جديد الكاتب

الشعراء المترجِمون

تحفل الخارطة الثقافية والشعرية ، عالمياً وعربياً ، بتلك الطائفة من الشعراء المترجمين ، الذين إلى جانبِ إنجازهم الشعري والإبداعي ، نقلوا أهم الاعمال والعلامات الشعرية والنثرية، في عصرهم والعصور الاخرى ، ذات التأثيرات المختلفة على أنماط التعبير الشعرية والكتابية …

فكأنما الترجمة بجانب كونها الحوار المعرفي الأكثر حسماً بين الثقافات والشعوب ، فضاء آخر للمبدع يتنفس من خلال رئته الهواء الأكثر غنى وتكثيفاً للتجربة الروحية والكتابية …

تحفل الخارطة الشاسعة للثقافات المختلفة بالأسماء الكثيرة التي تؤسس وتؤرخ لهذا السياق المعرفي والجمالي ، عبر لغاته المتنوعة المتباينة .
عربيا من الشعراء والكتاب نذكر على سبيل المثال : يوسف الخال ، ادونيس ، سعدي يوسف ، توفيق صايغ ، جبرا إبراهيم جبرا ، عبداللطيف اللعبي ، فاضل العزاوي . ومن ثم بول شاؤول ، محمد بنيس ، حسن نجمي ، هلال الحجري ، أمين صالح ، عبده وازن ، عيسى مخلوف ، جمانة حداد ، ظبية خميس ، عادل اسماعيل ، ميلود حكيم ، محمد عيد ابراهيم ، شارل شهوان …. الخ.
****
ما قرأت مؤخرا في هذا السياق ترجمات لأسماء أضافت إلى الترجمة نحو العربية مثل كاظم جهاد وبسام حجار ، ومن الجيل اللاحق إذا صح التعبير سامر أبو هواش .
الأول في أكثر من كتاب ، آخرها ما كتبه (ريلكه) من شعر باللغة الفرنسية لتكملة مشروع ترجمة أعمال ذلك الشاعر الكبير المترحل بين الأماكن واللغات . كاظم جهاد الذي أصدر ديوانه الشعري الأول (يجيئون أبصرهم) في وقت مبكر ، أواخر السبعينيات .
صار في السنوات الأخيرة واحداً من أعلام الترجمة في تجليها المواظب المسؤول والعميق عبر قدرته على نقل الكثير من النصوص ذات الطابع التركيبي الملتبس بالمعنى المعرفي ، وإجلاء تلك العتمات الوعرة ، التي عبر الترجمة إلى لغة أخرى يمكن أن تتحول إلى سور يحجب حتى القراءة المدربة الواعية ، عن الدخول والتقاط لآلئ النص الخبيئة ..

بهذا المعنى نقرأ ترجمات هؤلاء الشعراء الأقران وقد حولوا الأصول المترجمة إلى بهاء العربية وأنساق جمالها الخاص وأضحت (النصوص) جزءاً من نسيج هذه اللغة ، بإيقاعها الضارب الأصيل بالمعنى التاريخي والإبداعي..
بسام حجار عبر عزلته كاهن شعر وترجمة ، كاهن موت ، وصلت كتبه المترجمة على ما يربو الستين ، كمّاً لا يخطئه الكيف والنوع ، من محاضرات هايدجر (الفلسفية) وحتى روايات جورج سمنون ، ومواطنيه باللغه الفرنسية وآخرهم الكسندر نجار في (رواية بيروت) مرورا بعشرات الكتب والمؤلفات ذات القيمة الفكرية والفنية العالية .

يحفر حجار طريقه الصعب الخاص وسط تهافت القيم وسيطرت زمن الاستهلاك وحروب الطوائف التي تتناسل مجزرة تلو الأخرى . من غير كلل ولا رجفة ضوء تلوح في جنبات هذا المشهد المفعم بأسباب انهياره وحتفه.
****
في رواية (على الطريق) لجاك كرواس ، التي ترجمها لأول مرة إلى العربية في حدود ما أعلم ، سامر أبو هواش والتي اعتبرت بعد الحرب العالمية الثانية مع قصيدة (عواء) التي ترجمها سركون بولص ، (مانيفستو) جيل (البيت) الجيل الهامشي أو المنبوذ المندفع ضد كل ما تمثله المؤسسة الرسمية الأمريكية والأوروبية التي في نظر هذا الجيل الناقم ، قادت وتقود البشرية إلى مهاو سحيقة من الخراب ، وضد لغات الأدب السائد ، باحثة عبر التجريب الأسلوبي والحياتي المتشرد فوق (أرض الاحتمالات والمجهول) عن أفق آخر سيترسخ لاحقاً عبر أعمال وأسماء كثيرة .

أبو هواش في ترجمته هذه الرواية وغيرها، يتميز بوضوح لغته وصفائها وعبر القدرة على نقل تلك المناخات المتشظية والمبعثرة بين دفتي هذه الرواية الطليعية.
ترجمات كاظم جهاد الأخيرة ورواية (على الطريق) من إصدار دار الجمل والتي يشرف عليها الشاعر والمترجم خالد المعالي ، الذي يندرج اسمه ضمن سياق الإشارات السابقة ..

الترجمة الجيدة بهذا المعنى ترقى إلى مستوى الإبداع الحقيقي الخاص حسب عالم الجمال الايطالي (كروتشه).

 

1