جديد الكاتب

الشرطي الإنجليزي (شظـايــا بشــرٍ وأمكنـــة)

في غمرة هذا الليل الانجليزي الضارب في الترف والهدوء، أتذكر (إليوت) وكيف أحال هذه البلاد المزهوّة بالحضارة والمجد، إلى صحراء، لا تجود بمثلها قحالةً ويباساً وقسوةً، حتى صحراء الربع الخالي في جزيرة العرب أو صحراء (آتاكاما) في التشيلي اللاتينية، التي لم يهلك سكانها الأصليّون من عنف الطبيعة، بل من غزو الحضارة وتبشيرها..

***
الغيوم تدخل من النافذة، مثقلة بالأمطار والثمار، تقبِّل (عزّان) الذي نام في غرفتي ليلةَ البارحة، حالماً بنمر الغابة والتمساح الذي يطارد السناجبَ والبط المحلِّق في أرجاء البحيرة الفكتورية.. الرعد يحمل الأفق على صهيل حصان ينطلق في البراري.. وقهوة مرة مع كتاب بينما غرباء يدلفون المقهى ويذهبون: النعمة أخيراً، تلك التي حلمتُ، وقد أدركتُها في خضم هذا الصيف الذي تناءتْ عني ساديته الضارية.

***
بهدوء جليل وخفي يتنزه الحلزون على جدران الحدائق والغابات.. لا تكاد الحشرة تلحظه ولا الانسان.. حاملاً بيته كما يحمله المشردون والصعاليك.. وبما هو أكثر من الصمت يمارس حياته السريعة الخاطفة على الأرض.. لكن ها هم المستكشفون يقتحمون عزلته جاعلين منه قرباناً لشدّ الجلود المترهلة في مطلع الشيخوخة..

***
الخوف الذي وُلد مع صرخة الولادة، ونما وتراكم عبر أطوار العمر والخطوب، حتى تحوّل إلى تلال ووهادٍ وجبال:
هل يُدفن في القبر معنا، أم يتحول إلى غذاءٍ للبراكين النائمة في أعماق الأرض منتظراً لحظة الانفجار؟؟

***
بين اليقظة والنوم أسمع الأطفال، وقد استيقظوا متحدثين إلى بعض، كما تستيقظ العصافير وتهرع إلى النبع، أو خليّة نحلٍ تستيقظ من مخابئها إلى الحركة والانطلاق.. لا شيء يمنعهم من معانقة الفضاء والحرية، كالحرارة العالية مثلاً..
عليّ أن أمضي سريعاً قبل أن يحصل الاشتباك، نحو المقهى الأكثر هدوءاً في هذه القرية.

***
اخترنا (طيران الإمارات) التي تسيِّر رحلاتها إلى (برمنجهام) مباشرة، وكان القصد قرية (بريستون) في الريف الانجليزي، غير البعيدة عن هذه المدينة الصناعية والملتصقة بمدينة (روبن هود) (نوتنجهام) تفاديا لمطار (هيثرو) الضخم المزدحم بمختلف أنواع الجنس البشري مما يجعل التشديد والكثافة الأمنية، وتجنبا لذكريات مريرة في هذا السياق، حين أتيت لأول مرة إلى بلاد الانجليز..
كان الصيف العُماني والجزيري في ذروة عنفوانه الحراري جفافاً ورطوبة (فرن جيري) هكذا وصف (رامبو) في رسائله (عدن) و(مسقط) من الأماكن الأكثر حرارة في العالم حسب الضابط الانجليزي، (روبرت ميجان) والذي ينطبق على المنطقة بأكملها.. وكالعادة كان طقس بلاد (الخواجات) السخي ما زال يميل إلى البرودة، حلما فردوسيا نحلم به ونتمناه كخلاص قادم، ونحن نتطلع إلى شاشات التلفزيون والاجهزة الالكترونية، خاصة ذلك الطقس الذي تكون سماؤه ملبدة بالغيوم والأمطار كما هو حال هذه القرية الانجليزية.
مضت الرحلة من غير عوائق عدا ازدحام الصيف العادي، بالمسافرين والمترحّلين عبر الأماكن والقارات..
