((الأنا)) بما تمثله من إدراك ووعي متجدِّدَيْن، مع ((الأنا الأعلى)) بما تمثله من قيم ومبادئ غرستها التربية والثقافة. عند الأسوياء من الناس، وذوي التكوين العصبي المتوازن، تكون مرحلة تدمير الذات هذه تمهيدا لمرحلة إعادة إعمار جديدة لكيان الذات، وفق رؤى أخرى وشروط جديدة، لكنها عند الأشخاص الذين يعانون من الاضطراب العصبي، تمعن في الهدم والتدمير إلى الحد الذي قد تُسْلِمُ أصحابها إلى الجنون. إنها لحظات تتفجر في أجواء من الألم الحاد، والرعب القاتل، في أجلى مظاهر الألم والرعب.

ومن زاوية أخرى، في إطار مقاربة الصورتين السابقتين، تمثل مختلف ضروب الألم والمعاناة شكلا من أشكال المعرفة الحقيقية عند سيف.

على نحو ما عكست صور ((الوجه)) مواقف وجودية ورؤى فلسفية، تجلو لنا صور ((العين)) زوايا أخرى من منظومة فكر سيف الرحبي وفنه.

( 3 )

تتصل بالعين ((الدموع)). وللدموع في شعرية سيف مكانة خاصة تتسم بالغرابة والفرادة. فإذا كانت الدموع –على امتداد أحقاب الأدب العربي- قرينة الألم والبكاء، إلى الحد الذي تتلون فيه بلون الدم، من فرط امتزاجها بأعماق الألم الإنساني، على نحو ما نجد في بيت البوصيري:

أمن تذكر جيران بذي سلم                 مزجت دمعا جرى من مــقــلة بــدم38

أو في بيتيْ أحمد شوقي:

يا ساري البرق يرمي عن جوانحنا                  بعد الهدوء، ويهمي عن مآقينا

لما ترقرق في دمع السماء دما    هاج البكا، فخضبنا الأرض باكــــينا39

وفي نماذج أخرى كثيرة لا سبيل إلى حصرها هنا، فإنها (أي الدموع) عند سيف الرحبي قرينة الخضرة والنماء، حيث يستعيرها للتعبير عن الحقول طورا، والثمار والمزروعات طورا آخر، كما ينعتها بالخضراء في طور ثالث:

– (( نجمة الخطيئة

يا نجمة القطارات الراحلة في أقاليم

النواح

جثث تأتي تبللها الدموع الخضراء))40

– (( في المساء يمضي لجلب الزرع من الحقول

المبعثرة كدموع خضراء سكبتها الآلهة))41

– (( وجدت دمعة تستفزُّ المارة

من فوق شاحنة،

لقد ذرفها فلاح في الأزمنة البعيدة))42

في الصورة الأولى نعتت الدموع بـ ((الخضراء))، وفي الثانية شبهت الحقول بـ ((دموع الآلهة)) فضلا عن نعت الأخيرة بالخضراء، وفي الثالثة ارتبطت الدمعة بالشاحنة وبالفلاح. وبقران الصور الثلاث بعضها إلى بعض، يتضح جليا أن الدموع تناظر الخضرة والنماء كما تجلوها للعين الحقول والثمار.

لتأكيد النتيجة التي خلصنا إليها أعلاه من دلالة الدموع على الخضرة والنماء، نعمد إلى نثر سيف الرحبي حيث مساحة الغموض والتعمية أضيق بكثير جدا. في سيرته الذاتية ((منازل الخطوة الأولى))، وفي سياقٍ يسجِّل بعض حالات «زوغان الأعصاب وانقلاب الخيالات»43 التي كانت تلم به في صباه، يورد سيف الفقرة الآتية:

«وذات مرة كان يمشي في تلك الطرقات المعفرة والمعوجة التي يتناثر فوقها غبار الطلع، فرأى القرية بكاملها وفي عمق شآبيب المساء تشبه دمعة في الأفق مغمورة بقوس قزح من غير أن تكون ثمة سحب أو أمطار، بل شمس ساطعة تذيب الصخر، شمس مركزة. وفي الأثناء نفسها كانت البروق تشطر العالم إلى نصفين»44 .

تكشف هذه الفقرة بوضوح تام كيف أن مخيلة سيف، وفي طور طفولة مبكرة، تمثلت القريةَ دمعةً، وليس هناك فاصل كبير يتوسط المسافة ما بين القرية الجبلية الزراعية من جهة، وبين الحقل أو الثمار والمزروعات من جهة أخرى.

وإذا كنا قد وصلنا إلى الإقرار بأن صورة (الدمعة ثمرة خضراء) قد تغلغلت في نسيج عدد من قصائد سيف، فما الفكرة التي يمكن لهذه الصورة أن تنمَّ عنها؟ وهل من رؤية فلسفية يمكن أن تنجلي عنها؟

إن ما نقرؤه في هذه الصورة هو قدرة الألم على الخلق والإبداع. فليس الألم شرا محضا، وأذى خالصا. إنه في حقيقة الأمر إحدى تلك التجارب النادرة التي تكشف للإنسان عن معدن إنسانيته، وحقيقة ذاته. إن الألم بوصفه شعورا ناشئا عن صعوبات مادية أو معنوية تعترض طريق الفرد، وتتطلب منه مراجعة ذاته، لاكتشاف طاقاته، والعمل على تنميتها وتطويرها، لمواجهة تحديات الألم، وتذليل عقباته وتسويتها، إن الألم بوصفه الدافع إلى ذلك كله، يُعَبِّد الطريق المفضي إلى الإبداع والخلق. وفي دورة تكاثر الإنسان والكائنات الحية شاهد آخر على حقيقة (الألم المنتج)، فكل ولادة جديدة هي تتويج مسيرة ألم حاد، ومعاناة مريرة.

تتقاطع هذه الرؤية مع ما سبق أن كشفنا عنه من رؤى ومواقف يتبناها سيف، فالمعرفة الممتزجة بالألم (كما كشفت صور العين) تنتمي إلى الأرومة ذاتها لفكرة (الإبداع الناجم عن الألم). وهاتان الفكرتان تمثلان أحد أبرز مظاهر مسيرة الذات المشروع الناقص (كما كشفت صور الوجه)، تلك الذات التي تبني كيانها عبر مسيرة الإرادة والاختيار، بعيدا عن إملاءات المجتمع.

( 4 )

امتدادًا لنزعة إنسانية قديمة في التجسيد والتشخيص، واستلهاما لروح أسطورية في ممارسة التصوير، يقترب العالمان : الذاتي والموضوعي، في رؤية سيف الفنية، إلى درجة الالتحام والتمازج.

في هذا الإطار تبدو أعضاء جسم الإنسان مادةً خامًا ثريَّةً ينهلُ منها سيف الرحبي بنهم في تشكيل رؤيته للداخل والخارج، للإنسان والكون، وفي تأثيث فضاء هذه الرؤية، وتنسيق مفرداتها. إن الكون بفضاءاته الشاسعة برا وبحرا وجوا، وبما تحويه من كائنات حية وجمادات، يبدو –من خلال صور سيف- إنسانا كبيرا ضخما، يحيط بنا جميعا، يراقبنا عن كثب، ويتواصل معنا باستمرار، عبر  حالات من السخط والرضى، ووفقا لمسافات تقترب منا كثيرا، أو تمعن في الابتعاد عنا. وكأنما هذا الإنسان الكبير هو محيطنا الواسع الذي نتقلب فيه، ونضطرب بين أرجائه.

تتأسس هذه الصورة الكلية عبر رصيد كبير جدا من الصور المفردة الجزئية التي تشخِّص الزمان (بمراحله الثلاث)، والمكان (بجهاته الأربع)، والعناصر الطبيعية من جمادات أو كائنات حية، والمنشآت المادية، على نحو ما نرى في الصور الآتية على الترتيب:

-))الصباح  شهية مفتوحة لابتلاع العصافير))45.

– ((المسافر ينتحب تحت قدم الصحراء))46.

– ((لاشيء يستثنى من قبضة ومضها،

المستفز حتى

مكان السرة النابت

في مقبرة

بجبال الهملايا))47.

-))والصالة وهي ترسم بلعابها المدعوين لتغطي بياض عريها المائل للوحشة))48.

يبدو الصباح في هذه الصور إنسانا مفتوح الشهية يهفو لابتلاع العصافير، وتظهر الصحراء في صورة جلاد يئن تحت قدمه المسافر، ويتراءى البرق ذا قبضة عاتية تطال كل شيء في مشهد طبيعي تبدو فيه المقبرة وهي تجثم على قمة الجبل كالسرة من البطن. أما الصالة فهي في احتوائها للمدعوين كالفم. وفي نماذج أخرى كثيرة نقف على تصويرات ترسم رأسا للنجمة يخترقه صخب المقاهي والقطارات49، وشعرا للثكنات يحلقه الجنود50، وشفاها للسماء تقبل تاجا للأرض هو الجبل الأخضر51، ولعابا متأججا لمنجم الذهب52، وأضراسا لحواشي باريس وطرقاتها التي يرتادها الأطفال المشردون53، وذراعا للفجر54، وأنامل للنهار55. إلى ذلك تتخيل سطح الأرض جثة كبيرة56.

ليست الطبيعة في رؤية سيف الرحبي مجرد محيط مادي يحتوي الإنسان، ويؤطِّر مجال حركته وسعيه. وليس هو في رحاب الطبيعة عنصرا معزولا على المستوى الروحي، ومقصورا على مستوى مادي بحت يجعل  تعامله مع مظاهر الطبيعة تعاملا آليا يقتصر على استقبال المثيرات الحسية، وترجمتها دماغيا، والاستجابة وفقها في حدود الحاجات الفسيولوجية. إنه في علاقته بالطبيعة –كما ترسم الصورة الفنية- عضو مؤثر ومتأثر في مجموع متفاعل ومتجاوب من الكائنات الحية والجمادات. إنها علاقة روحية تتجاوز المستوى الحسي، وتمعن في إثارة المستويين الوجداني والتخييلي، على نحو يوحي برواية حافلة بالأحداث والمفاجآت يعيشها سيف بعنفوان بالغ.

لتجسيد الرؤية الفنية السابقة، وإخراجها إلى نور الوعي والإدراك، كان لابد من إسباغ لباس اللغة عليها. وقد كانت ((الصورة الشعرية)) هي الأداة اللغوية التي أدَّت هذا الغرض عبر حركة جدلية في اتجاهين متعاكسين: من الداخل إلى الخارج، ومن الخارج إلى الداخل. لقد استعار سيف –على صعيد التشكيل الفني- كثيرا من حالاته الداخلية، وأعضائه الجسمانية، ليعبِّر بها عن مظاهر العالم الخارجي، فأسقط بذلك واقعه الذاتي على الواقع الموضوعي. وفي المقابل استعار أحداث العالم الخارجي ومظاهره وأشكاله، ليعبر بها عن عالمه الداخلي بمختلف جوانبه وفي أعمق مستوياته. وبتضافر هاتين الحركتين: إلى الداخل، وإلى الخارج، تلاشت الحدود بين سيف والطبيعة، وسقطت الفواصل، وبدا لنا سيف يتماهى على نحو مطلق مع العالم الخارجي، في بعده المادي الطبيعي غير العاقل بعيدا عن المستوى الاجتماعي.

وإذا كان الأدب في كثير من نماذجه وتياراته تمظهرا لرؤى فلسفية ومواقف فكرية، ففي الرؤية الفنية السابقة، حيث تتهاوى الفواصل بين الذات والموضوع، بُعْدٌ فلسفي يتحد بالفلسفة المثالية. لا ترى الفلسفة المثالية للعالم الموضوعي المادي أي وجود خارج عقل الإنسان. فما نراه من مناظر جميلة أو قبيحة، وما نسمعه من أصوات وأنغام، وما نستشعره من علاقات دافئة أو باردة تربطنا بالآخرين، كل ذلك وغيره من مظاهر الحياة لا يعدو أن يكون انطباعات ذهنية نعيشها في أدمغتنا ورؤوسنا. قد يكون للعالم المادي الموضوعي وجود حقيقي باستقلال عنا، لكنه في انتقاله إلى عقولنا وأحاسيسنا يخضع لإعادة صياغة جذرية لا تبقي من أصوله الواقعية إلا على أشباح. وليس المشهد الطبيعي الذي نعيشه ونحس به سوى مشهد ذهني تأسس بفاعليتَيْ العقل والخيال، تلك الفاعليتين اللتين من شأنهما أن تحيلا الواقع المادي إلى شيء مختلف تماما عما هو عليه في الأصل. إن كلا منا يعيش في إطار محيط مادي و اجتماعي صنعه عقله وخياله، أكثر مما صنعته الطبيعة أو القدرة الإلهية.

في مقالة معنونة بالتساؤل الآتي : ((عالم الأشياء أم عالم الصور؟)) يناقش حسن حنفي علاقة عالم الأشياء بالوعي الإنساني، ويورد:

«عالم الأشياء إذن ليس مستقلا بذاته، بل هو عالم مدرك. وهي مقولة المثاليين الثانية بعد إثبات النفس. وهو بلا ذات مدركة لا وجود له. فمن الذي يدركه ويتعرف عليه؟ ….

«وعالم الصور عالم إبداعي، لا يكتفي فيه الوعي بإدراك العالم، بل يعيد إنتاجه وخلقه، ويحوله من عالم مصمت إلى عالم حي، من صورة مطابقة إلى صور خلاقة. ويتحول العالِم التجريبي الذي مازال يتعامل مع الأشياء، أو الرياضي الذي يتعامل مع الأعداد، أو الفيلسوف الذي يتعامل مع المقولات والتصورات، أو المنطقي الذي يتعامل مع أشكال القضايا وأنواع البراهين، إلى الشاعر. فالعلاقة بين الإنسان والعالم ليست فقط علاقة معرفية، بل علاقة شعرية. لا يدرك الإنسان العالم، بل يصوره. البعد الجمالي مكوِّن للبعد المعرفي، كما لا حظ ماركوز في (البعد الجمالي) »57 .

على نحو ما تفعل الفلسفة المثالية في توعية الإنسان بتداخل عالميْ الداخل والخارج، تفتح صور سيف الشعرية أفق هذا الوعي لدى متلقيها ومقاربِها، وتبعثه في ذهنه حادا قويا ممتلئا بحرارة الشعور.

( 5 )

تعبِّر الصور المشتقة من فكرة (الجثمان أو الجثة) عن إحساس ثقيل بمجالي المكان والزمان، وشعور خانق بشدة وطأتهما على النفس.

يحمل الزمان الإنسان على الخروج من نطاق عزلته وهدوئه، بحكم كونه حركة دائبة تقتضي من الإنسان مواكبتها. وكل إنسان يحس بثقل وطأة الزمن على نفسه، بمجرد السيرورة المتواصلة لأحداثه ووقائعه. وشاعر مثل سيف ذو مزاج سوداوي تشكَّل بفعل إدراكه العميق لحقيقة المأساة الإنسانية – يشعر بثقل وطأة الزمن على نفسه على نحو أكثر حدة وعمقا من عموم الناس. إن وحدات الزمن المتدفقة بلا انقطاع تجدد إحساسه بعمق المأساة الإنسانية، وفجائعية الوجود البشري.

يعمل المكان هو الآخر على تعميق ذلك الإحساس بالمأساة الإنسانية. فهو فضلا عن احتضانه للزمان، واتحاده بوقائعه وأحداثه، يمثِّلُ تشكيلات طبيعية وصناعية تحكم حركة الإنسان، وتقيِّد انطلاقته وتوثبه، وتعترض سبيل عيشه بتحديات جمة. وقد يصل الحد بالمكان إلى أن يكون سجنا طبيعيا يحبس الإنسان، ويضيق عليه مصادر رزقه ومعاشه. لذلك يمثل المكان والزمان في حساسية سيف الشعرية مسرح الجريمة، وزمان وقوعها:

– ((فالصبح مازال بعيدا

والفجر يتساقط ثلجا وجثثا

فوق قبعات العشاق))58

– (( إنه المساء

هل تأكلين تفاحة الحلم فوق

جثة الأفق

المتدحرج

بين أقدام الملاكم الزنجي؟))59

– ((وعلى مدار جثة الزمن

تسكننا شعوب تشرب

فائض العالم من الذل

وتضمحلُّ

في هبوب المداخن

ومساءات النزيف))60

– ((كان على الصقر أن يحلق بعيدا .. بعيدا

فوق هضبات الجثة))61 .

