جديد الكاتب

الشعر العماني سيف الرحبي: ((أحس بهدير الأسلاف في أعماقي))

حاوره: اسكندر حبش

سيف الرحبي من الأصوات الشعرية الجديدة البارزة في خارطة الشعر العربي الحديث، يزور بيروت حاليا، حيث سيصدر له قريبا، ديوان جديد بعنوان: ((رجل من الربع الخالي)) عن دار الجديد. لا ينحاز الرحبي الى أي شكل من أشكال القصيدة العربية، لأن الابدع الحقيقي برأيه لا يكمن في كون الشاعر كتب بهذا الشكل أو بذاك، فالمهم عنده هو التجربة والموهبة والثراء الروحي.

حول الكتابة والأمكنة والشعر، كان لنا معه هذا الحوار:

لنبدأ بسؤال تقليدي، سيف، لو تحدثنا قليلا عن نفسك؟

ولدت في عُمان عام 1956، وعشت منذ فترة مبكرة خارج عُمان، توزعت حياتي في أمكنة كثيرة، عربية وغير عربية، كذلك أصدرت المجموعات والكتب التالية: ((نورسة الجنون)) (دمشق 1980) و((الجبل الأخضر)) (1982- دمشق)، و((أجراس القطيعة)) (84- باريس)، و((رأس المسافر)) (86- المغرب) و((مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور)) (89- عُمان)، و((منازل الخطوة الأولى)) (92- القاهرة) و((ذاكرة الشتات)) (بيروت- 92)، وسيصدر لي قريبا عن ((دار الجديد)) ديوان بعنوان: ((رجل من الربع الخالي)).

قلت انك عشت منذ فترة مبكرة خارج عُمان، لماذا؟ هل كان ذلك للبحث عن وهم ما؟ لانك، كما أعرف، عدت مؤخرا الى وطنك؟

 

تقاذفتني الصدف

  على صعيد هذا العيش المبكر، كانت البداية بطبيعة الحال، بداية ذات طموح دراسي، وهي البداية المبكرة، ثم مع مرور الزمن والظروف المختلفة، تقاذفت هذه الغربة مستويات مختلفة، قسرية واختيارية. ثم انفتح مشهد الاغتراب والتنقل على آخره، ومن غير قرار أو سقف.

طبعا، لم تتخذ هذه المسألة تخطيطا مسبقا لأهداف واضحة ومحددة وانما تلقفتها الصدف والنزوع الغامض نحو تحقق ثقافي وابداعي الى حد معين، أي ان هناك هذه الرغبة الملتبسة حول تحقيق شيء ما ليس بذلك القدر من الوضوح والقصدية، لكن مع غض النظر عن الملابسات والظروف الكثيرة التي احاطت بهذه المسألة، فقد وجدت نفسي لاحقا في خضم هذه الاماكن وهذه الضربات، ولا استطيع الآن أن أحدد ماذا اضافت الى حياتي وماذا دمرت فيها ايضا، على الرغم من انها طبعت مجمل نتاجي الأدبي، كما طبعت سلوكي الحياتي. ولا أعرف لو بدأت تلك البداية المبكرة التي قذفت بي الى هذا المشهد المترامي الاطراف في شتاته وحنينه الى الاماكن الأولى والمستحيلة. لا اعرف ان كانت هذه الحياة ستتخذ مسارا آخر، ستكون في سياق هذا القدر الحياتي والكتابي الذي أصبحت أسير شباكه وعلاقاته، ولا أعتقد او لا أحب ان تتخذ مسارا آخر،  طالما هو أقرب الى الحرية وطموحها رغم دماره، بالاضافة الى ان هذه المرحلة التي عشنا غربتها وشتاتها، طبعت جيلا عربيا بكامله. وكانت هناك الاحلام السياسية والفكرية التي آلت الى الانكسار والتمزق، وكان هناك البحث عن المجهول واللامتحقق، هروبا من المحقق والمكتمل القمعي كما هو الحال العربي وأوهامه وآلياته القامعة والمعادية لأي نزوع نحو الحرية والانسان.