وصلنا مطار (برمنجهام) السابعة والنصف بتوقيتهم، وبجانب حلم الطقس الضبابي الغائم كان هناك حلم الدخول السلِس من غير ذلك الإرث السيئ الذي تحمله ذاكرة الكثيرين لهذا البلد الكولونيالي العتيد، المؤسس لقيم الاستعمار الأساسية، ببراعة مدرسةٍ ومرجع.. فاذا كانت (اسبانيا) وشبه الجزيرة الإيبيرية رائدة زمنيا لهذه السياقات المدوخة فقد أضاف البريطانيون إلى العنف الايبيري الكاسح والمباشر فتكاً وتنكيلاً واستئصالاً للشعوب الاخرى التي تأتي شعوب قارة أمريكا اللاتينية في طليعتها، أضاف قيم الدهاء والمراوغة والمكر، وعبْر دراساتهم التاريخية والنفسية للشعوب (الفرنسيون ايضا في هذا المنحى) أي دمجوا سلاح العنف العاري بقيم العنف الخبيء الذي تظهر نتائجه الأكثر تدميرية مع تقادم الزمان..
كان المطار صغيرا جدا مقارنة بتلك المطارات العملاقة التي يقضي المسافرون وقتا طويلاً لاجتياز عقبات الإجراءات البوليسية وغير البوليسية… وصلنا إلى (الكاونتر)، كانت على مقعده شقراء جميلة يمكن أن تنسيك بوليسيتها سارحاً في حقول الجمال الفسيحة، لولا الصرامة والتجهم اللذين تناولت بهما الجوازات، وقد أخذت في تقليبها يساراً ويميناً، طارحةً بعض الأسئلة السريعة، حين قالت انتظروا مع أطفالكم هناك على الكراسي حتى أعود، في الوقت الذي كان المسافرون من ذوي السحنات الشرقية الهندية والباكستانية يدخلون من غير توقيف.. اشتعلتُ غضبا قائلاً لزوجتي لا يمكن تفادي ذلك السلوك الانجليزي المدمّر للأعصاب، لا يفيد تغيير الجوازات ولا المطارات والمحطات، ثمة عقد مبرم على نحو من صلف وغموض، لا حل إلا بعدم المجيء إلى الأبد (ففي الأرض منأى للكريم عن الأذى) اذن ما زال هذا القول صالحاً للمرحلة الراهنة، وهناك في بلاد الله الواسعة، ما هو أكثر جمالاً مقرونا بالتعامل الانساني الطيّب… وتذكرتُ ذات مرة حين كنت قادماً من (باريس) عبر القطار، إلى محطة (واترلو) في قلب لندن، كيف تعرضت لإجراءات صارمة وتفتيش دقيق، امتد لساعات بحجة انني أحمل تأشيرة (كولومبيا) التي كنت قادما منها للتو، مع أصدقاء من الكتاب والشعراء، الذين دخلوا من غير ارتياب وهم يحملون نفس التأشيرة المشبوهة. وحين اكتشفوا بعض المطبوعات والكتب في الحقيبة للتو جاءوا بمترجم للعربيّة والاسبانية، وفق محتوى الكتيبات التي أصطحبها من كولومبيا.. حاولت الاتصال بمن ينتظرني في المحطة، لكن المفتش قال ان ذلك ممنوع، وأشار إلى صورة في الجدار توضح ذلك.. بعد إطلاق سراحي قلت للمفتش انني قادم من مؤتمر أدبي في كولومبيا، وليست، لي صلة (ببالو اسكوبار) وأحمل جواز بلد صديق للمملكة المتحدة منذ قرون.. ابتسم المفتش بسخرية وذهب… محطات الدخول دائما هي البرهة الأكثر حساسية للمسافرين في تكوين المشاعر والانطباعات الأولية حول البلد المقصود..