لم يتمكن سيف من التخلص من إحساسه العميق بمأساوية الحياة، وظلها الثقيل على نفسه وروحه. وعلى الرغم من مسلسل الأحداث المثيرة الذي تعرض له، من هجرة في عمر مبكر جدا62، وتنقل دائب بين أقطار عربية وغربية63، والتحاق بتيارات فكرية وسياسية64، وعلاقات نسائية متعددة65، على الرغم من ذلك كله، لم يتزحزح ذلك الشعور القاتم تجاه الحياة.

لا تبدو الحياة -كما تعكسها صور سيف الرحبي- مشرقة مبهرة عامرة بالإثارة والتحفيز. إنها –كما تفننت أدواته التشكيلية- لوحة مكفهرة راشحة بعوامل التنفير والصد عنها. وقد استقرت تلك اللوحة الكئيبة في قرارة نتاجه الشعري، وطبعت مجموعاته الشعرية كلها بلا استثناء. وإذا أخذنا بعين الاعتبار حياة سيف المفعمة بالسفر، والضاجَّة بالأحداث الصاخبة، جاز لنا أن نستنتج أن سفره ذلك لم يكن بحثا عن المتعة والإثارة، ونشدانا للتغيير والتجديد، بقدر ما كان هربا من الحياة نفسها بحثا عن ملجأ آخر يمكن له أن يوفِّر له فرصا لحياة روحية أهنأ وأعذب، وهو ما لم يتحقق له أبدا. وإذا كان السفر لم يفلح في إنقاذ سيف من براثن الألم والتمزق النفسي، فإنه منحه الفرصة التي ملأت حياته بالمضمون والهدف. لقد أمَّن السفر لسيف أهمَّ إمكانيات تحقيق الذات. وذلك عن طريق تخليصه من قيود الثقافة والمجتمع والنظام السياسي أولا، وجَعْلِه على تماسٍّ مباشر مع عواصم الثقافة العربية والغربية ثانيا. عبْرَ السفر وبفضله، انخرط سيف في عمق الحراك الفكري والثقافي العربي، وفكَّ عن عنقه نير القيم الاجتماعية والدينية والسياسية، تلك التي كان من شأنها أن تعوقَ نموَّ ذاته وفقا لما يريد، وتعملَ على صبها في نماذج وأنماط تنسجم مع مصالحها وقواعد لعبتها.

على الرغم من محورية السفر في حياة سيف الرحبي، وفي مسيرة تكوينه لذاته، لم يكن أبدا مصدرا لمشاعر مبهجة ولذيذة. وفي مواضع عديدة من شعره نلمس ذلك الألم العميق والممض الذي خلَّفه السفر في نفسه، ويلفت نظرنا بشكل صارخ ذلك الجرح الغائر والممتلئ بالشعور بالذنب تجاه والدته. لقد غادر سيف عمان في فترة مبكرة جدا من حياته. وانقطع عنها وعن أهله قرابة عشرين عاما، باستثناء زيارات قصيرة ومتقطعة. إن هذا الهجران المتعمد للوطن والأهل أذكى إحساسًا قويا جدًّا بالذنب، تجاه والدته على وجه الخصوص ، التي ألحت عليه في لحظات وداعِهِ ألا يطيلَ الغياب.

لقد اتجه توظيف مصدر ((الجثة)) إلى تصوير العالم الخارجي. وفي اتجاه معاكس أيضا، اتجه إلى تصوير العالم الداخلي لسيف. وهنا نقف على صورة عجيبة ونادرة للعمق الإنساني يبدو فيها مقبرة تختمر فيها مئات الجثث:

))كل شيء يهرب من بين أيدينا

ويتسلل إلى جرح في قارة مهجورة

وفي الجرح تنام آلاف الجثث المخمرة

حيث لا أضواء، ولا حنان أفتقد غيابه))66.

تبدو الجثث في هذه الفقرة الشعرية رديفا للعقد والمكبوتات ومركبات النقص التي يتألف منها لاشعور الإنسان. إنها تلك الرغبات المرفوضة، أو الحوادث الأليمة التي لا يرغب الإنسان في تذكرها. وهي رغبات وحوادث يعمل الشعور على تنحيتها وطمسها ونقلها إلى اللاشعور. وفي اللاشعور تتراكم أعداد كبيرة من العقد والمرفوضات (آلاف الجثث المخمرة) لتمثل رصيدا كبيرا يتحكَّم في مسارات التفكير الواعي، ويفرض هيمنته عليها، وإن كان هو نفسه يقع خارج نطاق الوعي والشعور (حيث لا أضواء ولا حنان أفتقد غيابه).

( 6 )

في الإطار نفسه، وعلى هدي دمج العالم الذاتي في العالم الموضوعي، وفتح آفاق أحدهما على الآخر، تأتي التشكيلات الفنية المستمدة من مصدر ((الدم)). لقد نسب سيف الدم للجمادات فبعث فيها الحياة، وسلكها في عداد الكائنات الحية:

– ((مزجنا دماء القطارات بشهوة الصباح))67.

– ((أصرخ في شرايين أزقتك العطنة))68.

– ((أوردة الشمس))69.

إلا أن سيفا لم يمنح الجمادات نبض الحياة إلا ليسلبه منها من طريق آخر، عبر رؤية كلية شاملة لا ترى فرقا بين الحياة والموت، بل توحِّد بينهما إلى الحد الذي لا يكون فيه لأحدهما معنى مغاير لمعنى الثاني.

يتميز الدم بخصوصية فريدة. فهو مظهر أساسي من مظاهر الحياة، إذ جريانه في شرايين الجسم جريان للروح فيه. ولكنه في المقابل، وبحسب تاريخه كسلعة فنية، رمز الموت والفناء. هذه الثنائية التي يتميز بها الدم استثمرها سيف (ربما بشكل لا واعٍ) للتعبير عن مدى فظاعة الحياة وبؤسها، وبعبارة أخرى: التعبير عن موتها. وللتوصل إلى هذا المنجز الفني المتقن الصنعة، والعميق الرؤية، توسَّل سيف الآليات الآتية:

– الأولى: نسبة الدم إلى الجمادات لبث الحياة فيها. وقد مثلنا عليها في مستهل هذه الفقرة.

– الثانية: التركيز على المظهر الفنائي السلبي لـ ((الدماء))، من خلال تصوير انفجاراتها. ومن نماذج هذه الآلية:

)) انفجري أيتها الجزر النائمة

في أحشائي

لطخي وجه الخلائق

بزعيق الأقاصي))70.

)) من ذا يتنبأ بالآتي وسط

كسوف الغرابة

وكرنفالات القتلى… يخلعون أوردة الفجر))71.

))أنت الآن وحيد تضيء مسرح المذابح

في الضفة الأخرى

تأكل الأعشاب

قاطعا أوردة العواصف في عنق الغيم

لكي تكون سيد الهدأة في

انفجاراتك النرجسية))72.

– الثالثة: التعبير عن بعض مظاهر الحياة كالمياه والثمار والزمن (بمراحله الثلاث) والخمر وغيرها- بصور دموية منفرة ترشح بالموت والفناء. في هذه الصور تبدو المياه دماء، والثمار نزيفا، والفجر دما، والحاضر دما،و المستقبل دما، والقصائد دما، والخمر دما. ومن نماذج هذه الصور :

-))انفجري يا آبار النداء الغامض

في أعماقي

امنحيني حرية الموت

في رحم المسافات

دماؤك بللت شفاهي

بالأمطار الوثنية))73.

تتحد صورة الآبار في هذا المقطع الشعري بصورة الدماء، للتعبير عن هواجس السفر التي تعتمل في أعماق نفس الشاعر. هذا الاتحاد يرد من زاوية لا شعورية (على الأرجح) تتجاور فيها صور الدماء وصور المياه على اعتبار أنهما تنتميان لأرومة واحدة.

-)) قبائل الأرامل والأطفال

وأجيال الهزيمة

يقرؤون في خطواتنا انبثاقات الدم المضيء

والمستقبل))74 .

إن إشراك المستقبل مع الدم المضي في حكم الانبثاق، عبر آلية العطف النحوي، يعكس ضربا من تصوير أحدهما بالآخر، فما يقبع في قرار هذه العبارة صورة (المستقبل الدم) أو (الدم المستقبل).

تضافرت الآليات الثلاث لتجسيد رؤية فجائعية لا ترى في مظاهر الحياة وإشراقاتها شيئا أكثر من تجليات الموت والدمار. ويتمخض عن هذه الرؤية الفنية صورةٌ ذات فرادة وتميُّز. تلك الصورة هي (السفر سفح لدم المسافة)، أي أنه ضرب من القتل:

-))كأنما جئت إلى سفر قبل الولادة

تمضي وراء جناز كبير من الذكريات

بقميص ملوَّث بدم المسافة))75.

– (( وبجسد مضرَّجٍ بالرحيل

استوقفك القادمون من المياه البعيدة،

لترى خطيئتك الهاربة))76 .

وإذا كنا نعلم أنَّ السفر قد مثَّل لسيف خياره الحتمي في استمرارية الحياة كما يريدها ويتطلُّع إليها، ومثَّل الوسيلة الفضلى لتكوين الذات وتأكيد خصوصيتها، وكان له أثره البالغ في إغناء حياته بالقيمة والمضمون، ثم إنه عبَّر عنه بأنه ضرب من ((سفح الدم))، أدركنا مدى امتزاج معنى الموت بمعنى الحياة في فكر سيف : وعيه ولاوعيه. إنها رؤية للموت والحياة تقبع في قرارة فكره، وتتجاوز فكرتيْ اليأس والأمل كما يمكن أن تعبِّر عنهما الحكمة القديمة: «اطلبوا الموت توهب لكم الحياة»، رؤية تتجاوز تلك الفكرتين لتعبِّر عن إدراك شامل للواقع لا يرى فيه إلا امتزاجًا إلى حدِّ التماهي بين حقيقة الوجود وحقيقة العدم.

2- الحياة اليومية:

بلغت الصور المستمدة من مظاهر الحياة اليومية (692 صورة)، أي بما يعادل نسبة (25%) من إجمالي الصور الفنية المستخرجة من شعر سيف الرحبي.

( 1 )

إن سيفا شديد التنبه والحساسية لمعطيات ((المكان))، تلك التي تتحول من وقائع مادية ملموسة إلى مدركات حسية ذهنية شديدة الرسوخ في ذاكرته. وتحتفظ تلك المدركات الحسية في انتقالها إلى الذاكرة بالأجواء النفسية التي رافقت نشوءها وتكونها في الدماغ. وبقدر رسوخها في ذاكرته، تتفاعل مع خياله الفني تفاعلا قويا يؤثر في إدراكه الذهني للوقائع الموضوعية والذاتية. والنتيجة هي أن إدراكه الذهني الممتزج بخيالاته وتهويماته يعجز عن الفصل بين العالمين الداخلي والخارجي:

))أيتها البلدان النائية في روحي

أيتها الجزر المستيقظة في

حلم القطارات

اقتربي قليلا

أو ابتعدي كثيرا

أنت خطيئتنا الأزلية))77.

إن البلدان التي يقصدها سيف في سفره، تستقر في أطراف نائية من روحه. هنا يمتزج العالمان الموضوعي والذاتي، ويغدوان عالما ثالثا جديدا هو ((عالم النص الشعري)).

وفي تمثُّل حدةِ إدراك سيف الحسي يفيدنا النموذج الآتي:

)) إيه روما

تدخلين الجسد كأنك الإكليل المسجَّى

فوق نعش البشرية

تذوبين في شحوب الوجوه

أقمارا تتناثر في زرد السحر))78.

ليس سيف الرحبي هو الذي يدخل روما، فبحسب هذا المقطع تقتحم روما عالم سيف الداخلي بأضوائها الساطعة. إن حدة انتباه سيف وإدراكه الحسي، وتيقظه لمختلف المنبهات والمثيرات الحسية من أصوات وأضواء وألوان، تشعره بأنه هو الساحة المقتحمة بفيض المثيرات والمنبهات الحسية. ثم إن تلك المدركات الحسية لا تضمحل أو تتلاشى فور انقطاع مصادرها ومنبهاتها، إذ تبقى تعتمل في جهاز سيف العصبي بحضور بالغ، على نحو ما نرى في الصورة الآتية:

))في الصباح عندما أستيقظ

يستيقظ العالم في رأسي،

بكائناته وزعيقه الذي يهرس العظام))79.

على الرغم من أن سيفا في لحظة استيقاظ من النوم، أي في لحظة خمول للجسد تقتضي خمولا للوعي والإدراك، تبدو مدركاته الحسية عن العالم الخارجي في حالة نشاط بالغ وحضور قوي. لذلك يغدو صخب المدينة وضوضاؤها، حتى في حالة انقطاع سيف عن المدينة، واقعا نفسيا يعيشه إلى الحد الذي يلوِّن نظرته للوقائع والأحداث:

))تجلس أمام الموقد بكف أصفر

الحيطان تبلع ريقها الجاف،

الشمس تتسلل بين الشقوق

ذئبة وديعة

والركوة تغلي، مثل مدينة يتشرد

سكانها في رأسك))80.

يبيِّن المقطع بوضوح كيف أن المشاهد التي يراها سيف في يومه في المدينة تنطبع في ذاكرته برسوخ بالغٍ يتيح لها أن تشتغل فنيا في توجيه مخيلته وشعريته. وفي المقطع الشعري السابق تداعى إلى مخيلته وهو يراقب الركوة التي يغلي ماؤها، مشهد المدينة الصاخبة والحاضر في ذهنه بقوة، على نحو بدا فيه معادلا فنيا معبِّرا لتصوير غليان الماء.

( 2 )

من بين صور المنشآت والمباني المدنية والبالغة ( 138 صورة)، شغل مصدر المنزل (بغرفه ومرافقه وأدواته وأثاثه) ما نسبته ( 39.13 %) من الصور المذكورة. وقد تعكس هذه النسبة العالية حنينا إلى المنزل بما يرمز إليه من حياة الهدوء والاستقرار، تلك التي لم يهنأ بها سيف منذ فارق عمان في مستهل شبابه.

استعار سيف مكونات المنزل من غرف ومرفقات في التعبير عن معظم مظاهر الحياة من ذات وموضوع، وزمان ومكان، وأحياء وجمادات، وقيم ومبادئ. وقد كانت بعض هذه الصور ذات طبيعة رؤيوية كشفية، كما في النموذج الآتي:

))حملت سنيَّ حياتي قربانا لآلهتها الدموية

حملت حكمة الأجيال المسكونة

بغموض النار

لا شرطة على أبوابها

بل …؟))81.

ينظر سيف إلى الحكمة، في هذا النموذج، باعتبارها منزلا يقطنه غموض النار دون أن يقف على أبوابه حرس أو شرطة يمنعون الجماهير من دخوله. إن الحكمة ممتنعة على جمهور الناس، مستغلقة المنافذ، لا لأن جهات معينة تعمل على احتكارها (وإن كان الواقع يشير إلى شيء من ذلك)، بل لأنها ذات طبيعة نارية تحرق رصيدا كبيرا من الأباطيل والترهات التي درج عليها عموم الناس واعتنقوها بوثوقية ساذجة. إن طبيعة الحكمة النارية، وهي المانع الحقيقي من بلوغ الحكمة أذهان الناس، تمارس دورها الحجبي من منطلق سيكولوجي، ذلك أن عموم الناس عاجزون عن التخلي عن معتقداتهم الراسخة في وجداناتهم، والضاربة بجذروها عميقا في تصوراتهم عن شخصياتهم وذواتهم.

ومن بين الصور المستمدة من غرف المنزل وممراته وجدرانه والبالغة (33صورة) تحظى ((الشرفة)) بحضور عددي بارز يمثل نسبة (27.3%)، ويليها ((الجدار)) في الحضور العددي بنسبة (6.1%)، ولا يخفى مقدار التفاوت في نسبة التكرار العددي بينهما.

بحسب رؤية سيف الفنية يمثل الغيم ((شرفة)) الفضاء، والنهر ((شرفة)) الغابة، والقمر ((شرفة)) الليل:

-))في قصرها بين تلال الفصول القتيلة

تحرك شعرها بأصابع النار

وكانت مخلوقات الغيم تطل

من شرفاتها، متمرغة فيما يشبه دخان الشهوة))82.

