جديد الكاتب

الصعلوك الأرستقراطي

حدث أن غبت عن باريس، أربع سنوات كاملة، تاركا المدينة والأصدقاء والذكريات. في طليعة هذه الذكريات، التسكع والتشرد في الشوارع والحدائق الفسيحة، والمقابر والمقاهي والمكتبات.. وفي طليعة هؤلاء الأصدقاء الكثر، حيث كانت باريس تغص بالمنفيين والصحفيين العرب، على أثر انكسار المركزية البيروتية، بسبب الحروب والاجتياحات، هاجرت صحافة ومثقفون من مختلف البلدان العربية؛ وفي طليعة هؤلاء الأصدقاء كان صموئيل شمعون، الذي كان اسمه في بيروت، في الأوساط السياسية والصحافية، سامي شاهين. أتذكر لحظة تعرفي الأولى به، في مقهى “كلوني” الشهير. كان هادئا وخجولا، وغالبا ما يتحدث في السينما التي تتركز حولها طموحاته المستقبلية.، رغم أنه يكتب شعرا ما لبث أن أصدر ديوانه “أولد بوي”، وما لبث أن شق المدينة الفرنسية كالإعصار، من أقصاها إلى أقصاها، عاجنا خرائطها وضجيجها وباراتها تحت حذائه الذي لا نشاهده في خضم التشرد إلا لامعا ونظيفا، مثل كل ملابسه. إذ أن النظافة وحسن الهندام كان هما أساسيا بالنسبة له في مختلف الظروف والأوضاع. وكان ينزعج حين يرى أحدا من صحبه غير حليق ومبهدلا بحيث ينطبق عليه تسمية “الصعلوك الإرستقراطي”، بامتياز. كما أنه لا يمكن أن يمشي في الشارع مع امرأة دميمة أو غير أنيقة،. أتذكر أنه ذات مرة تعرف على فتاة أمريكية سائحة، وصار من فرط رومانسيته يحتفظ حتى ببطاقات الميترو كذكرى لتلك العلاقة العابرة.

صموئيل الذي كتب أخيرا كتابة الرائع عن التجربة الباريسية: “عراقي في باريس”، كان كل كلوشارية ومتسكعي وفناني الحي اللاتيني من مختلف الأجناس، أصدقاءه بل كانوا عائلته الحقيقية. كان يسهر طوال الليل وفي الصباح لا نلاحظ عليه أثر التدمير الليلي، إذ يذهب إلى العمل المترحل دائما في أكثر من جهة ومكان، وحين يستلم الراتب يكون المطعم اليوناني الذي يختص بأكتاف الخراف المشوية، محجوزا له ولضيوفه الذين يصادفهم في ذلك اليوم السعيد.
ولأنه في أحيان كثيرة من غير بيت ثابت، يمشي مسافات ضوئية، ليجد مستقر الليلة أو يركب القطار وينام فيه حتى يصل الحدود البلجيكية ثم يعود أدراجه ليستقبل الصباح في المقاهي كأنه خارج للتو من فراش بيت وثير.
حكايات كثيرة مع صموئيل تشكّل كتابا على حدة.. مرة كنت معه نتعشى في مطعم الجزائري في منطقة “دونفير روشرو”. الجزائري الذي يقبل بتسليفنا العشاء والشراب حتى تتوفر الأموال لاحقا.. خرجنا متأخرين كالعادة، نركض نحو الميترو الأخير، الذي أقلّنا إلى نصف المسافة، مما اضطرنا إلى النزول وأخذ التاكسي. سمع شوفير التاكسي، ذو الملامح الشرقية، حديثنا العربي، وما لبث أن شارك في الحديث. كانت فترة حرجة في فرنسا حيث اضطراب الأمن على أشده، بسبب التفجيرات التي قام بها جورج عبد الله وجماعته. اشتد الحديث بين السائق وصموئيل، وفجأة، نرى التاكسي تحول إلى سيارة بوليس تلعلع حدبته على السطح بمختلف الأصوات والألوان وأغلق النوافذ، وفي ثانية صرنا أسرى نرفس داخل الزجاج المغلق بإحكام. ثوان أخرى ونحن في مخفر البوليس تستقبلنا الشرطة والبنادق، حيث قضينا ليلتنا حتى الصباح تحقيقا وخرابا وضحكا. وحين أقمت في “لاهاي” فترة، جاء صموئيل لزيارتي وهو يجر حقيبته في الشارع، رآه المسرحي حميد محمد جواد، وسأله عن وجهته، قال إنه ذاهب لزيارة سيف الرحبي في هولندا، سأله حميد إن كان لديه العنوان والتلفون أجاب صموئيل بالنفي، حينها علق حميد بغضب كعادته: ” هي أوروبا صارت برخانة إلْكُم”. وفعلا كنت جالسا في مقهى السينما الملاصق لمحكمة العدل الدولية وإذا بصموئيل ينبثق من الفراغ وكأنه على موعد معي في الثانية والدقيقة..
حياة بخفة الطيور المهاجرة المترحلة، نسيجها الصدفة والشعر واللاهدف..
في مطلع هذه الذكرى قلت إنني غبت عن باريس سنوات أربع، رجعت بعدها حيث نزلت اليوم الأول مع الصديق أحمد الصياد.
تركت حقيبتي وأخذت الميترو من محطة “ليموت بيكي”، ونزلت في محطة “ألأوديون” بالحي اللاتيني. لا أكاد أخرج من جحر المنطقة نحو الفضاء الطلق، حتى أرى صموئيل شمعون، صدفة، أمامي، وكأنما تركته منذ لحظات فقط وليس أربع سنوات.

×