الأطفال يقفزون بين الحواجز والكراسي غير عابئين بكل هذه المهازل والإجراءات، التي صنعها البشر على نمط عدوانيتهم ومخاوفهم المتجذرة في النفوس أكثر من أي صفة أخرى، يحملها الكائن منذ الولادة.. مرت الدقائق والثواني ثقيلة حالكة، تذكرت خلالها أول اتفاقية أبرمها السيد سلطان بن أحمد عام 1800، مع الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وإن غابت لاحقا وضعفت لكنها لم تنحدر إلى درْك الهاوية والانحطاط التي تنحدر اليها الحضارات القوية عادة كونها جزءا من حضارة الغرب الأمريكي.. تلك الاتفاقية التي تحمل مفردات خطاب لاهوتي في أزليّة العلاقة بين البلدين ووثوقيتها ومتانتها… «الصداقة بين البلدين ستبقى غير مهزوزة حتى نهاية الزمن والى أن ينتهي دوران الشمس والقمر» وتذكرت مجيئي إلى لندن أول مرة قصد الإقامة والعمل في صحيفةٍ عربية أسوة بالزملاء في تلك المرحلة..
مرت الدقائق والثواني ثقيلة قاتمة، لم يخفف منها حضور الأطفال وشقاوتهم بل زادها قتامة وحزناً، حتى عادت شرطيّة (اسكتولند يارد) من داخل المكاتب السريّة، تلوح كإحدى نساء (جيمس بوند) على شفتيها ابتسامة واعتذار وشيء من شوكولاتة للأطفال الذين أخذت في ملاطفتهم والسؤال عن أسمائهم.. جعلني سلوك الشرطيّة الحسناء، أنزل فجأة من علياء غضبي إلى قعْر الرضا القروي الذي يتهافت وينسى، أمام (الكلمة الطيّبة).

***
في ذلك الزمن الذي أضحى في غابر الأزمان بما يكتنف هذه العبارة من غبار كثيف، وضباب وعتمة تسرح فيها الحيوات والوجوه على غير هدى، في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، أتيت إلى انجلترا، يمكن القول انها أول مرة لولا تلك الزيارة السريعة من القاهرة حين جئنا كرحلة طلابيّة، أتيت إلى العاصمة البريطانية.. كان الفصل شتاء، وكنت قادما من سوريا عبر الكويت التي عملت فيها التأشيرة من السفارة البريطانية بعد أن رفضتْ السفارة نفسها في دمشق..
في تلك المرحلة كان الغزو الإسرائيلي الأول على لبنان قد أنجز مهماته بضراوة، رحيل منظمة التحرير برموزها النضالية والثقافية والسياسية، كان يلقي بظلاله وتبعاته الثقيلة القاتمة على لبنان وسوريا، وكان الداخل السوريّ يغلي بمواجهات مسلحة بين النظام والمعارضة التي يتصدرها عسكريا، وليس سياسياً في تلك المرحلة الاخوان المسلمون. اعتقالات واسعة في صفوف اليسار والمثقفين، في الفترة نفسها اعتُقل كل من مفيد نجم، فرج البيرقدار، وثائر ديب، ياسين الحاج صالح، يوسف عبدلكي، هالة عبدالله، والقائمة تشمل العشرات والمئات، أي كان الوضع في قلب التوتر والانفجار. واعتقل لاحقا من الخليج العربي القيادي البحريني عبدالرحمن النعيمي أو سعيد سيف حين اشتموا رائحة معارضة منه لنهج النظام السوري الكاسح القمع والتصفية.. كان الوضع الأمني في ذروة أزمة دمويّة، انفجارات في كل مكان خاصة في دمشق تطال رموز سيادة النظام ووجوده وحرائق وتفجيرات في كل أنحاء العاصمة، جثث وأشلاء، ملقاة في بعض أنحاء العاصمة حتى في المزابل وبراميل القمامة. وفي الأفق الأعم انطلاقاً من لبنان الذي خاض فيها الفلسطينيون وبعض حلفائهم اللبنانيين حربا ضد الغزو الإسرائيلي تصل حدّ الاسطورة في التصدي البطولي والمواجهة، كما خلدها محمود درويش في قصائده الملحميّة الكبيرة.. وحيدين في ساحة المعركة اللامتكافئة، إلا من خطابات الزعماء العرب اللفظية والكوميدية أحياناً مثل خطاب القذافي الذي يدعو فيه الشعب الفلسطيني وقيادته إلى الانتحار ويلقنهم دروساً في الثورة والمواجهة، بداهة فضح ذلك الغزو الذي تحرك فيه الجيش الاسرائيلي بكامل قوته وعتاده وتعبئته هشاشة أطروحة الأمن القومي العربي وتهافته الذي امتد بشكل أكثر فظاعة وانحطاطاً في الوقائع والأحداث اللاحقة التي عصفتْ بالمنطقة وأحالتها إلى نهبٍ وحطام..