– ((حين كنا صغارا

كنا نسرق النجوم

من شرفة النهر

ونخبؤها في جيوبنا))83.

– ((يا سحابة تعبر شرفة القمر))84.

ينتمي النموذج الأول إلى قصيدة تصور فتاة تحرك شعرها بأصابعها، وقد شدت سيفا وأعادته إليه ذكريات منافيه وطفولاته، ودفعته إلى إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته الخاصة. في هذا الإطار يبدو الغيم شرفة للفضاء يطل منها مخلوقات مشدودة إلى تلك الفتاة باشتهاء جنسي. أما النموذج الثاني فيصور النهر شرفة للغابة يقترب منها الصغار لسرقة صور النجوم المنعكسة على صفحة الماء. وفي الثالث يبدو القمر شرفة مضيئة تنير واجهة الليل.

لقد ركَّز سيف الرحبي على ((الشرفة)) في نماذجه التصويرية. ولعل ما يقف وراء هذا التركيز نظرته إلى العالم باعتباره واجهات لعوالم أخرى تقبع خلفه. ومن شأن هذه النظرة أن ترشح ((الشرفة)) من بين عناصر المنزل الأخرى لتضطلع بتصوير مظاهر الطبيعة المختلفة، كونها واجهة المنزل. فضلا عن ذلك يعكس التركيز على الشرفة مراعاة للتشابه الشكلي والتناسب الهندسي، فعلاقة الغيم بصفحة السماء، وعلاقة النهر في امتداده الشريطي بالغابة، وعلاقة القمر بالليل، كلها من حيث الشكل قريبة نسبيا من علاقة الشرفة بالمنزل.

( 3 )

يبرز من بين أدوات المنزل ومرافقه ((المفتاح)) و ((الباب)) و))النافذة))، إذ حققت من بين الصور المستمدة من مصدر (أدوات البيت ومرافقه) ما نسبته (76%). إن هذه الأدوات، بحكم كونها منافذ تفضي إلى ما وراءها، ارتبطت في رؤية سيف الفنية بمصائر مؤلمة تارة، و ظواهر طبيعية قاسية كالعواصف والرياح تارة أخرى. وكلتا الحالتين تعكسان توجسا من المجهول، وقلقا مستمرا بشأنه، وتوقعا لأسوأ النتائج. وإنهما إلى ذلك تدلان على صراع نفسي مع العالم الخارجي يبدو فيه الأخير وحشا كاسرا يوشك أن ينقض على سيف ويفتك به:

-)) مفتاح الهاوية كأس:

تلكم حياتنا التي نسرقها من فم الذئاب))85.

-))لم تهدأ العاصفة، هذه الليلة

أمام بابي

جيوشها الخمسة أصفقت باب الجهات))86.

-))أغلق الباب وأنظر من ثقب

عاصفة إلى الحشد البشري

وأعرف، بعد قليل … ستنتقل المذبحة

بتفاصيلها

إلى قلبي))87.

في الصورة الأولى تمثل الكأس مفتاحا يقود سيفا إلى الهاوية. وفي الثانية تبدو الجهات الخمس، من شمال وجنوب وشرق وغرب وفوق،بابا أصفقته العواصف المحتدمة خارج المنزل. وتجسد الثالثة الصراع النفسي بين سيف الرحبي والعالم الخارجي، إذ تبدو العاصفة بابا ينظر سيف من فتحة قفله إلى المذبحة البشرية التي تتردد أصداؤها في نفسه بعنف وعمق. توضح النماذج الثلاثة كيف أن أدوات النفاذ من مكان إلى آخر (الباب، المفتاح) لا تقودان سيفا إلى مصير غير مصير الدمار والهلاك.

( 4 )

نسبة جيدة تلك التي حظيت بها صور (المزرعة والبستان و الحديقة) من بين صور المنشآت والمباني المدنية، إذ حققت ما نسبته ( 15.2 %).

إن سيفا، في تعامله الفني مع تلك المنشآت البشرية، عمل على تجريدها من معانيها الإيجابية وإيحاءاتها المشرقة، ليقصرها على دلالة ((الإنتاج الخصب)). وقد أسند هذا الإنتاج الخصب، على عادته في الجمع بين المتضادات، إلى مظاهر سلبية ومؤلمة. ليدل بذلك على إنتاج شرس ضار وعنيف:

-))مزروعون في الزهور القاتلة

لحدائق المحنة

في الساحات وشاحنات الليل

تأتي مكتظة بنزيف الفصول

وأفواج الجلادين.

بساتين المحاق المزهر تنام عارية

في قلوبنا وتقرأ الفاتحة

قبل الذبح ..))88.

توظف مظاهر الخصب والنماء، في هذه الصورة، لتعميق دلالات المحنة الإنسانية والمأساة البشرية. وفي ضوء ذلك تبدو المحنة القاتلة حدائق مزهرة، ونزيف الدماء ثمرات يانعة تمتلئ بها الشاحنات في طريقها إلى السوق.

في قصيدة ((المساء الماكر)) تمتزج الرغبة في الانتحار بمشاعر غامضة بالتفوق والتميز تقترب من شعور الجنون بالعظمة. في كيمياء هذا المزيج يبدو الانتحار ((جسارة)) لا حدود لها، وينأى عن كونه خورا واستسلاما:

))في مستنقعات المرايا الزرقاء

وذات المساء الماكر

وقف الأباطرة الغامضون

يحدقون في الذات الهاربة

لفجر مقتول

حيث أزهرت حديقة السكاكين

أحصنة وقطارات راكضة

بين الرأس والجسد

وصارت الأشياء التي تفصل بين

آهة المرايا

وجسارة الموت

غابات متلألئة في مقبرة الأميرة))89.

في هذه القصيدة تبدو ((السكاكين)) حديقةً مزهرةً تغري الأديب الناظر إليها، في شعوره الغامض بالتفوق، ورغبته في إسدال الستار على مسرحية المأساة الإنسانية، تغريه بالانتحار وارتكاب ((جسارة الموت)). إن الحديقة، وهي مظهر من مظاهر الحياة الرخيَّة السعيدة، تستعار هنا للدلالة على إحدى أدوات الإفناء البشري (السكاكين)، وعلى نمط مخالف للموت لا يرتبط بما يرتبط به الموت عادة من دلالة على الانتهاء والضعف، وإنما يصبح إيذانا بقوة الإنسان، وإرادته في الترفع على نقائص العالم.

عمل سيف على استثمارِ تقنية فنية جديدة قائمة على تجريدِ (المزرعة والبستان والحديقة) من معانيها الإيجابية، وقَصْرِها على دلالة ((الإنتاج الخصب))، ثم نسبةِ هذا الإنتاج الخصب إلى مظاهر سلبية ومؤلمة لتعميق دلالات تفشي البؤس، وتفاقم الأسى. إننا نقف على هذه الآلية التصويرية الجديدة لدى شاعر حداثي آخر هو خليل حاوي. لقد عمل حاوي على تجريد اللون الأخضر من إيحاءاته الإيجابية، واحتفظ له بمعنى النمو، ثم نسب هذا النمو إلى مظهر فنائي سلبي لتعميق دلالة إنتاج الشر، وذلك في قوله:

)) امسحي الخصب الذي ينبت

في السنبل أضراس الجراد

امسحيه ثمرا من سمرة

الشمس على طعم الرماد

امسحي الميت الذي ما برحت

تخضر فيه لحية، فخذ، وأمعاء تطول))90

في هذه الصورة يستحيل الاخضرار «من رمز خصب وتجسيد للحياة والوعد والأمل، إلى تجسيد لإعادة خلق الشر وتعميقه وتطويره إلى شر أكبر»91 على نحو يفقد فيه الاخضرار «كل ماله من دلالات، ليكتسب دلالة وحيدة صاعقة: الطول والنمو – وكلا الطول والنمو فيض للرعب ودفق للشر»92.

يلفت النظر من بين مكونات ((البساتين والمزارع)) البئر. وقد وظف سيف ما يتصف به من بعد الغور والقرار في التعبير عن مستويات سيكولوجية عميقة في غور النفس البشرية:

))في هذه اللحظة بالذات

يستيقظ الليل بقوائمه الكبيرة،

ويسند إلي مهمة إزعاج النيام

في هذه اللحظة يعجن سراق المسافات..

يعجنون المدن والدروب والأصدقاء،

فيسقط في رأسي خاتم الذكرى

كنجمة في بئر لا قعر له، حيث

أستيقظ على رنينها بعد قرون))93.

في هذا المقطع الذي تأتلف فيه آليات تصوير متداخلة، يبدو رأس سيف بئرا تستقر الذكرى في قراره العميق، ولا تعمل عملها في إثارة أشجانه، وتحريك مخيلته الفنية، إلا بعد فترة طويلة نسبيا من غياب مصدرها. وقد عبَّر سيف، في مواضع شتى من شعره ونثره، عن ضرورة غياب ((الأمكنة)) و))الأشخاص)) حتى يتاح لها أن تعمل عملها في تحريك مخيلته الفنية.

( 5 )

للحرب مكانة خاصة في شعر سيف، من حيث حضورها العددي والمعنوي. لقد بلغت الصور الشعرية المستمدة من مصدر ((الحرب)) (97 صورة) بما يعادل نسبة ( 14 %) من إجمالي الصور المستخرجة من مجال ((الحياة اليومية)). وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا المجال ينقسم إلى ( 26 تصنيفا أساسيا وفرعيا)، وكان للحرب من بينها النسبة المذكورة، أدركنا مساحة الحضور النصي التي حظيت بها ((الحرب)).

رأى سيف في ((الحرب)) مصدرا ثريا للتصوير الشعري، فوظفه توظيفا مميزا عبَّر فيه عن مختلف أشكال الحياة وتجلياتها ومستوياتها. وبعبارة مختصرة فإن الحرب هي الحياة:

-))جثث

تتسلق القطارات العائدة من حرب الأيام

الستة.

وتوزع منشوراتها على الغيم الصامت

في فوهات البنادق))94.

-))الفجر ينصب متاريسه

أمام غرفتي

وأنا أعزل إلا من كلمات

تحلم بالخروج

سأكون وحيدا كالعادة في مواجهة

جيوش النمل والسلطعونات

وأنواع الطيور وهي تسبح بأفراسها

في الضوء))95.

– ((هكذا تندلع حروب تغرق فيها

سفن الأفكار

وهكذا أيضا أحلم

أنني قائد أوركسترا

في جزر

تشتعل فيها النيران))96.

– ((أبدا

تولد أعمالك ناقصة

ولا تكتمل إلا في جنون موج تائه

أو في رأس

هشمته

الحروب))97.

عبر سيف في النموذج الأول عن حياة الناس العملية بـ ((الأيام الستة))، في إشارة إلى أيام العمل الوظيفي واستثناء يوم الإجازة. وقد صوَّر هذه الحياة العملية بالحرب، وصوَّر عموم الناس المنخرطين فيها بالجثث. وفي النموذج الثاني يبدو الفجر في بزوغه جيشا من الحشرات والكائنات التي تستعد لشن هجومها الكاسح على سيف. أما النموذجان الثالث والرابع فيصوران عالم الأفكار حربا طاحنة تعصف برأس سيف. وبحسب النماذج الأربعة تبدو حياة سيف في مستوييها الذاتي والاجتماعي حربا شرسة يتحمل أعباء مواجهتها بعناء كبير.

إن هذا الحضور المتميز للحرب في شعرية سيف ذو دلالة على جانب من شخصيته وتكوينه العصبي. وبحسب قراءتنا لصور هذا المصدر يبدو لنا سيف عدوانيا ذا روح تتوثب إلى مواجهة المجتمع ومصادمته. وبدلا من أن ينظر إلى المجتمع بأفراده وتشكيلاته الاجتماعية باعتباره ضحيةً لقيم اجتماعية وثقافية بالية وعتيقة لا بد من العمل على تحريره منها للارتقاء به نحو حياة أفضل وأرقى وأصدق، ينظر إليه باعتباره مجرمًُا يخنق كل روح تائقة إلى الحرية والانطلاق، وإذن فلا بد من مواجهته عبر الحرب الفكرية والفنية للحد من ظلمه وطغيانه. إن هذه الروح العدوانية تجد بذورها الأولى في أيام الطفولة حيث الأب الصارم الذي لا يمتنع عن إيقاع العقوبة المادية أو المعنوية بالابن الذي يغلب عليه حب الفضول والاستطلاع فيخرق التعليمات الأبوية الصارمة98. إن هذه المعاملة القاسية نسبيا أسهمت في تشكيل مزاج عصبي يميل إلى العدوان والمصادمة. وبحسب (منازل الخطوة الأولى) حفلت طفولة سيف بالعديد من المشاجرات العنيفة التي بلغت حد إلحاق أذى جسدي بالغ بالخصوم. فضلا عن تعامل مع الحيوانات ينم عن قسوة وجفاء في الطبع:

«هكذا اندفع الخصمان في عراك بالأيدي ((والبكس)) واللكمات المتبادلة، ولم يحسم الموقف لصالح أحد، وحين تعبا، افترقت الأيدي تحت لهب التهديد القادم، ولم تمر لحظات ريثما يدخل سعد البيت وفي يده مسحاة. حاول الصبي تفادي آلة الحرث بصخرة التقطها من الأرض، لكن الحركة المباغتة للمسحاة على رأس الصبي مصحوبة بغيمة شرود جرفت سعد إلى سطح بعيد، أنهت الأمر وسقط الصبي بضربتين على يمين الرأس ويساره كما أثبت التشخيص اللاحق»99.

«وعلى أي حال هو الآن ينزل عن حماره الأسود ذي العين الواحدة بعد أن وقف الفلج السابل عقبة أمام الحمار الجافل من دفق المياه، نزل وفي يده العصى ينهال ضربا على الحمار من الخلف كي يجبره على اقتحام المياه واجتيازها، والحمار يتهيب، يجفل، يضطرب وينوخ أحيانا بقائمتيه الأماميتين، لكن لا مخرج من هذا المأزق والعصا تزداد لسعا على جسد الحمار الذي لا يمكنه الهرب ولا الاقتحام، ثم أشاح برجله باتجاه سعد كإشارة تحذير لذلك الذي رباه وأطعمه القت المسروق، لكن تبين أنه لا فائدة من ذلك حتى رفس رفسته القوية السكرى فسقط سعد مصابا في فكه الأسفل مما اضطر أهله لاحقا إلى حمله إلى المستشفى»100.

يبين الاقتباس الأول كيف أن سيفا انخرط في شجار عنيف مع أحد الصبية انتهى به إلى ارتكاب ما يشبه ((الجنحة))، حيث شجَّ رأس الصبي في جانبين على يمين الرأس ويساره بمسحاة لجأ إليها ليحسم الصراع الذي كاد أن ينتهي متعادلا. ويعكس الاقتباس الثاني طريقة تعامل سيف مع حماره، وهي طريقة غلب عليها جفاء الطبع وقسوة القلب. لقد كان الحمار خائفا وجلا من اجتياز الفلج الذي يعترض بمياهه طريقهما، وبدلا من تفهم خوفه ووجله حمل عليه سيف بالعصى كي يجبره على اقتحام المياه، وأمعن في ضربه على نحو غير طبيعي ينم على مقدار كبير من القسوة والغلظة، مما اضطر الحمار إلى إيذاء سيف أذى بالغا ليفهمه أن لا فائدة من إجباره على خوض الماء.

إن هذين النموذجين المورديْن لا يمثلان سوى حادثتين من حوادث العنف التي حفلت بها طفولة سيف : من شجار متكرر مع الأطفال101، وتحريش للحيوانات لتقاتل بعضها بعضا أو لتعدو ذكرانها على إناثها102، ونبش للمقابر بحثا عن جماجم الموتى103.

3: الحيوان:

بلغت صور الحياة الحيوانية (281 صورة)، أي ما نسبته ( 10.15 %) من مجمل الصور المستخرجة من شعر سيف.

( 1 )

بلغت صور الحيوانات المفترسة (61 صورة). ومن بين هذا المجموع شغل الذئب ما نسبته (39.34%) من إجمالي صور الحيوانات المفترسة، وهي أعلى نسبة حصل عليها حيوان مفترس، مما يعكس حضورا واضحا له في شعر سيف ورصيده الفني الواعي واللاواعي.

