جديد الكاتب

الشعــر والزمن

كتب “بورخس” ذات مرّة نقلاَ عن آخر، ربما هو نفسه، في لعبة مراياه ونموره بمتاهته المعهودة، التي هي متاهة الكائن في الأزمنة المختلفة.
كتب أن الشعر كالزمن، إذا سُئلت عن معناه سيطرت الحيرة والارتباك والغموض ؛ وإذ لم تُسأل فثمة معرفة ما بهذه ? الحقيقة? الروحيّة البالغة البساطة والتعقيد.
إذا تجاوزنا التعريفات المدرسيّة التي، حتى أفضلها، في ضوء الأطروحة الآنفة، لا يفي ولا يحمل بالطبع سمة ردّ ناجز وجواب، على سؤال  لا يفتأ يتناسل حول مسألة الشعر الجوهريّة كما في ماهيّة الزمان
?الشعر الحقيقي لعنة الولادات الصعبة?.
عبارة جميلة، لكن ثمة لعنات يحملها القدر الولادي، كأن تولد في هذه الأرض المروّعة ولا توجد في أخرى?
في العمق ربما لا يوجد جواب إلا إحساس الضرورة وحدس جوهري بقهر الغياب والاحتجاج على ذلك الانحراف الأزلي لوجود العالم على هذا النحو من الظلم والقبح وانعدام العدالة. لهاث ضار وراء الظلال الهاربة لجمال مرعب وحنون يشبه المغيب على شاطىء هذا المحيط الذي أتأمله الآن مفكراً في هذا الفراغ المدلهم وحيواته الغامضة.
الشعر?لغة الروح العلياء? أو هو ?سيد الكلام?
لكنا نبقى نطارد أطيافاً شبحيّة في الجبال الأكثر نأياً ووحشةً من إمرأةٍ عاشقةٍ تنتحر هجراً ويأسا، أو رجل يحتضر وحيداً بعد معركة خاسرة.

* * * *

حين يضيّع الإنسان مكانه في العالم، كما عبّر سارتر في وصفه للإنسان المغترب أو المنفي، يصبح الشعر ضرورة وجوديّة وحياتية، نوعاً من عزاء وملاذ في ظل اكتساح أزمنة القتل وقيم القطب الواحد أو الرؤية الواحدة  مهما كان مصدرها، اللاغية لأي تمايز وفرديّة ولأي تجلٍ روحيّ في الوجود.
الشعر في مقدمة الفنون الأخرى، تزداد ضرورته إلحاحاً، ومنذ سحيق الزمان، كان التعبير الشعري والنثري على السواء، إذ لا أقيم وزنا ذا بال لهذه الثنائيّة المفتعلة غالبا، كان ضرورة وصلاة وعلامة وجود أعمق حتى في الأزمنة الأقل وحشيّة، والأكثر براءة ونضارة وعاطفة من زمننا الراهن المليء بالأكاذيب والادعاءات الفارغة حول ?التقدم?”??” والاكتشافات والعبقريّة التي هي في عمقها ذات منحى تدميري مضاد وساحق للإنسان والروح وكل القيم النبيلة والإنسانيّة.
هذه الضرورة الوجوديّة للشعر والفنون الأخرى التي تحدث عنها أدباء وفلاسفة، بأشكال مختلفة، تظل أكثر إلحاحاً وتماهياَ بجوهر الكائن المغيّب في زحام الحياة اليوميّة وضوضاء الدعاية والإعلام والحروب والمغيّب وراء كل ما هو سطحي وبليد. مع غض النظر عن ?الوظيفة? والجمهور وحجم النشر، التي لها أسباب تراجعها من جهة، لكن في الضفة الأخرى، يبقى إنجاز القلة والأفراد، والشعر والأدب هو بالضرورة هكذا، هو علامة العافية والصحة الروحيّة حتى لو حمل أقصى سمات العزلة واليأس والخراب، يبقى  نوعاً من ملاذ وعلامة يحيل ويدل على العزلة كما على التاريخ والاجتماع..

* * * *

أيها الحب
أيها الحب
كيف أستردّك من جديد
سماء معجونةٌ باللهاث
وأرض معلّقة في فراغ الكوكبِ
عظْمةً تَتَدحرج
بين أشداق وحوشٍ تكنولوجيّة مَسْعورة

* * * *

هذه الشموعُ المشرفة على الفناءِ
هذه المنارةُ البائدة
التي تركها الراحلون إلى البلادِ المجهولةِ
هاربين من الحرب..
منذ شهور، منذ سنين
تواجه عصْف الوحشة والريح
وما زالتْ تحلم بقادمين
ستجودُ بهم الآلهةُ
ذات زمان