كانت مرحلة جديدة ترسم في الأفق انطلاقا من لبنان توزع فيها الأدوار على قوى وأحزاب نشأت حديثاً أو هي طور النشوء.. تلك العناصر والظروف سحبت نفسها على الأصدقاء من مختلف الأرض العربيّة الموبوءة، الذين كانوا يقيمون في لبنان وسوريا، معظمهم في كنف المنظمات الفلسطينية مادياً ومعنوياً.
في ذلك المناخ الجديد كان الضجر والضيق حدّ الاختناق رحيل الأصدقاء واضطراب الوضع حيث تحولت دمشق إلى ثكنة عسكرية (تلك المرحلة وما سبقها هي أكثر من بذور ومهد وجنين، تتعاظم بقوة وعنف مستشر وواضح، لانفجار الثورة اللاحقة المغدورة، والحقيقة ان الشعب السوري بكامله، هو المغدور في هذا المشهد القيامي المروّع للعذاب الإنساني، في تلك الفترة سمعت من بعض الأصدقاء، أن مجلة (الأزمنة العربية) التي أغلقت في الامارات العربيّة المتحدة، تنوي الصدور في العاصمة البريطانية، وأن محمد عبيد غباش وأخاه الأكبر غانم والشاعرة ظبية خميس (أخت محمد من جهة الأم) موجودون في لندن لإنجاز وضع المجلة الجديد.. كنت قبل إغلاق المجلة المذكورة قد عملت مراسلا لها في دمشق.. حملتُ رسالة رسميّة من المجلة إلى وزارة الاعلام السوريّة بمعيّة الراحل الصديق ممدوح عدوان الذي كان يعمل في نفس الوزارة إلى قسم الرقابة، وكان مسؤول الرقابة الشاعر محمد حديفي الذي تجاوز سلسلة إجراءات معقدة، لأعطى بطاقة المراسل المعتمدة بسلاسة ويسر.. تذكرت هذه الحادثة حين أصدرنا من العاصمة العُمانية مسقط، مجلة (نزوى) وطلبنا دخولها إلى سوريا التي تشكل يقيناً منطقة حيويّة وحاسمة، في مسار الثقافة العربية ماضيا وراهنا، كان الجواب، أن بحث دخول المجلة أي مجلة أو مطبوعة، لا يتم إلا بعد إصدارها السادس، وهكذا دخلتْ نزوى بعد العدد السادس..
استطعتُ التوصل إلى هاتف محمد غباش في لندن، وعلى الفور اتصلت به وأبدى ترحيباً، أخويا من غير كلفة ولا مماطلة، قال (أعمل تأشيرة ونحن بانتظارك) رفضتْ السفارة البريطانية التي ذهبت اليها بمعية الراحل عبدالله طرشي اعطائي تأشيرة، حيث إن قانون السفارة ينص على ان أي مواطن لابد أن يحصل على تأشيرة دخول انجلترا من بلده، وليس من بلد آخر.. نصحني البعض ان أذهب إلى الكويت، ربما تكون الأمور هناك أقل صعوبة. اضافة إلى ان الكويت بلد خليجي.. أخذتُ بعضي إلى الكويت، حيث ان البعض الآخر سيظل أسير عاطفة متدفقة لدمشق وبلاد الشام عامة، حتى النهاية..