تعكس مقاربة الصور الشعرية التي مثل الذئب طرفها الثاني خصوصية يحظى بها الذئب في وجدان سيف ومخيلته.

في 4 صور من أصل 24 صورة يعادل الذئب القطار. وباستحضار مسلسل السفر المتواصل الذي لوَّن حياة سيف وطبعها بطابعه الخاص، واستحضار القطارات كوسيلة نقل أساسية اعتمدها سيف في رحلاته المتواصلة، باستحضار هذا وذاك، يتضح عمق المكانة التي حظي بها الذئب في وجدان سيف ومخيلته عندما اختاره معادلا فنيا للقطار:

– ((حيث تتقاطع طرق الشمال والجنوب بكراهية

والقطارات تسرح في خيال النائم كالذئاب))104.

– ((كان الليل يتكور مثل قتيل في الحانة

والشارع يتلوى جوعا باحثا عن

فريسة، تخترقه بين الفترة والأخرى

جلبة قطارات تشبه لغط ذئاب))105.

وفي ( 13 صورة) من أصل الأربع والعشرين صورة المذكورة، أي بما يعادل نسبة (54.1%)، يقترن الذئب بشخصية سيف قرانا مباشرا على نحو يعكس علاقة روحية مميزة ونادرة، على نحو ما نرى في النماذج الآتية:

في قصيدة ((سهرة)) حيث الحديث عن الرغبة العارمة في إحياء سهرة صاخبة تنتزع ((مجد هذه الليلة من حنجرة الوقت))106، يبدو المشاركون في الحفلة من أصدقاء سيف ذئابا صغيرة:

-))الأبواب مشرعة منذ القدم، تدخل منها

ذئاب صغيرة، تشارك المدعوين

في الرقص))107.

-))ومن هذا المكان رحل الجميع إلى بيوتهم، تاركين

ذئابا صغيرة في ديكور الصالة))108.

إن استعارة الذئاب للتعبير عن جانب شديد الخصوصية من حياة سيف (أصدقائه وندمائه) ترتقي مرتبة أعلى حيث تتصل بطبيعة حياة سيف ونمط تجربته المعيشية:

-))الفجر ينتشر في غرفتي كذئب،

يتقدمه زحف عوائه نحو

قرية مهجورة))109.

-))مفتاح الهاوية كأس:

تلكم حياتنا التي نسرقها من فم الذئاب))110.

-))استمعوا إلى نصيحة الذئب

قبل فوات الأوان))111.

في المقطع الأول يصف سيف الذئب بأوصاف تقربه من حياته: حياة السفر المستمر باتجاه مناطق مجهولة. وفي المقطع الثاني تبدو حياة سيف مسروقة من فم الذئاب، أي منطبعة بطبيعة ذئبية. والمقطع الثالث دعوة صريحة إلى الإنصات لنصيحة الذئب. وضم المقاطع الثلاثة بعضها إلى بعض يبين كيف يستعير سيف الذئب للتعبير عن طبيعة حياته التي يحياها أو يدعو إليها.

تتجاوز علاقة سيف بالذئب ما أشرنا إليه أعلاه، وتتطور إلى حد التماهي والتماثل، فيغدو الذئب رمزا يعبِّر عن سيف:

– ((عندما أسافر إلى بلد

تسبقني إليه الإشاعات

فأنتشي،

مثل ذئب تسبقه أحلامه نحو الفريسة

ولا أصل))112.

– ((من التفاتة ذئب أرى في ضحكته

هجرة الأسلاف، انفجرت هذه

الطرق التي لا ينام فيها المسافر إلا

ورأسه مسنود إلى معضلة

وربما يحلم بعد كأس النبيذ أنه

راحل غدا

وأن شرايينه تتوزع في عينيْ

جائع، يتسلق صرخة احتجاج

عبر المسافات التي أفرغت عواءها

في قلبه))113.

في المقطع الأول يبدو سيف ذئبا في إطار تشبيه مكتمل الأركان. وفي الثاني يمثل الذئب داعي سيف إلى السفر والهجرة، وتتطور العلاقة بينهما إلى حد الامتزاج والتماهي، عبر المعادلة الآتية:

المسافة = الذئب (من خلال العبارة: عواء المسافات)

المسافة/الذئب = سيف (من خلال العبارة: المسافات التي أفرغت عواءها في قلبه)

الذئب = سيف

إن هذا التأويل (سيف/الذئب) يضيء صورة وردت في مجموعة مبكرة من مجموعات سيف الشعرية (أجراس القطيعة)، وكانت منبهمةً غامضةَ الدلالة. وقد وردت في سياق سياسي يعرِّض بالحرب الأهلية اللبنانية:

))سيل من الارتعاشات على

جديلة طفل مات في بيروت

ممسحة وأقلام رصاص دامعة

يحملها ذئب إلى وعل ميت

في غرفة العمليات))114.

قبل استبطان دلالة رمز الذئب، وإزاحة النقاب عن العلاقة الروحية التي تصل سيفا بالذئب، تبدو صورة الذئب نابية في سياقها، ملتبسة الدلالة. ولكن بعد تكشُّف الدلالة تنجلي تفاصيل المشهد حيث الحديث عن طفل أصيب في إحدى شوارع بيروت، وسقطت من حقيبته ممحاة وأقلام رصاص. وبتعاطف بالغ حمل سيف عدة الطفل الدراسية (الأقلام والممحاة) إلى غرفة العمليات، لتأكيد حق الطفولة في العلم والمعرفة على رغم أنف الحروب وظلاميتها.

قد لا يبدو شديدَ الغرابة ملاحظةُ بعض التعاطف مع رمز الذئب. لكن الغريب الذي يستدعي الدهشة هو تلك المماهاةُ بين سيف والذئب على النحو الذي وضحناه أعلاه لاسيما وأن الذئب مشهور –في التراث العربي الأدبي والشعبي – بالغدر والخيانة. وما يرفع هذه الغرابةَ ويزيل دهشتها إدراكنا أن لهذه الصورة بذرة تعود إلى فترة مبكرة من حياة سيف ووعيه بذاته وشخصيته. تعود صورة (سيف/ الذئب) إلى حادثة عراك مع أحد الصبية115 في ((سرور)) أسفرت عن شجِّ رأس الصبي بمسحاة حبس سيف على إثرها في سجن قلعة الوالي:

«مرت الأيام من غير ذلك الحزن الذي يشتهر به السجين عادة، فإلى جانب هذه العشرة الجديدة، كانت الزيارات لا تنقطع من أقارب أمه في المنطقة التي يقع فيها الحصن، حتى تأكد الوالي من عدم موت الصبي وتماثله للشفاء في مستشفى البندر. وفي يوم إطلاق سراحه دعاه الوالي مع أبنائه وأقاربه وقال له: ((أنت ذئب)) ليعود بعد فترة مسكونا بهذه العبارة البطولية ويرتكب شجارا آخر يؤدي به إلى أربعة أيام أخرى»116.

ليست مخيلة سيف الصبي وحدها التي سكنت بهذه الصورة البطولية، حتى مخيلة سيف الأديب امتلأت بها إلى حد استعمالها أداة تشكيلية تصويرية تتغلغل في نسيج العديد من القصائد والمقاطع الشعرية.

( 2 )

(فارس المأساة) تلك هي الصورة النواة القابعة في قلب توظيفات مصدر ((الخيل)). لم يكن سيف يواجه مظاهر ضعفه وعزلته باستخذاء وخور نفسي. لقد كان شديد الاعتداد بتلك الآلام التي تحفر عميقا في حياته لتعمل على تشكيل ملامحها ورسم قسماتها. إنها حالة نفسية خاصة نقف عليها بدراسة الصور الفنية المستمدة من مصدر ((الحصان)).

من بين أصناف الحيوانات الأليفة يمتلئ الحصان شموخا وعنفوانا، وروعة وجمالا. وعلى الرغم من ذلك استعار سيف تلك المظاهر الممتلئة بمعاني الحياة للتعبير عن حالات ضعفه وانكساره. وبهذه الآلية المفارقة أخذت فكرة (فارس المأساة) القابعة في قرار فكر سيف طريقها إلى النور:

-))تصهل السنوات في نهر الوحدة

المتدفق كشلال ضحايا

فكأنما الفضاء حديقة للكلام))117.

-))صراخ نافر مثل عنق الحصان

صراخ أم سعال أم استغاثة غريق

هذا القادم

من صدفة الأعماق

من خرائب الذكرى))118.

في الصورة الأولى توصف سنوات العزلة بمظاهر ممتلئة بصخب الحياة وضجيجها، عبر استعارة ((الحصان الصاهل)) و ((الشلال المتدفق)). وفي الصورة الثانية تستعار هيئة ((عنق الحصان)) النافرة، المجسدة لمعاني الشموخ والإباء، للتعبير عن خلل فسيولوجي هو ((السعال)). وفي الصورتين يجسد اقتران الحصان بمظاهر العزلة والضعف اعتدادا نفسيا عميقا بالعزلة والضعف، كونها ضريبة المسار الذي اختاره والتزم به، وهو مسار التفرد والخصوصية.

4- الطبيعة:

بلغت صور الطبيعة ( 579 صورة) من مجمل الصور الشعرية المستخرجة من شعر سيف والبالغة ( 2768 صورة)، أي بما يعادل نسبة ( 20.9 %).

( 1 )

على مستوى التصوير الفني، عني سيف بالحيِّز الذي توفره الآفاق والفضاءات المكانية، فاستعاره للتعبير عن عوالمه الداخلية العقلية النفسية. وعُنِيَ بما تمثله من مجهول وغائب، فاستثمره في  تصوير رحلاته ووسائل التنقل فيها. وفي الاستعارتين دلالتان هامتان:

في الدلالة الأولى يمتزج العالم الخارجي بالعالم الداخلي في رؤية سيف الفنية. لذلك نجد العالم الداخلي امتدادا لكل مظاهر العالم الخارجي وتكويناته، ولاسيما فيما يتصل بالفضاءات المكانية.

وفي الثانية يمثل اكتشاف الآفاق، وارتياد مجاهلها، دافع سيف إلى تدشين مشوار السفر المتواصل الذي شكل عاملا أساسيا من عوامل تكوين الذات وبناء الشخصية.

من نماذج الاستعارة الأولى:

))مزجنا دماء القطارات بشهوة الصباح

كانت عمان وردة الانطفاء

باركتنا

أطلقت علينا وحشة القطارات

نخل يستيقظ على صفير الآفاق

يأخذ زوادة الحلم ويمضي))119.

يرد هذا المقطع في سياق يجسد الظروف النفسية التي سبقت ورافقت مشروع سيف في السفر والارتحال. وفيه يتخذ سيف رمز ((النخل)). وتبدو القطارات ((آفاقا)) تغري على الرحيل سعيا إلى استكشاف المجهول وفض أسراره.

ومن نماذج الاستعارة الثانية:

))رأيت ذئبا يتجول في تلة أفق

بعيد أظنه رأسي))120.

في هذه الصورة يمتزج الأفق برأس سيف ليدل أحدهما على الآخر، ويمثل أحدهما امتدادا للآخر.

( 2 )

تمثل السماء في رؤية العين المجردة سقف العالم، وغطاء الفضاء المكاني الممتد، ومن ثم فهي عنصر من عناصر ((الحاوية المكانية)). وقد وظفها سيف في تجسيد بعض الحالات الفكرية والذهنية، وفي التعبير عن بعض الظواهر المادية المتضمنة لعناصر عديدة. فمن نماذج الحالة الأولى:

))عبرتنا رائحة الطفولات الهاذية

تحت سماء الأسطورة

والقصائد النازفة أضوية مقتولة:

حيث يركض طفل في حقل رؤاه

وتمطر السماء جثثا نحسبها

عصافير))121.

ومن نماذج الحالة الثانية:

((شجرة الفرصاد الأولى، في قعر دارنا

أتذكرها الآن

سماء عصافير يجفل منها الغيم))122.

وفي صور ثلاث أخرى، نلمح توظيفا عجيبا ورائعا يمثل تداخل عناصر الطبيعة الخارجية نفسها، وليس تداخل عناصر العالم الخارجي بعناصر العالم الداخلي. وفي هذه الصور تستند تلك التوظيفات الفنية إلى صورة نواة هي ( الأرض = السماء):

-))أمشي أحس أن تحت قدمي

سماء تضطرب بكامل ضحاياها

وفوق رأسي أرض توقفت عن

الدوران))123.

– ((سماء تهذي تحت طاولة الكتابة))124.

– ((هكذا وسط هذا العالم، وبين كثبان هاوياته المطلة على سماء مقفرة بكماء، تقيم الحياة قسمتها الأخيرة، وتستمر شتاءات الجراد في التفقيس والانتشار والهلاك))125.

في المقاطع الشعرية الثلاثة تبادلت الأرض والسماء موقعيهما، وحلَّ أحدهما محلَّ الآخر. وفي تبادل المواقع هذا تعبير عن اضطراب الإدراك والتباس الرؤية واختلاط المدركات، في إطار سياقات حياتية وفكرية تتمتع بخصوصية في مجال الرؤية والإدراك، كسياق تداعي الذكريات وطغيان الماضي في النموذج الأول، وسياق الإبداع في النموذج الثاني، وسياق ارتياد مجاهل الربع الخالي في النموذج الثالث.

( 3 )

من أصل (14 صورة) مشتقة من مصدر ((الضوء)). ارتبطت ( 11 صورة) بمعاني القتل والضياع والهزيمة والضعف. وذلك بنسبة ( 78.6%). وثلاث صور ارتبط الضوء فيها بالحب، بما نسبته (21.4%)، وفي الصور الثلاث الأخيرة تبدو تجربة الحب المستقى منها التصوير تجربة ألم وعناء.

ينسجم هذا التوظيف لمصدر (الضوء) مع رؤية سيف الفنية العامة المغرقة في التشاؤم والعدمية. وينسجم على نحو خاص جدا مع الصور المستخلصة من مصدر ((المرض)) التي عالجناها في صور الحياة الإنسانية.

نموذج على صور الفئة الأولى حيث يرتبط الضوء بالقتل والضياع:

))لم تكن وليدة تخطيط ولا صدفة

كانت هكذا وحيدة

تطلق صرخة الضياع في

مهب القارات

مثل منارة خلعت ضوءها للبحر))126.

تناظر صرخة الضياع الأضواء الإرشادية التي ترسلها المنارات في عمق البحر. وفي قران الضوء بالضياع جدل معنوي يحط من قدر الأول بمقدار ما يرفع من قدر الثاني.

ومن نماذج الفئة الثانية حيث يرتبط الضوء بمعنى الحب المؤلم الممض:

))وجهك المليء بالنعاس والضجر

من هذا العالم،

وجهك الذي يشبه توتر طائر

مأخوذ فوق بحيرة، أطلُّ منها

على هاوية حبي، فأرى

في عمق الغابة عينيك تضيئان

سنيَّ حياتي

فأبكي))127.

إن الضوء الذي تشعُّه عينا الحبيبة ذات الوجه المليء بالنعاس والضجر من هذا العالم، لا ينير سوى مكامن الألم والشقاء على نحو يحمل سيفا على البكاء.

( 4 )

يتمتع السديم بخصائص طبيعية شعرية ترشحه لتغليف الأحداث بهالات حلمية خيالية. وقد عمل سيف على استثمار إمكانيات السديم الشعرية في التعبير عن الحالات الذهنية أو الفسيولوجية التي تسيطر على الأشياء والناس:

-))واستدار الجبل الأخضر استدارة الفحل

إلى إناثه الرابضات في سديم الشهوة

آمرا إياهن باقتحام إشراقات الرجولة))128.

-))حين سقطت في حدقة الليل العميق

وتطلعت في مرايا النهار الخفي

رأيت ما يشبه السديم رابضا في

بؤبؤ عيني))129.

في الصورتين يستثمر سيف صفة الامتداد والانتشار لدى السديم، وطبيعته الهلامية الموحية، للتعبير عن حالة الشهوة في الصورة الأولى، والحلم في الصورة الثانية.