 

… والغربة

  هل طبعت هذه الغربة الطوعية، هل لعبت أي دور في نصك وحياتك؟

 طبعا. أشرت الى أن هذه الغربة مركبة من ذلك المزيج القسري والاختياري لأسباب ومستويات مختلفة تتعلق بماض ما، لكن حين يجد الكائن نفسه، بعد سنوات طويلة، في نمط حياة وتفكير وعادات بعينها، بالتأكيد تطبعه بطابعها وتجبله بجبلتها، فلم يعد هناك قدر كبير من الاختيار في تسيير الحياة والامساك بها بالقصدية الواضحة والمطلقة. بمعنى آخر، وجدت نفسي في هذا المسار وفي هذا السياق، فلا أستطيع الا ان أحبه وانتج من خلاله. ومن هذا المنطلق طبعت هذه الحياة المختلفة. وكما أشرت، كان لتغير الأماكن وتقلبها، موضوعا وهاجسا أساسيا في معظم ما كتبت، لأنني لا أستطيع أن أتبنى كتابة استيهامية تعنى باللغة وبنياتها بعيدا عن حياتي الشخصية بتفاصيلها ونوازعها المختلفة. هذه الحياة المربوطة أيضا بتاريخ وبأماكن وأزمان. وأحيانا أحس بهدير الأسلاف في أعماقي، فارضين عليّ منطقهم البدوي الصارم في  هذا الرحيل اللامتناهي.

أي كان للمكان الدور الأساسي في نسيج النص؟

طبعا. فلو تلاحظ في كثير من الكتابات التي أصدرتها، (الشعرية)، انها تتضمن على نحو ما سيرة المكان المخترق بوجوهه وزمانه، تتمزق بالذكريات والآلام والأشياء. من هنا أهمية حضور المكان حضورا طاغيا في ما أكتب. هذا المكان المترجرج دائما واللامستقر والذي لم يعد مكانا قائما وثابتا بقدر ما يجسد غيابا مستمرا ومتقلبا، مما يعطي الكتابة تلك الدفعة الحنينية الجارحة ومما يعطيها سمات الغياب الدائم، أي أنها كتابة عن الغياب ولو كانت تتوسل حضور الأشياء والوجوه والأماكن

هل تأتي الكتابة عندك فقط، على شكل كتابة السيرة الذاتية؟ ماذا تعني لك كتابة الذات؟

هي، على نحو من الانحى، كما أشرت، سيرة ذاتية للذات وتحولاتها ونزوعاتها وانكساراتها، كما هي سيرة للمكان التي تتمرأى فيه هذه الذات، أي انها كتابة سيرة لكن عبر اللغة الشعرية ومنطقها وبنياتها. هذه اللغة الشعرية التي تتوسل ايضا توسيع رقعة الشعر وخروجه على مواصفاته التقليدية الى مناخ موسوم بعناصر من السرد ومن الالتقاطات الحسية والبصرية للناس والأشياء في عبورهم الدائم. كما أشرت الى أنني لا أميل الى الكتابة التي تتوسل تفجيرا مجانيا وتوالدا لفظيا في حقل اللغة يوصلها حد الفراغية على صعيد الدلالة وعلى صعيد الثراء الروحي والوجداني. وفي هذا السياق، ربما كتابي الأخير الذي يجسد سيرة الطفولة وسيرة المكان عبر بنيته السردية والشعرية هو كتاب منازل الخطوة الاولى، الذي يعطي هذه القراءة او هذا الفهم دلالة، ما،كذلك كتاب ((رجل من الربع الخالي)) الذي سيصدر قريبا.