في الكويت حيث لا أملك من المال ما يكفي لنزول فندق، نزلتُ لدى عائلة عمانيّة مضى عليها زمن هناك، ضمَن عائلات عُمانيّة استوطنت ذلك البلد ذي الانفتاح المبكر، مقارنة ببلاد خليجية أخرى.. كانت العائلة أخوة وأقارب أتذكر على وجه التحديد عبدالكريم العلوي الذي ساعدني كثيرا لعلاقاته، مع السفارة البريطانية التي وافقت أخيراً على التأشيرة، لكن برسالة من السفارة العُمانيّة في الكويت. وهنا ايضا قام عبدالكريم بدور حاسم مدعوماً بأبي صلاح الغساني عريق الإقامة في تلك البلاد.. ذات مرة دعاني الغساني إلى منزله، وصدفة جاء لزيارته شيخ جامع في الكويت، ربما من أصل عُماني، عرفني عليه أبوصلاح.. على الفور سألني الشيخ، إن كنت متزوجا؟! فُوجئت بالسؤال، وبسرعة أجبته بأنني (مطلق) منذ فترة قريبة، كانت بداهة الجوانب السريعة، ترمي أن يحلّ، ولا يتابع معي مسيرة سمسرته وتبشيره بالزواج وغيره فعندي من الهموم والمشاكل ما لا يسمح لي بمثل هذه الثرثرة مع شخص ألتقي به للمرة الأولى. لكن ما حصل العكس حيث قال (جئت في وقتك) والتفت إلى أبي صلاح (عندي زوجة صالحة له) بعد أن ارجأنا البحث في الزواج، وخرج الشيخ قال لي أبوصلاح انه يقول لكل من يلتقي بهم ذلك.. حين خرجتُ من المنزل، نسيت الشيخ، اذ رحت أفكر بالسفر إلى لندن والاقامة هناك متنعماً بالديمقراطية الغربيّة والطقس، بعد أن تنعموا طويلاً وما زالوا، من خيرات الشعوب الرازحة تحت أحمال التاريخ الباهظة..
فترة إقامتي القصيرة في الكويت التي أزورها لأول مرة، مع تلك الأسرة العُمانية العلويّة الكريمة.. والعلوي انتماء إلى قبيلة (بني بوعلي) في جعلان بالمنطقة الشرقية من عُمان وبما اننا في السياق الانجليزي تقول الرواية، ان هذه القبيلة حاربت الانجليز على سواحل (البحر الحدْري) بحر العرب المتاخم لمناطقهم، في التلال والهضاب حرباً شعواء شرسة امتدت فترة من الزمن، تجرع فيها الجيش الانجليزي واحدة من أفدح هزائمه وأقساها.. وحين عاد الانجليز حسب (روبرت ميجنان) الذي كان ملازماً في تلك الحملة العسكرية للثأر من الهزيمة الآنفة عام 1821، ورسا الاسطول الانجليزي قبالة تلك السواحل، وجدوا مقاومة اسطورية من قبل بني بوعلي فاقت كل توقعات الجنود البريطانيين المدججين بأحدث الأسلحة والمعدات، كما يصفها ميجنان «ان كل من شاهد هذا الهجوم الفريد أعلن أن شكيمة أقوى وعزيمة أمضى لم تظهرها قط قوات أي شعب آخر.. وأن العرب كانوا أكثر ثباتاً وشجاعة من القوات البريطانية».
وهذا التوصيف البطولي يشبه وصف (هاملتن) لشجاعة العُمانيين في مواجهتهم للغزو البرتغالي قبل الانجليز «رغم أن البرتغاليين هاجموهم من حصونهم على الجبال فان العرب لم ينظروا إلى الوراء، ولم يحفلوا بالأعداد العظيمة من رفاقهم الموتى بل صعدوا الحيطان على جثث قتلاهم».
خلال إقامتي في الكويت التقيت بعض الأدباء الكويتيين ونائبا في البرلمان دعاني لعشاء في فندق (الشيراتون) وكان الشاعر سليمان الفليح في مقدمة هؤلاء، وقد رحل عن عالمنا في غضون هذه الايام التي أكتب فيها عجالات الذاكرة هذه..
