جديد الكاتب

الصحراء أكثر الأماكن صلاحية للمغامرة والاختراق

حاوره موسى برهومة

الرحبي: الصحراء أكثر الأماكن صلاحية للمغامرة والاختراق

حوار مع الشاعر سيف الرحبي:

على النقد العربي أن يذهب باتجاه العتمة أكثر مما يذهب  باتجاه الانحيازات الإيديولوجية

يرى الشاعر العماني سيف الرحبي أن «كل تجربة شعرية تحاول أن تغادر بعض عناصر موقعها الأول، وتمضي إلى المجهول». ويضيف في شهادة له بعنوان «التجربة الشعرية والكون البري» أن من شأن أي تجربة أن تصهر الرؤى والهواجس في مرجل الإبداع مهما رافق ذلك من «بحث مرتبك وتائه بين مدن وجبال وأفكار متعددة». ولد الرحبي العام 1956 في قرية سرور – سمائل، بسلطنة عمان. درس في القاهرة وعاش في أكثر من بلد عربي وأوروبي، عمل في المجالات الصحافية والثقافية العربية. ترجمت مختارات من أعماله الأدبية إلى العديد من اللغات العالمية كالإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، الهولندية، البولندية ، وغيرها. وصدر للشاعر الذي يرأس تحرير مجلة (نزوى) العُمانية الثقافية الفصلية مجموعة من الدواوين الشعرية كان آخرها (مقبرة السلالة) عن دار الجمل بألمانيا أواخر العام الماضي ، كما صدر له قبلها نورسة الجنون (دمشق 1980)، الجبل الأخضر (دمشق 1981)، أجراس القطيعة (باريس 1984) رأس المسافر (الدار البيضاء 1986) ، مُدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور(عُمان 1988) يد في آخر العالم (دمشق 1998) ، رجل من الربع الخالي (بيروت 1994) معجم الجحيم، مختارات شعرية (القاهرة 1996) منازل الخطوة الأولى، نثر وشعر، (القاهرة 1996) ، جبال (بيروت 1996).


ومن كتبه أيضا ذاكرة الشتات، مقالات، (1991)، حوار الأمكنة والوجوه، مقالات، (دمشق 1999)، الجندي الذي رأى الطائر في نومه، (كولونيا – بيروت 2000) وقوس قزح الصحراء (كولونيا- ألمانيا 2000) . وقد جاءت المجموعة الأخيرة (مقبرة السلالة) للرحبي مضمخة بالغياب والفقدان على الأحبة الراحلين الذين تركوا وشمهم على حواف الذاكرة ، وفي مقطع منها يقول الشاعر:

” كان عليّ أن أبكي أيها الموت

لكني لا أستطيع

دموعي تجمدت في محاجرها

كالصخر المتحجر في قعر بحيرة

البحيرة الجافة

التي تهزها رياحك العنيفة

كل ثانية وخلجة عين

لتعطي الوجود

دلالة العدم القصوى “

على أن ثيمة الفقدان ليست مقتصرة على هذه المجموعة ، ففي ديوانه (جبال) يقتفي الرحبي آثار من “ذابوا في هباء المغيب” ، وفيها يقول :

“كانوا هناك يرتبون أحلامهم

كلما مرت غيمة

أو جناح قطاة

ركلوا الأودية بحوافر أفراسهم

ذابوا في هباء المغيب.

كانوا هناك

يرتبون الصباحات على عجل

ويرشقون سماءً جارحة

بنظرات ملؤها التوجس

والوحشة

مشدودين إلى مدارات

لم يعد لها من حنين

وجبال أفرغ الطير أحشاءه في سفوحها “.

 
هنا حوار مع الشاعر العماني يتناول أفق الكتابة لديه ومرجعياتها وهواجسها المنحوتة من روح الزمان والمكان على حد سواء.

 * المكان يحضر في قصيدتك كمكون أساسي في بنيتها، منذ متى بدأ لديك هذا الإحساس الجمالي؟

– هذه المسألة بدأت مبكرا عندي، وهي استعادة المكان في النص بشكل يمارس نوعا من الهيمنة، ولكن في الأعمال الأخيرة، وهي الأعمال والنصوص التي تتبعتها بعد عودتي إلى عُمان من الخارج، وحيث مارس المكان طغيانا وحضورا أكثر من ذي قبل، إذ لم يعد ديكورا أو عنصرا من عناصر النص وإنما الأرضية المركزية التي تتحرك في شاشتها الكائنات والمخلوقات، بحيواتها المختلفة.