كما تلاحظ، ان هذه المرحلة الشعرية التي نعيشها الآن، على صعيد الكتابات الشعرية الجديدة تتقاطع فيها هذه السمات وهذه العلامات، مقتربة من الشخصي والحسي والتفصيلي ومن عناصر السيرة عبر تناولات ومستويات مختلفة والتي كانت تميل أكثر الى التجريد والى الاحلام الكبيرة المرتبطة بمشاريع ومفاهيم كلية.

أجبت في كلامك، عن سؤال كنت أود طرحه، وهو هل من عناصر أخرى تدخل في كتابة القصيدة، غير السيرة الذاتية، لكنك اشرت  الى ذلك، كما أشرت الى أن هذه السيرة تختلف، وعلى مستويات عدة، عن القصائد والكتابات الحداثية التي سبقتك، كيف يرى سيف الرحبي، هذه الاختلافات، كيف يحددها، وأيضا، كيف يرى المشهد الشعري العربي الراهن؟ هل من تقويمات معينة؟

على العموم، انا لا أميل كثيرا الى تجييل الحركة الشعرية العربية الحديثة وتحقيبها بذلك الشكل الصارم كفروق واضحة ومحددة بين أجيال وفترات متعاقبة، فالكثير من عناصر هذه الحركة وانجازاتها تجدها متداخلة على نحو ما، عبر نصف القرن الماضي: لكن هذا لا يعين عدم امكانية الرصد الذي يحاول أن يلتقط التغيرات والتصدعات التي حصلت على صعيد الشعرية العربية الحديثة عبر فتراتها الزمنية المتعاقبة منذ الاربعينيات والخمسينيات حتى الآن، حيث ان الزمن والحياة والتاريخ وما يلحقه من تغيرات في المفاهيم الثقافية والفكرية ومن تصدع في مستوى الوعي الشعري والانساني بشكل عام، مما يعكس نفسه في النتاجات الشعرية والأدبية، فيمكن للناظر الى هذه الحركة او هذا المشهد الشعري العربي في تعاقبه أن يرى ولو بشكل سريع، أن هناك تغيرا طرأ في هذا النتاج، بدأت تتضح معالمه أكثر في النتاجات الشعرية والأدبية منذ السبعينيات وحتى اللحظة الراهنة. طبيعي أن هذه التغيرات التي تلحظها الآن، أي في مرحلة السبعينيات وما بعدها كانت موصولة بإنجازات شعرية قبلها، أي ليست هناك قطيعة مع السابق بقدر ما هناك من تواصل ونفي في الوقت نفسه.

ويمكنك ان تلاحظ مثلا، الركون أكثر الى كتابة السيرة الشخصية عبر الشعر والى الكيفية المختلفة في التعامل مع عناصر تتعلق بالتاريخ والاسطورة وبالواقع المعاش، بحيث ان مرجعية الواقع، المعيش والراهن، صار الشعر في جانب كبير منه يتغذى منها أكثر من الاتكاء على موروث أسطوري وتاريخي. وكما تلاحظ ايضا ان المشهد الشعري العربي الراهن تخترقه القصيدة النثرية أو ما دعيت هكذا بشكل متسع، أي صارت هناك امكانية شعرية خارج الدائرة: المنجز والجاهز سلفا. لكن هذا لا يعين أن هذا الشكل التعبيري له السيادة المطلقة في المشهد الشعري القائم وانما يشكل اضافة ابداعية وانجازا معينا بجانب القصيدة التفعيلية التي هي أيضا أحدث جوانب الانجازات الابداعية في هذا المشهد الشعري.

في تصوري، ان الابداع الحقيقي لا يكمن في كون الشاعر الفلاني كتب بهذا الشكل أو بذاك، وانما يكمن في مكان آخر يتعلق بالتجربة والموهبة وبالثراء الروحي للكاتب.

 

… والمشهد

بعد حديثك هذا، الى أي مشهد شعري عربي أنت منحاز؟

لست منحازا مع شكل ضد آخر..