كان الفليح زار دمشق، وكان معظم وقته بصحبتنا، تعرف فيها على دمشق، المقاهي والمنتديات التي يستوطنها الأدباء والفنانون، وكان الأكثر حضوراً بين الوافدين إلى عاصمة الأمويين، الأدباء العراقيون… مرة في مقهى (اللاتيرنا) اصطدم سليمان بأحد الأدباء العراقيين حول صلة الكويت بالعراق، هل تابعة أم لا، ورغم إن سليمان من فئة (البدون) والعراقي من معارضي البعث الصدامي، تطور النقاش إلى صِدام شخصي حيث انفجر العراقي (مسوي نفسك صعلوك وأنت في جيبك بطاقة بنكية) كانت بطاقة البنك في تلك الفترة غريبة في هذه الأوساط وتهمة.. لكن أبوسامي المنحدر من أسرة بدوية، ليس غريباً على الصعلكة والترحل.. لم أكن أعرف الجو الأدبي في الكويت إبان ذاك. كنت أعرف ليلى العثمان واسماعيل فهد اسماعيل سماعاً، ولا أعتقد أن سعديّة مفرح وجيلها قد ظهروا على الساحة بعد.. كان جو الصيف الكويتي راعباً ليس بسبب غلوّ الحرارة التي يتقاسمها مع الخليج والجزيرة العربيّة، وإنما بسبب ذلك الغبار الكثيف (الطوز) تلك الرمال المتحولة التي تسوقها رياح الصحراء، فلا تجعلك تتبين الجهات أو الوجوه والأشياء، الكل غارق في سديم الغبار، ذكرني على نحو مفارق ونقيض بطقس صوفيا الشتوي حين تكتسح الرياح الثلجية القادمة من جبل (فيتوشا) المدينة فلا تجعلك ترى أصابع يدك المتجمدة أو الحقيبة التي تحملها على كتفك..

***
وصلت مطار (هيثرو) نهاراً، من خلال الزجاج، رأيتُ السماء تمطر بغزارة من غير انقطاع، وطوابير المسافرين في الممرات وحواجز التفتيش وعلى مداخل مراقبة الجوازات، ورغم طول المشي ومن ثم الوقوف المزدحم لم يكن هناك ضجر أو تعب، اذ أن المشهد حافل بزخم الرؤية والحركة لهذه البشريّة القادمة من كل أرجاء العالم في هذه المباني الأنيقة للمطار.. جاء دوري حيث سلمت الجواز على صفحة التأشيرة، ظنا مني ان الأمور ستمضي سهلة سريعة أسوة بمن كان قبلي من القادمين.. أخذ شرطي (اسكوتلند يارد) الجواز، الشرطي ذو اللحية الشقراء التي لو تركها على سجيتها من غير تشذيب لكان أكثر شبها بقراصنة الشمال الشرسين، أخذ الجواز، دقق في التأشيرة بإمعان، وبنفس الإمعان والتدقيق كل صفحات الجواز لدرجة انه صار يوزع الواقفين في الطابور على الكونترات الأخرى.. ثم أخذ في طرح الأسئلة واحداً بعد آخر، حتى نفدت ذخيرتي من مفردات اللغة الانجليزية، حيث إن اللغة العربية التي قُدّت من عصمة النظام القائم، بين القاهرة وبلاد الشام ومعظم تلك البلاد النائية، لا تغري بدراسة لغة أخرى، عدا المقرر الروتيني الضعيف في المناهج، ذلك النظام أو الأنظمة التي تحشد شواهد التاريخ وعناصر القومية ليس لهدف، عدا تغييب الحاضر والمستقبل ووقائعهما الحية، بتجميد الزمن والتاريخ تحت أقدام السبابيط العسكرية والطائفية.. ثم وجدت نفسي في مكتب داخلي للأمن بصحبة مترجمة، بعد أن فتش محتويات الحقيبة من المتاع القليل، أخذ في تفتيش الأوراق التي كنت أحملها، ويسأل من غير انقطاع عن محتويات تلك الأوراق ومضمونها ولأي هدف تستخدم…
خمس ساعات مرّت في غمار ذلك التحقيق الذي امتد إلى كل التفاصيل الشخصية والمكانية التي يحمل الجواز أختامها واقاماتها، سوريا، القاهرة، الجزائر، بلغاريا… الخ حين أُفرج عني بعبارة الشرطي المودعة (سنعرف إن كنت قادماً للعمل، والأفضل أن تخبرنا بنفسك).