(5)

مثلت المغارة، بحكم كونها فتحة طبيعية في الصخور والجبال، وبالنسبة لغالبية الناس، منطقةً مجهولة ومخيفة ومليئة بالألغاز. وقد استثمر سيف هذا الجانب المجهول والمغيَّب من الكهوف والمغارات في التعبير عن مستويات سيكولوجية عميقة تتصف بالغموض والاستغلاق. بحسب الصور الآتية يبدو عمق سيف النفسي كهفا:

-))الصرخة الغائرة في أحشائي

كحيوان مطمور في كهف، تتجول

بين النائمين مع جندها الغرباء

وتجبرهم على المضي معها نحو

أقاصي مجهولة))130.

– ((كل شيء يهرب من بين أيدينا

ويتسلل إلى جرح في قارة مهجورة

وفي الجرح تنام آلاف الجثث المخمرة

حيث لا أضواء ولا حنان أفتقد غيابه))131.

في الصورة الأولى تمتح صرخة سيف من نبع عميق يفيض في أعماقه، وهو نبع مجهول حتى لسيف نفسه. لذلك عبَّر عنه بـ ((الكهف)). وفي الصورة الثانية يتخذ لاوعي سيف صورة الكهف (جرح في قارة مهجورة). وبهذه الاستعارة حقق سيف للاوعي صفة الاستغلاق حتى على صاحبه نفسه (حيث لا أضواء ولا حنان أفتقد غيابه).

لا يقتصر ((الكهف)) على تصوير سيكولوجية سيف. إنه يتجاوز ذلك للتعبير عن سيف نفسه، ونمط حياته، الذيْن هما، بالنسبة للآخرين، عالم مغلق على ذاته مليء بالأسرار والألغاز:

))عليك أن تتبع قمر الرحيل الممتد

من الماء إلى اليابسة، ومن اليابسة إلى

القبر

كي تلمح شبحا في كهف

جنيّ يرتجف خوفا من الله

وينام على فخذ

الشيطان))132.

يبدو سيف في هذه الصورة ((شبحا في كهف))، وفي التعبير دلالة على ضبابية حياة سيف ونمط شخصيته في تقييم عموم الناس.

( 6 )

نَظَرَ سيف إلى ((الجزيرة)) وفقا لزاويتين اثنتين: بعدها ونأيها، وانعزالها وسط محيط مائي. ووفقا لكل زاوية مثلت الجزيرة جانبا من جوانب حياة سيف.

بالنظر إلى بعد الجزيرة ونأيها في عمق البحار، كانت بمثابة الداعي إلى السفر. ذلك أنها، بحكم بعدها، عالم مجهول غامض يغري بالاستكشاف:

– ((يا أيتها البلدان النائية في روحي

أيتها الجزر المستيقظة في

حلم القطارات

اقتربي قليلا

أو ابتعدي كثيرا

أنت خطيئتنا الأزلية))133.

– ((لا ننام إلا لكي نستيقظ

في أحلام أخرى

وجزر أخرى))134.

إن أحلام السفر التي عبر عنها سيف بـ ((حلم القطارات)) في المقطع الأول، ارتبطت بـ ((الجزر)) في المقطعين. في المقطع الأول تمثل البلدان التي يقصدها سيف في سفره ((جزرا تستيقظ في أحلام القطارات)). إن تلك البلدان التي يتطلع سيف إلى استكشافها وارتياد مدنها وشوارعها أشبه بالجزر التي تقبع في عمق المحيط وتغري المغامرين باقتحامه لبلوغها واستطلاع أوضاعها.

وبالنظر إلى انعزال الجزيرة وسط محيط مائي، مثلت ((أصدقاءَ)) سيف من المفكرين والأدباء الذي عانوا العزل الاجتماعي والتهميش الإعلامي:

))يستنطقون العربات المارة

بوجوههم التي تشبه جزرا

تهذي في أحشاء محيط))135.

5- الثقافة:

بلغت الصور المستمدة من مجالات الثقافة ( 148 صورة)، بما يعادل نسبة ( 5.35 %)، من إجمالي الصور المستخرجة من شعر سيف.

( 1 )

تعادل فكرة الإله، في شعرية سيف، المعايير والقيم التي يؤمن بها الإنسان ويلتزم بها خطًّا فكريا ومسارا حياتيا. وسيف كما تعكس صوره الفنية يسعى إلى أن يستبدل بإلهه المحلي (المعايير والقيم المحلية) إلها آخر (معايير وقيما جديدة):

))دماؤك بللت شفاهي

بالأمطار الوثنية

فطفقت باحثا عن إلهي الآخر

في أرخبيلات الجنون

لم ترضعني أم

لم تأوني بلاد

استيقظت فرأيت القطارات

تنهب عمري

بمخمل المسافات))136.

استوطن سيف القطارات، وكان هيامه بها ضربا من وثنية جديدة اعتنقها. وفي ضوء معطياتها فكك أنساقه الثقافية القديمة، لصالح أنساق جديدة عبَّر عنها بـ ( إلهه الآخر). إن التجارب الغنية الفكرية والحياتية التي خبرها سيف في ترحاله المستمر كوَّنت لديه موقفا سلبيا من المعتقدات الدينية التقليدية. وقد حمله موقفه السلبي هذا على التمرد على منظومة المعتقدات الدينية، والبحث عن بديل آخر في منظومة قيم ومبادئ جديدة. وكما يشير النص أعلاه، جرت عملية البحث عن البديل في ضوء حدس وخيال ذَوَيْ طبيعة جنونية، بعيدا عن المنهجية العقلانية المنطقية، وهو ما عبَّر عنه بـ(أرخبيلات الجنون).

لقد تجلَّى الإله الجديد (منظومة القيم الجديدة) الذي يبحث عنه سيف في بعض مظاهر الحضارة الجديدة مما يتصل بالفن والإبداع حيث إنتاج التصورات الجديدة عن الإنسان والحياة والعالم:

)) روما

عظامك ناتئة كعربات الإسعاف

لكنك الإله المجنون في مخيلة السماء

أصرخ في شرايينك

العطنة:

أنجلو

فلليني

أيتها الأشياء الراحلة في معراج العدم

ما زلت يقين الدهشة

فوضى الجمال في

انسيابها الحزين))137.

إن روما بفنها الراقي ((إله مجنون)). وتعزز صفة الجنون المسندة إلى ((الإله)) ما أشرنا إليه من أن الأُلوهية (المعرفة الخلقية القيمية) التي ينشدها سيف هي تلك التي يوحي بها الفن ويومئ إليها الخيال والحدس، وليست تلك القائمة على منهج العلم والمنطق. لم يؤمن سيف بالعلم، كما يدل عموم شعره  ونثره، ولم ير فيه أكثر من إبداع أدوات الدمار والفناء، وتكريس واقع الظلم والاستبداد:

)) لم يحدث أن يضيع وجه الضحية في تضاريس وجه جلادها ويتلاشى، بسبب هذا النوع من التطور التكنولوجي في مجال الأسلحة والإعلام وتسخير جل المعارف التي أبدعها العقل والمخيلة البشريان عبر آلاف السنين لخدمة هذا السياق الأحادي من التطور الذي تصب في بؤرته كل التعدديات والجغرافيات والمصادر المادية والعقلية الممكنة والمستحيلة لتبقى أرومة الحلبات الرومانية بأباطرتها وعبيدها وتوثب غرائزها المتوحشة هي المتربعة في سدَّة هذه الحضارة على المستوى الكوني))138.

بحسب صورة (روما الإله المجنون) ارتبطت فكرة الإله بالأدب والفن المبدعين. وإذا كانت الألوهة فنا وأدبا فمن المتوقع أن يحصل الشاعر على وسام الألوهة/الإبداع:

))من الشاعر الذي يخلق من بول

الضفادع رضاب ملاك))139.

إن الشاعر الحقيقي إله، إذ إنه يصنع، مما اتُفِقَ على وصفه بالتافه الوضيع من الألفاظ والمعاني، فنًّا جميلا يغنى روح الإنسان ووجدانه. وفي الصورة المذكورة موقف من طبيعة اللغة التي يكتب بها الشاعر ونوعية القضايا التي يتطرق إليها. في إطار الشعر والأدب ليست من ألفاظ شريفة وأخرى وضيعة، ومعانٍ سامية، وأخرى حقيرة. إن الشعر الحقيقي مصنع يجرِّد المدخلات اللفظية والمعنوية من أية تحديدات وتقييمات مسبقة، ويصهرها في أتون المخيلة الخصبة، لينتج منها أدبا جميلا رائعا يثير خيال القارئ ويحرك وجدانه، فيتفاعل معه هذا الأخير ويتابعه بقدر ما أثار من خياله وحرك من وجدانه.

على النحو الذي قدَّس به سيف الأدب والفن، ورأى فيه إلها خالقا، قدَّس الطبيعة العذراء النقية من دنس الآلة الحضارية المدمرة:

))وروت عنه الأيائل الذبيحة

بقسوة الرعاة وحنانهم

أنه تنهد ذات ليلة فخرجت منه

بحار، وقيل شعوب من فقراء النجوم

ناء بحملهم فقذفهم نحو سماء بعيدة

وهناك كانت فرق هولاكو بانتظار

القادمين بالحراب المساومة . .

إنه الجبل الأخضر))140.

يبدو الجبل الأخضر، في هذا المقطع الشعري، إلها أبدع لوحة الكون، إذ فجَّر البحار بتنهيدة، وطرَّز السماء بنجوم اشتبكت مع الشهب والنيازك في ملحمة سماوية.

تشير هذه الصورة، وقصيدة الجبل الأخضر برمتها، إلى أن العودة إلى الطبيعة في صورتها البكر العذراء بعيدا عن آلة العمران الإنسانية، تذكي في الإنسان أسئلة وجودية كبرى: من أين؟ إلى أين؟ كيف؟ لماذا؟. وبقدر ما تذكي تلك الأسئلةَ تلهمُ الإنسان إجابات أسطورية تفترض المبتدى والمنتهى والغاية. وليست تلك الإجابات الأسطورية أكثر من قراءة فنية لمظاهر الكون، يبدو فيها الفضاء المكاني مسرحا شهد حركة الإله/البطل كفنان مبدع صمم هيكل الكون، ورسم زواياه، وأفاض كائناته. في رحاب الطبيعة البكر في الجبل الأخضر، وفي غمرة تداعيات أسئلة الوجود وإجاباتها الأسطورية التي غزت مخيلة سيف، امتطى الجبل الأخضر صهوة الألوهة فكان الفارس/الإله كما يصور المقطع. ولكن لما كان اضطلاع ((الطبيعة)) بأدوار الألوهية لا يعدو أن يكون ((فكرة إنسانية محضة))، تنحَّى الجبل الأخضر عن هذا الدور ليضطلع به اليعربي (صانع التاريخ العماني):

))وابتدأت أسطورة التكوين

في ذاك النهار، وجاء اليعربي

على حصان البرق ممتشقا تضاريس الجهات …

وأمر الفضاء أن يستدير كالترس

فاستدار

وقال للأرض كوني في شكل تفاحة

فكانت

والنساء أن يحبلن بتوائم من فولاذ

والأشجار أساطيل يركعن عنف

البحار

والبحار سجادة لصلاة الشعراء …

وابتدأت أسطورة التكوين))141.

يبدو اليعربي، في هذا المقطع، فارسا يجوب ساحة الفضاء أرضا وسماء، يبدع الأفق في هيئة الترس، والأرض في شكل التفاحة، ويصنع من الأشجار أفلاكا وسفنا تُخضِع البحار، ويضطلع بغيرها من مهام الخلق والتكوين. والمقطع جميل ومثير، ويتمتع بتماسك داخلي كبير، وفقا لرؤية متسلسلة ونامية، على نحو مدهش وعجيب. إنها رؤية فنية تعكس نفسا أسطوريا في التعاطي مع مظاهر الطبيعة ومحاولة تفسيرها.

قد يرى البعض في تصوير سيف للإنسان بالإله تعارضا مع ما سبق أن سقناه من رفض سيف للفكرة الدينية (الإنسان مركز الكون وخليفة الله فيه) في مقاربتنا للصور المستمدة من فكرة ((الإمارة والسيادة))142. ونرفع هذا التعارض بالإشارة إلى أن تصوير الإنسان بالإله يتم على مستوى المعتقد الذاتي، بخلاف تصوير الطبيعة بالإله الذي يتم على مستوى الواقع الموضوعي. كل إنسان يصنع معتقده الخاص عن نشأة الكون، فينسبه لله بحسب المعتقد الديني، وينسبه للطبيعة بحسب المعتقد المادي، وقد ينسبه إلى غير ذلك بحسب ما يتبناه من معتقدات وتصورات. في ضوء ذلك يبدو  الإنسان إله معتقده عن الكون والإنسان والنشأة الأولى والمصير…إلخ، أي أنه خالق ذلك المعتقد وتلك الفكرة. وبحسب تقديرنا، يشتغل تصوير سيف للإنسان بالإله على هذا المستوى دون مستوى الواقع الموضوعي.

في الخلاصة، نرى أن سيفا ثمَّن فكرة الألوهية –ربما على نحو غير واع- تثمينا إيجابيا. وبحسب هذه الرؤية الإيجابية لفكرة الألوهة، لابد للإنسان من إله يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه. وليس بالضرورة أن يكون هذا الإله كيانا ميتافيزيقيا منفصلا عن الكون الفيزيقي، فقد يكون ((قيما ومبادئ ومعايير)) تضبط سلوك الإنسان.

( 2 )

بحسب توظيف ((فكرة الإله)) في صور سيف، لابد للإنسان من قيم ومثل عليا يعيش على هديها. ولا تنحصر علاقة الإنسان بقيمه ومبادئه في دور الاهتداء والاسترشاد، إذ تتجاوزه إلى دور التضحية والفداء في سبيل تمسكه بها والتبشير بها. ومع الاضطلاع بدور ((المضحي)) يرى النورَ الدور الفني التصويري الذي تجسده ((فكرة النبي)) في شعرية سيف ومخيلته الفنية. في قصيدة الجبل الأخضر يتضح جليا هذا الانتقال من دور الإله (المعايير والقيم والمبادئ) إلى دور النبي (التبشير والتضحية). في سياق الحديث عن اليعربي (الفارس/الإله) يتحد المتحدث/سيف، باليعربي/الإله، ليبدو فارسا منتشيا بمجد إرادته وعزمه:

))وابتدأت أسطورة التكوين

وابتدأت أسطورة الخراب

وكانت نجمة في البحر تلهج باسمه

قيل كانت عاشقة

واحتشدت قبائل النجوم

في جبين كل نجمة أغنية للموت

أغنية للحب

واحترقت بلابل النشيد

تحية للغيم))143.

بعد هذا المقطع الذي يصور احتفاء الطبيعة باليعربي الفارس الإله، والمتشكل نصيا باستخدام ضمير الغائب، يتحول سيف مباشرة إلى استخدام ضمير المتكلم، محققا المماهاة بينه وبين اليعربي الإله:

))وسرتُ في جحافل القرون

كأنني الصباح

أنتعل الأقمار والشموس

وأمتطي نبوءة الرياح

معذَّبا بحبي القديم

وما سيأتي))144.

وهكذا تنتقل المثل والقيم العليا من مستوى السلطة الأخلاقية (الإله)، إلى مستوى التطبيق والدعوة والتضحية (النبي).

إن دور النبي المضحي هو الدور الذي يضطلع به الشاعر ويتحمل مسؤوليته:

-))وما بين (غزيِّر) وباريس

كانت خطوتك الأخيرة

تتعثر بالتمائم

مسيحا يحمل كابوس الأجيال

ويتحدث

عن ما كان وما سيكون؟

ماذا كان وماذا سيكون؟))145.

-))بين الموجة والموجة

بين العشب وأقدام الراعي

بين العين وشرايين القلب

كان يسقط قتيلا معمدا بالعشب

وماء البحر

قتيلا لا اسم له

غير كل الأسماء

كان الغيم مسكنه

ونبض القلوب العاشقة ترياقه

وحيدا سقط مثل نبي

في الصحراء))146.

– ((هل رأيت خراب الزبرجد

يلمع من عيوني مثل ماسة الليل

هل رأيت المسيح المقتول فوق سريري

دمه مازال ينزف من أوردة

الشمس

ونباتات الروح))147.