المكان العماني في نظري يكتسب هذه الخصوصة وهذا الحضور المهيمن في الوعي وفي النص.

 * ثمة من يرى أن الصحراء تستدعي الإيقاع الخارجي، لكنك في شعرك قلبت المعادلة، وجعلت المدى الشاسع للمكان العُماني ينفتح على أقاليم شعرية تذهب إلى الصمت، وتتزمل بالتقشف الإيقاعي.

– اعتقد أن بعض النقاد كرسوا بعض الرؤى الخرافية في تقييمهم للشعر العربي القديم، وانطلاقا منه إلى تقييمهم للشعر الحديث، منها خرافة الإيقاع هذه، وما أراه وما أعيشه يختلف. لا أرى أن الصحراء وأن المكان الشاسع والرهيب يفرض على إيقاعها مسبقا بقدر ما يدفعني إلى نوع من المغامرة في التعبير، وفي اجتراح الرؤية. إنه أكثر الأماكن صلاحية للمغامرة والاختراق.

 
* عملك «الجندي الذي رأى الطائر في نومه» يميل إلى السينما وتحديدا إلى فيلمي «بيردي» لألن باركر و«السترة المعدنية» لستانلي كوبريك، إلى أي مدى يمكن أن تغني هذه الإحالة قصيدة النثر؟

– النص في حد ذاته على ما أتصور لم ينبن ِ على المشاهدة السينمائية، وإنما بعد إنجازه رأيت طيف تلك المشاهد السينمائية موجودة على نحو ما في النص، فأحببت الإشارة كتنويع مرجعي للنص الشعري. وأيضا بالنسبة إلى السينما تخترقني، والمشهد البصري بعامة يخترق النص البصري والكتابة بصورة لافتة، إنني شخص مولع بالسينما. 

 لكن المألوف أن قصيدة النثر تميل إلى التكثيف والاعتماد على المفارقة، فكيف توائم بين ذلك وبين الاستطراد المشهدي المؤسس على فكرة السيناريو؟

– الأبعاد التي تنحو منحى سرديا ودراميا بصريا موجودة بعض عناصرها في النص الذي اكتبه، وأحاول استثمارها في كسر النمطية الشعرية التي يمكن أن توصلك إليها اللغة المحدودة سلفا.  أتصور أن الانفتاح البصري المدهش، وفنون كالمعطى السردي مهمة جدا في دفع العبارة الشعرية إلى آفاق جديدة.

 * ألا تخشى في هذه الحالة أن تقع في غمرة التناقض المتأتي من قران المختلفات في إطار نص تجريبي؟

– لا تتناقض هذه الأبعاد مجتمعة في نص واحد، فالكثافة والإيجاز ليسا بالضرورة مناقضين للقصيدة المقطعية أو الشذرة، يمكن أن تندفع إلى آفاق تعبيرية أوسع، وأطول، فالقصيدة الطويلة بهذا المعنى ليست القصيدة ذات الزوائد اللفظية والاسترسالات والإطناب، وإنما يمكن أن ينبني عالمها من روح المقطع وروح الكثافة ، وان تكون طويلة ، وهناك فيما اعتقد ثيمات أو مواضيع تفرض نفسها كقصيدة طويلة، ونص مفتوح على فنون وآفاق متغيرة.  فلا نستطيع سلفا أن نحدد بشكل قطعي ماذا نريد أن نكتب، اعتقد أن هناك دوافع وعناصر ومناخات مكانية وتقنية تفرض هذا الشرط التعبيري أو ذاك.

 * غادرت في «الجندي الذي رأى الطائر في نومه» سطوة المكان باتجاه التأمل ونحت الرؤية، هل ذلك يمثل خطوة جديدة على درب التجريب؟

– نحن نكتب نصا بعد آخر، ونحاول أن نطرق أبوابا جديدة في التجريب واللغة، وان نجلي الغموض الذي يحيط بعناصرها التعبيرية والنصية، فربما نصل نصا بعد آخر إلى نوع من الوضوح فيما نريد أن نعبر عنه، من أشياء وعالم ووجود.  ربما أن هاجس الرؤية نفسها موجود منذ تجارب مضى عليها زمن ، لكن مستوى التعبير ونضج الأدوات، أو ما نظن ذلك يتطور وينضج تجربة بعد أخرى، الوضوح بهذا المعنى، ليس الوضوح السطحي، وإنما الوضوح الذي يحاول أن يسبر أو يصيد في العتمة.