ذهبت من مكتب التحقيق متعبا حدّ الزوغان والغياب، وبي رغبة قوية في العودة إلى عُمان بعد انقطاع وغيبة، وتذكرت أهمية الأوطان والاستقرار. هذه الاطروحات القارّة في الوعي الجمعي على مدى تاريخ البشر، لكن عمري آنذاك لم يصل الثلاثين بعد، وفكرة الاستقرار بالنسبة لي ليست إلا تجريدا محضاً.
في خضمّ هذا الوضع المشوش المرتبك لمحتُ كابينة تلفون أخرجتُ المفكرة التي لم يوفرها التفتيش، وأخذت اتصل بمحمد غباش، قائلا انني في المطار، أجاب انه بانتظاري في البيت..

***
عبر الطريق الممتد من المطار، الغارق في زرقة المطر والشجر والضَباب، تلك الطبيعة النقيضة لطبيعة البلاد الأولى، والتي تنسجم مع تكويني المزاجي، على رغم الولادة والنشأة بين تلك الأطواد الاسطورية المُحاطة بالصحراء ربما الأكثر قسوة في العالم، والتي ظلت على قسوتها، نبع وجدان وخيال لا ينضب، انه الكائن المجبول على التناقض ونوازعه الغامضة، أكثر من الانسجام المزعوم واتساقه… على رغم هذه الطبيعة الباذخة، التي (لا يشق منظرها) حسب عبارة المتنبي، وإنما ينعش الحبور والحيوية في النفوس المضطربة خاصة، هذه الطبيعة الحلميّة على رغم ذلك ظلت صورة الشرطي «الملتحي» بنبرته المظلمة الجافة تلاحقني، وستظل كذلك لفترة طويلة مثلها مثل نبرات رجال أمن وشرطيين كثر يتوزّعون على مطارات الوطن العربي وبلدانه، وبصورة أكثر جفافاً وظلاماً مثلها مثل صورة (المقدم زكي في قسم جابر بن حيّان في الدقي) في ذلك الزمن البعيد الذي ظلت صورته على مدى السنوات المتلاحقة، برأسه الأصلع والسيجارة تتدلى من شفتيه المنتفختين مثل عينيه ربما بسبب السهر وهاجس الترقية.. كانت صورة المقدم أراها في كل سيارات الأمن والشرطة التي تجوب شوارع القاهرة، في المنتديات الطلابيّة والأماكن العامة… مرة جاء المقدم على حين غرة، إلى اتحاد طلبة البحرين في شارع السبكي غير البعيد من قسم جابر بن حيان. كان ثمة ندوة سياسية تعقد هناك.. وقف المقدم زكي بشموخ، يمسح القاعة الغاصة بجمهور الطلبة، بنظراته الكاسحة، ولمح من بعيد المخبر الغلبان (حسّان) كما يسميه الطلبة الذي أرسله لتغطية الندوة ولمحه وهو يغالب النوم حتى يتدلى رأسه أحيانا في شخرة سريعة، تقدم منه وسط الجمع المأخوذ بحماس الندوة، وأعطاه صفعة (ألم) باللهجة المصريّة هزت أركان المكان.. ومثله (الشرطي البريطاني) لكن عبر نسخته العربية والشرقية الأكثر جلافة بالطبع مثل ذلك الضابط السوري الذي جاء مع شرطيين في ذلك الصباح الدمشقي المبكر، حين كنا نسكن في ساحة (شمدين) بركن الدين، صعد العمارة، وسط ذهول الجيران المطلين برؤوسهم من النوافذ والشرفات، فلأول مرة يروننا في هكذا موقف.. خبطوا الباب وكان بصحبتهم (ج) مُدمى الوجه والجسد.. كنت ليلة البارحة بصحبة (ج) الذي دعاني إلى مطعم انيق في الصالحيّة، يُدعى (سومر) .. بعد العشاء والسهرة الدمشقية