في المقطع الشعري الأول، وعبر آلية التشبيه البليغ، يماهي سيف بين يوسف الخال (المخاطب) والمسيح، في الإحساس بالمسؤولية تجاه المشكلات التي تعانيها البشرية. وفي المقطع الثاني، يسقط الشاعر نبيا مضحيا بنفسه من أجل الناس جميعا في مختلف الأماكن. وقد توصل سيف إلى التعبير عن جميع الناس بتجريد الشاعر/النبي من أي اسم محدد ونسبة جميع الأسماء إليه (قتيلا لا اسم له غير كل الأسماء). وتوصل إلى التعبير عن مختلف الأماكن والأقاليم بتوظيف طبيعة الغيم المرتحلة عبر جميع البلدان دون قيود أو موانع، وذلك عندما وصف الشاعر/النبي بأنَّ ((الغيم مسكنه)). أما المقطع الثالث فيوحِّد بشكل مباشر بين سيف والمسيح المقتول الذي تبكيه الطبيعة وأجرام السماء. وفي المقطعين الثاني والثالث نلمح انتماء الشاعر/النبي إلى عالم الطبيعة. كان ذلك في المقطع الثاني عبر شبه الجملة الظرفية المكانية ((بين الموجة والموجة، بين العشب وأقدام الراعي)) التي تجعل من الطبيعة مسرح استشهاد الشاعر/النبي. ويحقق المقطع الثالث الانتماء إلى عالم الطبيعة عبر الإشارة إلى بكاء مظاهر الطبيعة على الشاعر/المسيح. وفي الانتماء إلى عالم الطبيعة دعوة إلى التخلص من أوزار الحضارة والمدنية والعودة إلى قيم البراءة والصفاء الطبيعية. وهذه الدعوة هي لب رسالة الشاعر/النبي.

خلاصة:

لن نسير في هذه الخلاصة وفقا للتسلسل الذي مضينا عليه طوال البحث، والقائم على استعراض مجالات الصورة الشعرية الخمسة من حياة إنسانية وحياة يومية وطبيعة وحيوان وثقافة. وسنعمل بدلا من ذلك على تصنيف أبرز النتائج التي خلصنا إليها في فئات ثلاث148:

الأولى: المواقف الفكرية: وهي مواقف من الإنسان والحياة والطبيعة تتسم بمكانتها العميقة في فكر سيف، وتأثيرها في صياغة تجربته الفنية.

الثانية: المواقف النفسية: وهي خصائص وجدانية ومزاجية تمثِّلُ بعض مقومات كيان سيف السيكولوجي، ومواقف نفسية وانفعالية تجاه بعض القضايا والأحداث.

الثالثة: الملامح التشكيلية: وهي ملاحظات ذات طابع أداتي أسلوبي تتصل بطبيعة التشكيل والتصوير في شعر سيف الرحبي .

أولا : المواقف الفكرية:

في وسعنا تَبَيُّنُ مستوياتٍ ثلاثة للمواقف الفكرية التي تشتغل في قرار تجربة سيف الرحبي الشعرية، وهي: مستوى الذات، ومستوى الطبيعة والحياة الاجتماعية، ومستوى ما وراء الطبيعة.

وعلى مستوى الذات نسجل الخلاصات الآتية:

1- إن أول موقف فكري كشفت عنه دراسة الصورة هو موقف سيف الرحبي من قضية ((الذات)) على المستويين الفردي والجماعي. وفقا لهذا الموقف الفكري، ليس للإنسان –أيِّ إنسان- ذات ثابتة واضحة المعالم والقسمات، ذات ناجزة تسبق خبراته الحياتية. إن الإنسان ركام من خبرات وتجارب متنامية باستمرار، ومجمل هذه التجارب والخبرات هي ما يمثل ذاته. ومادام الإنسان حيًّا فتجاربه إذن في تنام مستمر، وعليه فذاته ((مشروع)) لم يكتمل بعد. وهذا الموقف من ذات الإنسان ينطبق أيضا على موضوعات أخرى كـ ((الأمَّة)) و))التيار الفكري)). فليس للأمة –أية أمة- من ذاتٍ ثابتة تتجاوز أفرادها وتتعالى على لحظتها التاريخية الراهنة، وشخصيةٍ ذاتِ ملامحَ ثابتةٍ تنطبع بها أجيالُ تلك الأمة في مختلف مراحلها التاريخية، وما من تيار يمارس عمله الفكري وفقا لنماذج مسبقة تمثِّل ماهيته وذاته، إنه يبني تلك النماذج تدريجيا في ضوء ممارسته العملية وتجريبه المتواصل. وحتى لو بدأ التيار الفكري مسيرته بنماذج مسبقة فإنه يظل يعدِّلها وينقحها ويطورها بما يتواءم مع ما يستجد من معطيات، وإذن فهو يظل يبني ذاته ويشكِّل ماهيته على نحو مستمر. إن هذه الرؤية من قضية الذات الفردية والجماعية تتقاطع مع الفكرة الأساسية للفلسفة الوجودية. وقد كان للفلسفة الوجودية تأثير بالغ في القرن العشرين في الحركات والتيارات الأدبية في الغرب والشرق على حد سواء. وقد خلصنا إلى استجلاء هذا الموقف الفكري الذي يتبناه سيف من تحليلنا لطريقة توظيفه لمصدر ((الوجه)) في تشكيل الصور الفنية، مستنيرين بما يبثه في مقالاته وكتاباته النثرية من أفكار وآراء.

2- ترشدنا صور ((الذاكرة)) إلى أن ((الذاكرة)) في تصور سيف تعد مقوما رئيسيا من مقومات ((الذات/الماهية)). ذلك أن الذاكرة، وهي مخزن ذكريات الإنسان، وسجلُّ تاريخه، تتضمن النماذج الفكرية والسلوكية المكونة لفكرة ((الذات/الماهية)).

3- بحسب ما يشي به التوظيف الفني لمصدريْ ((الدموع)) و ((الجرح))، نجتلي موقفا من الألم يرى فيه قدرة على الخلق والإبداع. فليس الألم شرا محضا، وأذى خالصا. إنه في حقيقة الأمر إحدى تلك التجارب النادرة التي تكشف للإنسان عن معدن إنسانيته، وحقيقة ذاته. وتجعل منه قلبا كبيرا واسعا يستوعب كل من يلجأ إليه، ويحتمي به.

4- ليس الجنون ظاهرة عقلية سلبية. إنه ضرب من الكشف الفني النافذ. وما نَعْتُه بالجنون والعمل على الحطِّ من شأنه، إلا لأن الناس يعجزون عن إدراك تلك الحقائق الدقيقة التي أدركها المجنون. وفي كثير من الأحيان تكون تلك الحقائق المدركة هي السبب في زوغان عقل المجنون، بما تجليه من حقيقة عدوانية الإنسان، وأنانيته، وانتهازيته، على النحو الذي يعصف بقيم الحق والخير والجمال، وهي القيم التي تمنح حياته المعنى، والقيمة، والهدف الأسمى. إن الجنون، بهذا البعد الفني الرؤيوي، يتسامى ليصبح من طبيعة سماوية روحانية. وقد خلصنا إلى هذا الموقف من تحليل الصور الشعرية التي مثل ((الجنون)) مصدرها.

5- بحسب الصور المستمدة من حالات السعادة والفرح والنشاط، ليست السعادة الإنسانية سوى قشرة زائفة تخفي وراءها أشكالا فجَّة من الألم والتعاسة والشقاء. إنه موقف متشبع بروح فلسفة شوبنهاور.

6- بحسب تحليلنا لصور ((الدم)) ((والمرض)) و))الموت)) و))السعادة)) يمتزج معنى الموت بمعنى الحياة في فكر سيف: وعيه ولا وعيه. إنها رؤية للموت والحياة تستقر في أعماق فكره، وتتجاوز فكرتيْ اليأس والأمل كما يمكن أن تعبِّر عنهما الحكمة القديمة: ((اطلبوا الموت توهب لكم الحياة))، رؤية تتجاوز تلك الفكرتين لتعبِّر عن إدراك شامل للواقع لا يرى فيه إلا امتزاجًا إلى حدِّ التماهي بين حقيقة الوجود وحقيقة العدم.

وعلى مستوى الطبيعة والحياة الاجتماعية نسجل النتائج الآتية:

1- في رؤية سيف الفنية تجاه الطبيعة، والقائمة على تهاوي الفواصل بين الذات والموضوع وتماهي أحدهما في الآخر، بُعْدٌ فلسفي يتحد بالفلسفة المثالية. وعلى نحو ما تفعل الفلسفة المثالية في توعية الإنسان بتداخل عالميْ الداخل والخارج، تفتح صور سيف الشعرية أفق هذا الوعي لدى متلقيها ومقاربها، وتبعثه في ذهنه حادا قويا ممتلئا بحرارة الشعور.

2- يرتبط العشق عند سيف، العشق المُخْلِص والمنقذ، بالاقتراب من عالم الطبيعة، والتخلص من أثقال المجتمع الإنساني، وأعبائه الفكرية والثقافية. وأيًّا كان طابع هذا العشق، قائما على الإيثار والتضحية، أو قائما على الاستئثار والأنانية، فإنه لن يفعل فعله في تحرير الكائن الإنساني، وإطلاق سراح أفكاره ورغباته، إلا بتحطيم القيود الاجتماعية، والانخراط في مسلسل الطبيعة الممتلئ صدقا وبراءة. على هذا النحو حاورتنا الصور المستخلصة من ((العشق)).

3- إن تحليلاتنا للصور المستخلصة من مصدريْ ((العين)) و))الإله))، مسترشدين بنثر سيف، أضاءت لنا موقفه من قضية ((المعرفة)).  إن المعرفة الخلقية والقيمية الحقيقية، والكفيلة بإنقاذ البشرية، هي تلك التي يوحي بها الفن ويومئ إليها الخيال والحدس، وليست تلك القائمة على منهج العلم والمنطق. لم يؤمن سيف بالعلم ولم ير فيه أكثر من إبداع أدوات الدمار والفناء، وتكريس واقع الظلم والاستبداد.

4- على مستوى القناعات العميقة التي قد لا يعيها الشخص، والتي قد تنعكس لاشعوريا في بعض سلوكاته وعباراته، لا يؤمن سيف بمجهود الإنسانية نحو تطوير ذاتها، والارتقاء بمستوى معيشتها، في نطاق مشروع حضاري شامل. إن ما يؤمن به، ويتغلغل عميقا في نسيج تصوراته عن الإنسان والوجود، هو غلبة طبيعة الإنسان التدميرية على كل نوايا الإعمار والتنمية والحياة. إنه ينزع بقوة إلى ترجيح جانب الشر في طبيعة الإنسان على جانب الخير.

5- إن الزواج –كما يراه سيف- طقس كارثي يعمل بقوة هائلة على استمرار الكارثة الكبرى التي يعانيها الإنسان (كارثة الحياة). الأمر الذي يوحي بدعوةٍ إلى إفناء الجنس البشري عن طريق مقاطعة الزواج شبيهةٍ بدعوة أبي العلاء المعري. نستفيد هذا الموقف وهذه الدعوة من طريقة التوظيف الفني لفكرة ((الزواح)).

6-  في إطار الشعر والأدب ليست من ألفاظ شريفة وأخرى وضيعة، ومعانٍ سامية، وأخرى حقيرة. إن الشعر الحقيقي مصنع يجرِّد المدخلات اللفظية والمعنوية من أية تحديدات وتقييمات مسبقة، ويصهرها في أتون المخيلة الخصبة، لينتج منها أدبا جميلا رائعا يثير خيال القارئ ويحرك وجدانه، فيتفاعل معه هذا الأخير ويتابعه بقدر ما أثار من خياله وحرك من وجدانه. إن هذا الموقف وشت به صورة مستمدة من فكرة ((الخلق)).

7- الجمال في رؤية سيف الفنية للأمور ضرب من ((الفوضى))، إلا أن هذه الفوضى ليست فوضى مطلقة. إنها فوضى بحسب معايير الجمال التقليدي. ولكنها في ضوء مقاييس أخرى جديدة تتمتع بدرجة من الانسجام والاتساق.

وعلى مستوى ما وراء الطبيعة نقف على النتائج الآتية:

1- إن التجارب الغنية الفكرية والحياتية التي خبرها سيف في ترحاله المستمر كوَّنت لديه موقفا سلبيا من المعتقدات الدينية التقليدية. وقد حمله موقفه السلبي هذا على التمرد على منظومة المعتقدات الدينية، والبحث عن بديل آخر في منظومة قيم ومبادئ جديدة، كما تنبئنا الصور المبنية على فكرة ((الإله)).

2- تشير الصور المستخلصة من فكرة ((الإله)) إلى أن العودة إلى الطبيعة في صورتها البكر العذراء بعيدا عن آلة العمران الإنسانية، تذكي في الإنسان أسئلة وجودية كبرى: من أين؟ إلى أين؟ كيف؟ لماذا؟. وبقدر ما تذكي تلك الأسئلةَ تلهمُ الإنسان إجابات أسطورية تفترض المبتدى والمنتهى والغاية. وليست تلك الإجابات الأسطورية أكثر من قراءة فنية لمظاهر الكون، يبدو فيها الفضاء المكاني مسرحا شهد حركة الإله/البطل كفنان مبدع صمم هيكل الكون، ورسم زواياه، وأفاض كائناته.

3- بحسب صور ((الإله)) ثمَّن سيف فكرة الألوهية –ربما على نحو غير واع- تثمينا إيجابيا. وبحسب هذه الرؤية الإيجابية لفكرة الألوهة، لابد للإنسان من إله يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه. وليس بالضرورة أن يكون هذا الإله كيانا ميتافيزيقيا منفصلا عن الكون الفيزيقي، فقد يكون ((قيما ومبادئ ومعايير)) تضبط سلوك الإنسان.

4- لا بد للقيم والمثل العليا التي يؤمن بها الإنسان من دعوة إليها وتبشير بها وتضحية من أجلها. نستفيد هذا الموقف العملي من تحليل الصور القائمة على فكرة النبي.

ثانيا : المواقف النفسية:

ويمكن أن نتبين في النتائج المنضوية تحت هذا العنوان مستويين اثنين: مستوى الذات، ومستوى الطبيعة والحياة الاجتماعية.

وعلى مستوى الذات نرصد النتائج الآتية:

1- مثَّل السفر القرار الأهم في حياة سيف، حيث أتاح له فرصة تحقيق الذات وتأكيدها. وعلى الرغم من ذلك، لم يرتبط في وجدانه بمشاعر الحب والتعلق. إذ تدلنا الصور المشتقة من حالات البكاء والصراخ على أن السفر وأدواته وفضاءاته لم تكن سوى ((صرخة)) في وجه المجتمع الذي حاول أن يمحوَ سيفا ذاتًا وهويَّةً، عبر دمجه القسري في منظومة قيمه وتقاليده.

2- تعرضت ذات سيف في مغامراته الوجودية والشعرية لانكسارات عميقة، وتغيرات كبيرة.  وقد أضاء لنا سيف هذه الحقيقة من خلال صورة الوجه المشوه. ومن أبرز مراحل أزمة الذات تلك التي شهدت إصدار ديوان ((رأس المسافر)) حيث يبلغ حنينه إلى عمان أوْجَه مرتفقا اعترافا بالتعب من حياة السفر والتشرد. لقد جاء هذا الديوان في خضمِّ مرحلة انتقالية هامة في حياة سيف، تلك التي تفصل بين حياة الغربة والتشرد، وقرار العودة إلى الوطن، والتصالح مع النظام السياسي القائم.

3- يتسم سيف بمزاج سوداوي وطبيعة تشاؤمية، نستنتج ذلك من تعامله الفني مع مظاهر الحياة البيولوجية العضوية، ومظاهر الحياة العقلية، ومظاهر الحياة الانفعالية. ففي الأولى يتضح لنا تركيزه على تلك الحالات التي تجلو ضعف الإنسان وانكساره، وتلك التي ترتبط أكثر بغرائزه والجانب الحيواني منه. ولا نعثر على صور مستمدة من حالات القوة والنشاط، والصحة والعافية. وفي الثانية يحظى موضوعا ((الجنون)) و))الحلم))  بحضور بالغ يؤكد أن مسار التصوير عنده قائم على استلهام الأوجه الكئيبة المظلمة في حياة الإنسان، أو تلك الخارجة عن سلطان وعيه وإرادته. وفي الثالثة يقرن سيف على نحو وثيق جدا المظاهر المشرقة من الحياة الانفعالية كالسعادة والفرح والحب بمعاني الشقاء والألم واليأس. ونظرته للحياة عموما تؤيد طبيعته التشاؤمية السوداوية، فليست هي -كما تعكسها صوره- مشرقة مبهرة عامرة بالإثارة والتحفيز. إنها –كما تفننت أدواته التشكيلية- لوحة مكفهرة راشحة بعوامل التنفير والصد عنها. وقد استقرت تلك اللوحة الكئيبة في قرارة نتاجه الشعري، وطبعت مجموعاته الشعرية كلها بلا استثناء.