لا أقصد الشكل…

أقصد انني لا انحاز انحيازا مطلقا مع هذا ضد غيره وليست هذه المسألة في اطار هواجسي ووجهتي، لكني بطبيعة الحال، اجد نفسي، شعريا، مع قصيدة ومع رؤية شعرية للوجود والعالم، أكثر من غيرها، بمعنى آخر ان قصيدة النثر التي تندرج معظم كتاباتي في اطارها لا أجدني مضطرا للدفاع عنها دفاعا عشوائيا لأن هذه القصيدة لها اضافات وانجازات على أيدي شعراء معينين، ولها عكس ذلك على أيدي آخرين.

ومع ذلك سأضطر الى القول انني لم أقصد الشكل وحده، بل ما أحاول قوله هو التالي: لنأخذ الشعر المكتوب في المغرب العربي، مثالا على ذلك، أنه وبمعنى ما، يختلف عن الشعر المكتوب في المشرق، وحتى في كل دولة من هذه الدول، نجد للشعر رؤى وعوالم مختلفة. بهذا المعنى، وان جاز التعبير، الى أية مدرسة تنحاز، وبشكل آخر أيضا أي شعر تحسه يعبر عن هواجسك وعن رؤيتك؟

أيضا أجدني مضطر للقول ان هذه المسألة لابد انها تندرج في الكلام عن الأشكال والميول والتوجهات الشعرية المختلفة على صعيد  الساحة العربية بشكل عام، فنلاحظ ان هناك نمطا كتابيا شعريا معينا يتقاسمه شعراء يكتبون، مع الاختلاف طبعا، ضمن مناخ مشترك أو مناخ ذي سمات مشتركة في بلدان عربية كثيرة. هذه البديهية طبعا، لا تلغي خصوصيات الكتابة لكل بلد، أيان هذا المشترك الشعري، البديهي مخترق ايضا بالسمات الخاصة والكلام حولها. وفي هذا السياق اجدني ذا قرابة شعرية اكثر للشعر المكتوب لبنانيا وعراقيا او بعض هذا الشعر، مع عدم ميلي الى التصنيف المدرسي المتبع أحيانا في وسم هذا الشعر بهذا البلد او بذاك.

بعد هذا الكلام حول الشعر وتوجهاته واختلافاته، ماذا يعين لك الشعر؟

هذا السؤال بقدر ما هو من البداهة بمكان، بقدر ما هو بالغ التعقيد، فمن يعرف على وجه الدقة تحديد ماذا يعني الشعر بالنسبة لي أو بالنسبة للآخر. ولو تبنينا مقولة جان كوتو في هذا المجال: ((الشعر ضرورة وآه لو أعرف لماذا)). بالنسبة لي بدأت كتابة الشعر بشكل فيه من اللامبالاة شيئا كثيرا، لكنني بعد هذه السنين وهذه الاصدارات أجدني متورطا فيه مثلما انا متورط في الحياة بأكملها، أي انني أجد نفسي في مناخ من الالزام الصارم وفي مناخ من محاولة الاخلاص له والدفاع عنه في منطقة لا تتقبل الجديد الا بصعوبة بالغة. ولا أتصور أحيانا الاستمرار من غير كتابة الشعر ومن غير السكن فيه.

بدأنا بسؤال تقليدي، ولننه هذا الحوار بسؤال ربما يكون غير تقليدي. ما هو السؤال الذي لم يطرح عليك في مقابلاتك العديدة. وكنت تحب أن يطرح عليك؟

هناك في العمق شيء غائب، سواء أفي الكلام حول محاور معينة أم في العيش بمدينة معينة ومكان معين أم في العلاقة بامرأة أو بحر. وهذا الغياب الحارق، وربما هو الذي يدفعني الى الكتابة والى اغراء الهاوية. أي ان هذا السؤال هو جزء من غياب كامل أحسه ولا أعرفه.