 أنت تغادر مواقعك باستمرار باتجاه آفاق جديدة إلى أين ستمضي في هذا التغيير؟

– يمكن على نحو أن يكون هذا التوصيف صحيحا، فكل تجربة شعرية تحاول أن تغادر بعض عناصرها موقعها الأول، وتمضي نحو أعماق أكثر بعدا في التعبير، وان لا تكون الصورة مجرد توسل إدهاش بصري، وإنما ابسط لكنها أكثر صهرا للرؤى والهواجس التي أريد التعبير عنها.

 * ما يزال السجال دائرا حول الخوض في مشروعية قصيدة النثر، هل أنت معني بالولوج في غمرته؟

– لا أرى نفسي في هذا النوع من السجال، ولا أرى أن قصيدة النثر تبحث عن هذه الشرعية أو تنافس قصيدة أخرى، أو أن هذا الشكل التعبير يحل محل آخر.  هذا النوع من السجال «الحداثوي» ودوره ضئيل على التجربة الإبداعية والكتابية، وأتصور أن السجال ينبغي أن يأخذ مسارا آخرحول تقييم الشعرية الحقيقية في قصيدة النثر، وفي غيرها.  بهذا المعنى على النقد أن يذهب باتجاه العتمة أكثر مما يذهب باتجاه هذه الانحيازات اللفظية والإيديولوجية التي لا تزيد الأمر إلا التباسا أو شتاتا ليس بالمعنى الإيجابي طبعا…

 *  وثمة من يقول إن «النثر هو مستقبل القصيدة العربية» ما مدى واقعية هكذا تنبؤ؟

– مثلما ذكرت لا أرى نفسي في هذا السجال إطلاقا، ولا أرى أن ثمة شكلا مطلقا للمستقبل. هذه الرؤية الوثوقية لا تختلف عن قرينتها الرؤية السلفية الواثقة التي تدعي محاربتها، فأشكال التعبير عن تاريخها مفتوحة دائما على التحولات والتغييرات في مستويات متفاوتة.  ومن المفيد في هذا السياق أن أتذكر واقعة دالة وعميقة عبّر عنها الروائي «ميلان كونديرا» وهي شكه حتى في استمرار الرواية نفسها التي يزعم بعضهم أنها الشكل المطلق للعصر الحديث، وينطلق شكه هذا من هيمنة الرؤية الواحدة، ورؤية الإنسان ذي البعد الواحد على الكون البشري برمته، والرواية يفترض شرط استمرارها التنوع والتعدد، وهو ما يصطدم بأحادية هذا العصر الذي نعيش. 

 * توصف تجربتك الشعرية بأنها ما تزال تبحث عن هُويتها الخاصة. هل ترى في هذا الرأي انتقاصا من قيمة مشروعك؟

– إذا كان ثمة توصيف من هذا القبيل فأنني أراه ايجابيا بالنسبة لي، فالقصيدة كما الحياة حركة دائمة في المجهول، وفي الظلام، انطلاقا من كوني فاقد الثقة والمنطلق الأكيد بأي شيء، لغة وحياة، والتجريب بهذا المعنى هو في هذا البحث المرتبك، التائه بين مدن وجبال وأفكار متعددة.

 * هل تمكن النقد العربي من التقاط روح قصيدة النثر ومجاراة نماذجها المتقدمة بكتابة نقدية تضاهيها؟

– هناك بعض الكتابات النقدية تحاول وتكتب بهذا الاتجاه الذي يتناسب مع كون النقد جزءا من الحركة الإبداعية والحياتية، وليس شيئا قادما من كوكب آخر. وهناك نقاد وباحثون من هذا القبيل يقدمون أفكارا وبحوثا جيدة تضع السجال الشعري في مستواه اللائق والحقيقي.

 هل ينازعك العمل الصحفي كرئيس لتحرير فصلية «نزوى» الثقافية في كتابة الشعر، أم أن الموضوع يفضي في النهاية إلى بعضه بعضا؟

– هناك انشغال في العمل الصحفي في جانبه الثقافي، لكن لا أتصور أن هذا يخلّ بالكتابة وبالإبداع، ربما إذا أحسن الواحد منا التدبير الزمني أن تكون المحاولة مثيرة، وفي كل الأحوال هي مهمة لابد من الاضطلاع بها، وهي في اعتقادي مستوى إبداعي آخر.