4- يميل سيف إلى الانطواء على ذاته، نستشف ذلك من إحساسه الثقيل بمجالي المكان والزمان، وشعوره الخانق بشدة وطأتهما على النفس. إن وحدات الزمن المتدفقة بلا انقطاع تجدد إحساسه بعمق المأساة الإنسانية، وفجائعية الوجود البشري. ويمثل المكان في حساسيته الشعرية مسرح الجريمة، وشاهد المأساة. والصور المستمدة من مصدر ((اليقظة)) تدعم هذه الفرضية، إذ تعبر عن ضيقه الشديد بهذه اللحظة التي تتطلب انخراطا في تيار الحياة التي بلغت ((أقصى فظاظة ممكنة في سلخ حياة الكائن يوميا)) بتعبير سيف نفسه. أضف إلى ما سبق الصور المبنية على أدوات منزلية كالباب والمفتاح والنافذة، إذ تعكس توجسا من المجهول، وقلقا مستمرا بشأنه، وتوقعا لأسوأ النتائج، وتدل على صراع نفسي مع العالم الخارجي يبدو فيه الأخير وحشا كاسرا يوشك أن ينقض على سيف ويفتك به.

5- يبدو سيف عدوانيا ذا روح تتوثب إلى مواجهة المجتمع ومصادمته. إنه بدلا من أن ينظر إلى المجتمع بأفراده وتشكيلاته الاجتماعية باعتباره ضحيةً لقيم اجتماعية وثقافية بالية وعتيقة لا بد من العمل على تحريره منها للارتقاء به نحو حياة أفضل وأرقى وأصدق، ينظر إليه باعتباره مجرمًُا يخنق كل روح تائقة إلى الحرية والانطلاق، وإذن فلا بد من مواجهته عبر الحرب الفكرية والفنية للحد من ظلمه وطغيانه. نستشف ذلك من الحضور المتميز للحرب في صوره الشعرية، والتي ناظرت الحياة في مختلف مستوياتها، ومن سيرته الذاتية التي حفلت بحوادث صدامية عدوانية. تتعزز هذه النتيجة أيضا بملاحظة المكانة الخاصة التي يحظى بها ((الذئب))، وهو حيوان مفترس سيء السمعة، في وجدان سيف ومخيلته، إذ مثَّل رمزا يعبر عن سيف نفسه.

6- يتسم سيف بالطموح والتطلع. نستدل على ذلك من صور البيئة الجبلية التي يبدو فيها حضور الذرى والمرتفعات طاغيا، في مقابل حضور هزيل للوديان والمنخفضات. لقد دلنا ذلك الفرق العددي الكبير على أن سيفا كان مغرما بذرى الجبال وأعاليها، وكان في تأملاته وتهويماته الشعرية ينظر إلى الأعلى حيث القمم، ولا يستهويه النظر إلى الأسفل حيث امتدادات الوديان والسهوب.

7- لم يكن سيف يواجه مظاهر ضعفه وعزلته باستخذاء وخور نفسي. لقد كان شديد الاعتداد بتلك الآلام التي تحفر عميقا في حياته لتعمل على تشكيل ملامحها ورسم قسماتها. إنها حالة نفسية خاصة نقف عليها بدراسة الصور الفنية المستمدة من مصدر ((الحصان))، والتي تشف عن صورة نواة هي صورة ((فارس المأساة)).

وعلى مستوى الطبيعة والحياة الاجتماعية نقف على الخلاصات الآتية:

1- إن سيفا شديد التنبه والحساسية لمعطيات ((المكان))، تلك التي تتحول من وقائع مادية ملموسة إلى مدركات حسية ذهنية شديدة الرسوخ في ذاكرته. وتحتفظ تلك المدركات الحسية في انتقالها إلى الذاكرة بالأجواء النفسية التي رافقت نشوءها وتكونها في الدماغ. وبقدر رسوخها في ذاكرته، تتفاعل مع خياله الفني تفاعلا قويا يؤثر في إدراكه الذهني للوقائع الموضوعية والذاتية. والنتيجة هي أن إدراكه الذهني الممتزج بخيالاته وتهويماته يعجز عن الفصل بين العالمين الداخلي والخارجي.

2- ليس للمكان من أهمية عند سيف إلا بمقدار حضوره في مخيلته ورؤيته التشكيلية للأمور. إن جمال المكان، كما هو الشأن في جمال الأشخاص، مرهون بالغياب. بعبارة أخرى، لا يلبس المكان حلته البهيجة المغرية بالتأمل والاجتلاء، إلا بعد أن يُهْجَر ويُرْتَحَل عنه.

3- ليست الطبيعة في رؤية سيف مجرد محيط مادي يحتوي الإنسان، ويؤطِّر مجال حركته وسعيه. وليس هو في رحاب الطبيعة عنصرا معزولا على المستوى الروحي، ومقصورا على مستوى مادي بحت يجعل  تعامله مع مظاهر الطبيعة تعاملا آليا يقتصر على استقبال المثيرات الحسية، وترجمتها دماغيا، والاستجابة وفقها في حدود الحاجات الفسيولوجية. إنه في علاقته بالطبيعة –كما ترسم الصورة الفنية- عضو مؤثر ومتأثر في مجموع متفاعل ومتجاوب من الكائنات الحية والجمادات. إنها علاقة روحية تتجاوز المستوى الحسي، وتمعن في إثارة المستويين الوجداني والتخييلي، على نحو يوحي برواية حافلة بالأحداث والمفاجآت يعيشها سيف بعنفوان بالغ.

4- وجد سيف نفسه، في فترة مبكرة من حياته، وربما من غير إرادة واعية، في غمار أحداث كبيرة، سواء على المستوى الشخصي، أو المستوى الاجتماعي، أو المستوى القومي، على نحو كان فيه عاجزا عن فعل أي شيء حقيقي يمكنه من توجيه دفة حياته توجيها مخططا ومدروسا. لذلك نظر إلى نفسه على أنه ((غريق)). وإذا كان سيف غريقا في رؤيته الفنية لذاته، فلن تكون وظيفته الشعرية الإبداعية سوى شكل من أشكال الغرق.

5- لقد وجد سيف في علاقاته النسائية سندا معنويا يقويه على تحمل آلام الغربة الفكرية والاجتماعية. لكن تلك العلاقات لم ترتق لتصبح له وطنا آخر كوطن الشعر. إن علاقة سيف بالمرأة انعكاس لعلاقته بالمكان، ففي كل مكان يرتحل إليه تكون بانتظاره امرأة يرتمي في أحضانها. وبقدر ما كانت علاقته بالمكان عابرة عميقة كانت علاقته بالمرأة عابرة عميقة أيضا.

6-  لوالدة سيف حضور قوي في شعره، وهو حضور على مستوى الموضوع خارج نطاق الصورة الفنية. لقد كان هذا الحضور وليد الإحساس بالذنب تجاهها، وليس ثمرة الإعجاب بشخصيتها. تتعزز هذه النتيجة بدراسة الصور المشتقة من مصدر ((الأم)).

7- إن مقارنة الصور المستمدة من عالم الأدب، بالصور المستمدة من عالم الموسيقى، تعكس اطمئنانا وارتياحا نفسيين يعيشهما سيف، في رحاب الموسيقى، ولا يحظى بهما في الأدب. وتفسير ذلك هو أن سيفا يتعاطى مع الموسيقى كمتلقٍّ متذوق، بينما يتعاطى مع الأدب والشعر خصوصا كمبدع منتج. وفي المسافة الفاصلة بين التلقي والإنتاج يكمن الفرق.

ثالثا: الملامح التشكيلية:

سنرصد في هذه الفئة أبرز الملامح الأسلوبية التي استنتجناها في هذا الفصل، وهي ملامح وملاحظات ستفيدنا في الفصل القادم والمعنيّ بدراسة آليات بناء الصورة في شعر سيف.

وأبرز نتائجنا في هذا الفصل هي الآتية:

1- نظر سيف من أكثر من زاوية إلى بعض المصادر التي عمل على تشكيلها فنيا لتحمل رؤاه ومواقفه الفكرية والفنية. وقد راوح في نظرته بين الخصائص الظاهرية للأشياء، وخصائصها الداخلية، وخصائص أخرى، ومن المصادر التي نظر سيف إليها وفقا لأكثر من زاوية:

– الدم: يتميز الدم بخصوصية فريدة. فهو مظهر أساسي من مظاهر الحياة، إذ جريانه في شرايين الجسم جريان للروح فيه. ولكنه في المقابل، وبحسب تاريخه كسلعة فنية، رمز الموت والفناء. هذه الثنائية التي يتميز بها الدم استثمرها سيف (ربما بشكل لا واعٍ) للتعبير عن مدى فظاعة الحياة وبؤسها، وبعبارة أخرى: التعبير عن موتها.

– الشرفة: لقد ركَّز سيف على ((الشرفة)) في نماذجه التصويرية، من منطلق نظرته إلى العالم باعتباره واجهات لعوالم أخرى تقبع خلفه. وهي نظرة من شأنها أن ترشح ((الشرفة)) من بين عناصر المنزل الأخرى لتضطلع بتصوير مظاهر الطبيعة المختلفة، كونها واجهةَ المنزل. فضلا عن مراعاة التشابه الشكلي والتناسب الهندسي، بينها وبين الموضوعات التي صورتها وهي الغيم والنهر والقمر، فعلاقة الغيم بصفحة السماء، وعلاقة النهر في امتداده الشريطي بالغابة، وعلاقة القمر بالليل، كلها من حيث الشكل قريبة نسبيا من علاقة الشرفة بالمنزل.

– الآفاق والفضاءات المكانية: عُنِيَ سيف بالحيِّز الذي توفره الآفاق والفضاءات المكانية، فاستعاره للتعبير عن عوالمه الداخلية العقلية النفسية. وعُنِيَ بما تمثله من مجهول وغائب، فاستثمره في  تصوير رحلاته ووسائل التنقل فيها.

– الجزيرة: نَظَرَ سيف إلى ((الجزيرة)) وفقا لزاويتين اثنتين: بعدها ونأيها، وانعزالها وسط محيط مائي.بالنظر إلى بعد الجزيرة ونأيها في عمق البحار، كانت بمثابة الداعي إلى السفر. ذلك أنها، بحكم بعدها، عالم مجهول غامض يغري بالاستكشاف. وبالنظر إلى انعزال الجزيرة وسط محيط مائي، مثلت ((أصدقاءَ)) سيف من المفكرين والأدباء الذي عانوا العزل الاجتماعي والتهميش الإعلامي.

2- ركز سيف على الإيحاءات التي تخلقها المناظر والمشاهد الإنسانية والطبيعية في النفس. واستثمر هذه الإيحاءات في تشكيل صور قادرة على شد المتلقي وإثارة انتباهه. ومن المصادر التي تعامل معها سيف على هذا النحو:

– النوم: أثار سيفًا وحرك حاسيتَه الفنية منظرُ الإنسان وقد استسلم لسلطان النوم. في هذا المنظر، حيث يبدو الإنسان متمددا أو مضطجعا في استغراق تام في عالم النوم، تكمن مادة تعبيرية موحية. وقد أحسن سيف استغلال هذه المادة، إذ عبَّر بها عن ظواهر مادية طبيعية وأخرى حياتية اجتماعية ترتبط بظواهر أخرى برباط طبيعي أو اجتماعي.

– السديم: يتمتع السديم بخصائص طبيعية شعرية ترشحه لتغليف الأحداث بهالات حلمية خيالية. وقد عمل سيف على استثمار إمكانيات السديم الشعرية في التعبير عن الحالات الذهنية أو الفسيولوجية التي تسيطر على الأشياء والناس.

3- عزز سيف علاقات التشابه الشكلي والمعنوي التي ينطلق منها في بناء صوره بعلاقات التجاور في التجربة والنفس. وأعني بعلاقة التجاور في التجربة والنفس تلك الرابطة الحياتية التي تجمع بين شيئين جمعا قويا يترك أثره البالغ في النفس، بطريقة من شأنها أن تحمل أحدهما على استدعاء الآخر في حالة وروده في سياق ما. ومن الموضوعات التي تجاورت في التجربة والنفس: المرأة والمكان. إن علاقة سيف بالمرأة انعكاس لعلاقته بالمكان، ففي كل مكان يرتحل إليه تكون بانتظاره امرأة يرتمي في أحضانها. وبقدر ما كانت علاقته بالمكان عابرة عميقة كانت علاقته بالمرأة عابرة عميقة أيضا. وقد كان من شأن هذا الارتباط بين المرأة والمكان أن يرشَّحها في مخيلة سيف لتشتغل فنيا على تصوير السفر، والمسافة، والمكان.

4- عبَّر سيف عن بعض المواقف والرؤى التي تمثل انقلابا في الرؤية والتصور على السائد والمألوف، عن طريق حركة جدلية تقوم على التبديل بين مواقع الأشياء وإحلال بعضها محل الأخرى. ومن المواضع التي اعتمدت هذه الآلية الجدلية في بناء الصورة تجسيد الموقف الفكري ذي الطابع المثالي والقائم على إسقاط الحواجز بين الذات والموضوع. لقد عَبَّرت الصورة الفنية عن هذا الموقف من خلال حركة جدلية في اتجاهين متعاكسين: من الداخل إلى الخارج، ومن الخارج إلى الداخل. لقد استعار سيف –على صعيد التشكيل الفني- كثيرا من حالاته الداخلية، وأعضائه الجسمانية، ليعبِّر بها عن مظاهر العالم الخارجي، فأسقط بذلك واقعه الذاتي على الواقع الموضوعي. وفي المقابل استعار أحداث العالم الخارجي ومظاهره وأشكاله، ليعبر بها عن عالمه الداخلي بمختلف جوانبه وفي أعمق مستوياته. وبتضافر هاتين الحركتين: إلى الداخل، وإلى الخارج، تلاشت الحدود بين سيف والطبيعة، وسقطت الفواصل، وبدا لنا سيف يتماهى على نحو مطلق مع العالم الخارجي، في بعده المادي الطبيعي غير العاقل بعيدا عن المستوى الاجتماعي. وعلى نحو قريب من ذلك تبادلت الأرض والسماء موقعيهما، وحلَّ أحدهما محلَّ الآخر، في بعض الصور الشعرية. وفي تبادل المواقع هذا تعبير عن اضطراب الإدراك والتباس الرؤية واختلاط المدركات، في إطار سياقات حياتية وفكرية تتمتع بخصوصية في مجال الرؤية والإدراك.

5- جرد سيف الرحبي بعض الظواهر من إيحاءاتها ودلالاتها المألوفة، واحتفظ لها من معانيها السابقة بمعنى واحد فقط. ثم عمل على شحن هذا المعنى الوحيد بإيحاءات ومضامين جديدة لتناسب التعبير عن بعض رؤاه وتصوراته. من ذلك تعامله الفني مع كل من البستان والمزرعة والحديقة، إذ عمل على تجريدها من معانيها الإيجابية وإيحاءاتها المشرقة، وقصرها على دلالة ((الإنتاج الخصب))، ثم  أسند هذا الإنتاج الخصب إلى مظاهر سلبية ومؤلمة. ليدل بذلك على إنتاج شرس ضار وعنيف.

6- لم ينقطع سيف عن موروث أمته الأدبي والفكري انقطاعا تاما،إذ عمد إلى استثمار بعض الصور الموروثة في صياغات جديدة. على هذا النحو بدا توظيفه لـ ((الغراب)) رمزا للرحيل والسفر، في استقاءٍ مباشر من الموروث الشعري العربي.

1  هذا البحث مستل من أطروحة  بعنوان ( الصورة الشعرية في شعر سيف الرحبي) تقدم بها الباحث إلى جامعة السلطان قابوس لنيل درجة الماجستير .

2  نشير هنا إلى أننا اعتمدنا مضطرين في تحليل ديوانيْ نورسة الجنون وأجراس القطيعة على المختارات التي أوردها سيف عن كلٍّ منهما في كتابه ((معجم الجحيم)) الذي هو مختارات شعرية من عدد من دواوينه. والسبب في ذلك هو عدم تمكننا من الحصول على هذين الديوانَيْنِ لنفاد نسخهما من الأسواق. وقد رجعنا إلى سيف نفسه، وإلى مجموعة من أصدقائه المقربين، ليوفروهما لنا إلا أنهم اعتذروا عن ذلك لفقدانهم النسخ التي كانت بحوزاتهم.

3 قسمت كارولين سبيرجن صور شكسبير من حيث المجال والموضوع إلى الأقسام الآتية: الطبيعة والحيوان والمحليات وجسد الإنسان، والحياة اليومية، والثقافة، والفنون، والخيال. انظر:

عبد القادر الرباعي، في تشكل الخطاب النقدي، الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، الطبعة الأولى، 1998، ص146.

4  د. عبد القادر الرباعي في كتابه: الصورة الفنية في شعر أبي تمام.

5  د. محمد ناصر المحروقي في دراسته عن الصورة الشعرية في شعر ابن المعتز. انظر:

Mohammad Nasser Rashid AL-Mahrouqi, The Image in The Poetry of Ibn al-Mu‘tazz, University of London, London,.

6  د. راشد الحسيني في دراسته للصورة الشعرية في شعر شعراء الدولة البوسعيدية ضمن كتابه: البنى الأسلوبية في النص الشعري- دراسة تطبيقية.

7  انظر كلا من :

عبد القادر الرباعي، مرجع سابق، الملاحق الختامية.

Mohammad Nasser Rashid AL-Mahrouqi, The Image in The Poetry of Ibn al-Mu‘tazz, p360.

8  سيف الرحبي، مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور ورأس المسافر، المطبعة الشرقية ومكتبتها، مطرح، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1989، ص91. في الإحالات اللاحقة على أحد الديوانين سنشير إلى اسم الديوان المعني فقط دون ربطه باسم الديوان الثاني.

9  نستخدم المصطلحات الآتية: الأنا ، الذات ، الشخصية ، بدلالة مترادفة ، ونقصد بها -على مستوى الفرد أو الأمة- مجموعة خصائص سيكولوجية فكرية وعصبية، ذات ثبات نسبي ، وتسهم بفاعلية كبيرة في توجيه فهم صاحبها للأحداث، وفي طريقة تفسيره لها، وفي أشكال تصرفه وسلوكه حيالها. وإننا في هذا الفهم نستضيء بما قدمه بعض علماء النفس وبعض الباحثين فيه من تعريفات لهذه المصطلحات:

فالأنا  عند سدني . م جودارد : ((ذلك الجزء من الشخصية المتصل بالواقع الخارجي ولديه القدرة على رؤية الواقع الداخلي وتنظيم السلوك وضبط الاندفاعات)).  والذات عند مصطفى فهمي: ((المجموع الكلي لأفكار واتجاهات الفرد عمن هو ومن هو وأنها تتضمن كل الخبرات التي تكون إدراك الشخص وإحساسه بوجوده)). أبوبكر مرسي محمد مرسي، أزمة الهوية في المراهقة والحاجة للإرشاد النفسي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2002م، ص52، 53.

وبحسب سامي ذبيان ورفاقه فإن الشخصية في منظور علماء النفس هي : ((عملية التنظيم الديناميكي لكل ((الأنا)) الشخصية في أنماط وجودها وتفكيرها وفعلها. إنها التركيب الحي لكل أبعاد الكائن البشري من شبه الوعي إلى اللاوعي إلى الوعي وصولا إلى أشكال السلوك وإلى المثل، وذلك بالعلاقة المعيوشة (كذا) والضرورية مع المحيط الاجتماعي والثقافي الذي يساهم في تشكيلها)) سامي ذبيان وآخرون، قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، الطبعة الأولى، 1990م، ص276.

10  سيف الرحبي، رجل من الربع الخالي، دار الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، 1993، ص22.

11  للوقوف على مكانة العقل واللاعقل في التراث الفكري للحضارة العربية الإسلامية عبر مراحل متعددة من تاريخها انظر:

زكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، دار الشروق، القاهرة ، بيروت، الطبعة الخامسة، 1993م.

12  من هؤلاء على سبيل التمثيل:

عزيز العظمة، الأصالة أو سياسة  الهروب من الواقع، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1992.

داريوش شايغان، أوهام الهوية، ترجمة محمد على مقلد، دار الساقي، ط الأولى، 1993م.

يرى عزيز العظمة في تحليله لمفهوم الأصالة وأخواته كالذاتية والهوية أن الفكر العربي الحديث يقوم على أسس أركيولوجية لو أخذناها بعين الاعتبار لوجدنا (( أولا أن تصور قضية التاريخ فيها يقوم على فهم نرجسي لذات مستمرة، ذات كانت قوية وضعفت – ليس لأسباب بنيوية أو تاريخية فعلية، بل لطوارئ كالغفلة والفرقة والركون إلى الراحة والدعة – وستستعيد قوتها وتستأنف في داخل ذاتها.

نجد ثانيا أن هذا الفهم للذات لا ينفصم عن فهم لآخر هو نقيض وعدو، ولو كانت فيه بعض عناصر المنعة مما نحن قادرين (كذا) على الاستفادة منه، عناصر تتمثل منذ فكر العثمانيين والشباب الأفغاني حتى اليوم بالحداثة والتكنولوجية)) عزيز العظمة، المرجع السابق، ص11.

13  سيف الرحبي، معجم الجحيم، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1996، من مختارات أجراس القطيعة، ص 64، 65 .

14  معجم الجحيم، من مختارات نورسة الجنون، ص 26.

15  رجل من الربع الخالي، ص33.

16  رأس المسافر، ص90.

17  سيف الرحبي، ذاكرة الشتات، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، منشورات الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م، ص20.

18  سيف الرحبي، الجبل الأخضر، دمشق، الطبعة الأولى، 1983، ص 5 .

19  جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، 1983، مقدمة كمال الحاج على الكتاب، ص 13.

20 نقولا هربان، الوجوديات، ضمن كتاب: مداخل الفلسفة المعاصرة، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط الأولى، 1988، ص103.

21  جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، صص 44، 45.

22 إ. م. يوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة د. عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سبتمبر 1992 ، ص 267.

23  عادل ضاهر، الشعر والوجود دراسة فلسفية في شعر أدونيس، ص162.

24  نستخدم ((يتماهى)) بمعنى يتماثل ويتوافق وينسجم. وفي موسوعة لالاند الفلسفية يناظر المتماهي : المتماثل ، والمتواحد. ومن بين الدلالات التي يفيدها:

))ب- يقال على فرد (أو على كائن يمكن تشبيهه بفرد في هذا المستوى) عندما يقال ((هو نفسه)) أو ((متماه مع ذاته)) في مختلف لحظات وجوده، على الرغم من التغيرات الهائلة أحيانا، التي يمكن حدوثها له.

ج- يقال على غرضين أو عدة أغراض تعتبر، على الرغم من كونها متمايزة عدديا، كأنها متسمة تماما بكل الخواص أو الصفات عينها)). أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت – باريس، الطبعة الثانية، 2001، المجلد الثاني، ص 605، 606.

25  صدَّر سيف ديوانه هذا بالعبارة الآتية: ((لقد تعب الحائط من السفر)). وفي قصائد ((كل هذا العمر))، ((هجرة الأسلاف))، ((ذكرى))،  ((ديار الأحبة))، ((القدم النرجسية))، ((قصيدة حب إلى مطرح))، يتجلى حنين جارف إلى عمان.

26  عبر عضوية مجلس الدولة العماني، و عبر شغل منصب رئاسة تحرير مجلة نزوى  في مؤسسة صحفية حكومية هي ((مؤسسة عمان)).

27  في إحدى مقابلات سيف يقول: ((هناك أيضا نوع من مسؤولية جسيمة أحس بها تجاه بلدي ومكاني الأول وهي مسؤولية ثقافية وحضارية. أحاول أن أؤدي جزءا منها في حدود الممكن. يتجلى ذلك في منبر ثقافي كمجلة (نزوى) التي ذكرتها وفي محاولة إنعاش الفعاليات الثقافية والإبداعية في عمان التي تتميز بإرث حضاري وكتابي واسع الأرجاء بين بلدان المنطقة. أنا باختصار أحاول أن أكون مجديا)) القدس العربي، السنة العاشرة، العدد2916 الجمعة 25 أيلول (سبتمبر) 1998، الحوار الذي أجراه مع سيف حسام الدين محمد.

28  رأس المسافر، ص69. وانظر صورا أخرى تنسب العين للزمان (المساء والليل في الغالب) في:

– ((مدحرجا ثالوث الزمن كعين مفقوءة))، أجراس القطيعة ، ص 62.

– ((حدقات النيازك))، أجراس القطيعة، ص60.

– ((حين سقطت في حدقة الليل العميق))، الجبل الأخضر، ص57.

– ((حين أنزع قفازات الرؤية عن حدقة الظلام))، رأس المسافر، ص91، 92 .

– ((مقلة التاريخ))، رجل من الربع الخالي، ص53.

29  نورسة الجنون، ص31. وانظر أيضا الصورة الآتية:

– ((أطلق بين مقلتيك (أي مطرح) منجنيق طفولتي))، رأس المسافر، ص99.

30  رجل من الربع الخالي، ص 40. وانظر ايضا قوله:

– (( فيتلاشى العالم في بؤبؤ الرعب))، نورسة الجنون، ص25.

31  للمبادئ السريالية حضور واضح في فكر سيف الفني، وللاطلاع على السريالية، انظر:

– أدونيس، الصوفية والسوريالية، مرجع سابق.

– إيليا الحاوي، الرمزية والسريالية في الشعر الغربي والعربي، إيليا الحاوي، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الأولى، 1994م.

– سمير غريب، السريالية، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الشارقة.

– د. يوسف عيد، المدارس الأدبية ومذاهبها، دار الفكر اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، 1994.

32  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص25.

33 الجبل الأخضر، ص57.

34  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص60.

35  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص31.

36  رأس المسافر، ص99.

37  ناصيف اليازجي، العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1984م، ج1، ص10.

38  سعيد بن محمد البوصيري، ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية، 1973، ص238.

39  أحمد شوقي، الشوقيات، المجلد الأول، ج2، ص 105.

40  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص9.

41  رجل من الربع الخالي، ص 19.

42  رجل من الربع الخالي، ص40.

43  سيف الرحبي ، منازل الخطوة الأولى، دار سعاد الصباح، الكويت، القاهرة، الطبعة الأولى، 1992، ص 55.

44  المصدر نفسه، ص 56.

45  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص57.

46  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص38.

47  رأس المسافر، ص94.

48  رأس المسافر، ص83.

49  رأس المسافر، ص95.

50  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص18.

51  الجبل الأخضر ، ص18.

52  رجل من الربع الخالي، ص50.

53  رأس المسافر، ص87.

54  رأس المسافر، ص94.

55  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص71.

56  المصدر نفسه، ص71.

57  حسن حنفي، ((عالم الأشياء أم عالم الصور؟))، مجلة فصول، العدد 62، ربيع وصيف، 2003، ص22.

58  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص38.

59  المصدر نفسه، ص36.

60  المصدر نفسه، ص27.

61  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص71.

62  انظر: مجلة الحوادث، العدد 2115، 16/5/1997، الحوار الذي أجراه جهاد فاضل مع سيف الرحبي.

63  انظر: المرجع نفسه.

64  انظر: القدس العربي، السنة السابعة عشرة، العدد 5068، 10/11 أيلول (سبتمبر) 2005، ص10، الحوار الذي أجراه مع سيف يحيى القيسي.

65  ممن عرفهن سيف: سوزان، داليا.

66  رأس المسافر، ص85.

67  المصدر نفسه، ص9.

68  المصدر نفسه، ص18.

69  الجبل الأخضر، ص48.

70  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص15.

71  معجم الجحيم، اجراس القطيعة، ص74.

72  المصدر نفسه ، ص64.

73  المصدر نفسه، نورسة الجنون، ص14.

74  الجبل الأخضر، ص52.

75  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص7.

76  المصدر نفسه، ص8.

77  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص12.

78  المصدر السابق، ص17.

79  رأس المسافر، 60.

80  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص15.

81  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص11.

82  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص81.

83  الجبل الأخضر، ص13.

84  الجبل الأخضر، ص29.

85  رجل من الربع الخالي، ص59.

86  المصدر نفسه، ص48.

87  المصدر نفسه، ص37.

88  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص30.

89  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص83.

90  خليل حاوي، ((لعازر 1962)) بيادر الجوع، دار الآداب، بيروت، 1965. نقلا عن : كمال أبوديب ، جدلية الخفاء والتجلي، ص61.

91  كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتجلي، ص 48.

92  المرجع نفسه، ص 49.

93  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص23.

94  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص10.

95  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص28.

96  رأس المسافر، ص68.

97  رجل من الربع الخالي، ص38.

98  انظر الحادثة المذكورة في : منازل الخطوة الأولى، ص22، حيث كان سيف يراوغ والده ليذهب إلى حيث يعسكر الغجر، وكان إذا انكشف أمره لوالده يتعرض لعقوبة تصل إلى الضرب والطرد من البيت.

99  منازل الخطوة الأولى، ص46. وسعد هو الاسم الذي استعاره سيف لنفسه في سرد سيرته الذاتية.

100  المصدر نفسه، ص37.

101  انظر منازل الخطوة الأولى، ص 27، 34 ،  51 .

102  انظر منازل الخطوة الأولى، ص35 ، 51 ، 66.

103  انظر منازل الخطوة الأولى، ص52. وانظر : مقبرة السلالة، ص16.

104  رجل من الربع الخالي، ص51.

105  رأس المسافر، ص108.

106  رأس المسافر، ص83.

107  المصدر نفسه، ص83.

108  المصدر نفسه، ص84.

109  المصدر نفسه، ص104.

110  رجل من الربع الخالي، ص59.

111  المصدر نفسه، ص68.

112  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص22.

113  رأس المسافر، ص65.

114  معجم الجحيم، أجراس القطيعة، ص74.

115  هي  الحادثة نفسها التي أشرنا إليها في صفحة 153 ، من هذا البحث.

116  منازل الخطوة الأولى، ص49.

117  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص16.

118  المصدر نفسه، ص35.

119  معجم الجحيم ، نورسة الجنون، ص12.

120  رأس المسافر، ص 88.

121  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص26.

122  رجل من الربع الخالي، ص62.

123  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص37. والصورة من قصيدة (مساء شاعر في مدينة) الموجهة إلى قاسم حداد.

124  المصدر نفسه ، ص37.

125  رجل من الربع الخالي، ص9.

126  رأس المسافر، ص76.

127  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص25.

128  الجبل الأخضر، ص30.

129  الجبل الأخضر، ص 57.

130  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص48.

131  رأس المسافر، ص85.

132  مدية واحدة لاتكفي لذبح عصفور، ص17.

133  نورسة  الجنون، ص12.

134  المصدر نفسه، ص13.

135  رجل من الربع الخالي، ص18.

136  معجم الجحيم، نورسة الجنون، ص15.

137  المصدر نفسه، ص18.

138  حوار الأمكنة والوجوه، ص25.

139  الجبل الأخضر، ص56.

140  المصدر نفسه، ص17.

141  المصدر نفسه، ص27.

142  انظر صفحة ( 137) من هذا البحث.

143  المصدر نفسه، ص28.

144  المصدر نفسه، ص28.

145  مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، ص53.

146  الجبل الأخضر، ص12.

147  المصدر نفسه، ص48.

148  بعض النتائج المسجلة هنا تتصل ببعض الصور التي تجاوزنا عرضها مراعاة لحجم البحث في المجلة والتي يمكن التوفر عليها بالعودة للأطروحة المذكورة (الصورة الشعرية في شعر سيف الرحبي).