التي يتضوّع في واحاتها ندى الياسمين والليل، ذهب كل إلى منزله.. قال الضابط: أريد أن تذهب معنا لأسباب ستعرفها، اتجهنا نحو (المخفر) الواقع في ساحة (عرنوس) حيث المبنى الذي يجمع مقرات الطلاب العرب، وغير بعيد من (الفريدي) وبيت بندر عبدالحميد.. ونحن نجتاز سلم العمارة باتجاه السيارة، وضع أحد الشرطيين يده على ذراعي، قلت للضابط: رجاء أنا ضيف في سوريا، ولا أعتقد حتى الآن أن ثمة جريمة باسمي، أمر الضابط بتحرير يدي، دائما الشرطة في سوريا أبسط بما لا يقاس من الأمن، فهؤلاء حين يستلمون أحدا (يأكلها) أياما وأسابيع ثم يبدأون في التحقيق معه. ورجل الشرطة يخاف من رجل الأمن خوف الرجل العادي، اذ ان السلطة المرجعية المطلقة لرجل الأمن، وهذه من السمات الجوهرية للمجتمعات القمعية المتخلقة في غياب القانون وأي نوع من المؤسسات المدنية الفاعلة.
في مخفر ساحة عرنوس، اتضح ان الدكتور (ج) حين دخل شقته لينام سمع طرقا على الباب، ظن أن أحد الأصدقاء الذين تأخر بهم السهر، قَدم عليه، فتح الباب، لينفجر عن مجموعة من المسلحين، من غير كلمة أوسعوه ضرباً بأخماص البنادق والرشاشات.. بعد هذه المقتلة ساد صمت لثوانٍ، ليقترب قائد المجموعة من الرجل الجريح وصرخ (مش هوه مش هوه) وانسحبوا تاركينه يرفس في الألم والدماء.
(ربما فكر المنفي الجريح، في هذه اللحظة المحتشدة بالوحدة والعذاب، بالوطن البعيد والأمان والاستقرار).
بعد مداولات مع رئيس المخفر، وإصرار زميلنا المجروح، على سريان الدعوى والبحث عن الجناة، على رغم غموض الحادثة ورعبها لدى العارفين في مثل هذه الأمور.. أخذني الضابط على جنب، قال، اسمع: صار لي ثلاثين عاماً في هذه المهنة ومثل هذه الحوادث، من الأفضل أن تُسحب من التداول، لأن نتائجها أكثر فاجعيّة، قل لصاحبك. قلتُ لصاحبي ما قاله الضابط العريق، أجاب أمام الضابط انه سيسحب الدعوى، لكنه لو استطاع الوصول إلى الجناة ستكون الدعوى قائمة.. وافق الضابط بعد ضحكة عبثية ساخرة انفجرتْ من كل جوارحه.
بعد أيام ذهبتُ إلى مطعم (سومر) جلست على احدى الطاولات المطلة على الشارع، بدل الجرسون جاء صاحب المطعم بلباسه الأنيق، جلس معي على الطاولة (شو صار معكم هذيك الليلة؟) (وصلك الخبر؟) طبعا.. صباحا اتصلوا بي من فرع أمن الصالحية يسألون ان كنت اعرفكما منذ زمن، أو أي شيء أعرفه، ثم مرّت الشرطة مع الضحيّة.. على كل هذه أمور تحصل كثيرا، أخطاء عابرة، سألته من باب الفضول، وما دخل الأمن بالحوادث الجنائية؟ ما دخل الأمن؟ له دخل بكل شيء. أنا بالأصل ضابط أمن متقاعد، وأخرج لي بطاقته.
تذكرت على الفور لحظة وصولي دمشق لأول مرة وذهابي إلى عنوان الأصدقاء، حيث لم أجد أحداً، بعد رحلة شاقة من بغداد، التي قصدتها من أبوظبي، بغية الإقامة، لكن جوها العام الخانق دفع بي إلى دمشق وطيب المقام بالمقارنة… تهاويتُ من التعب، افترشت الحقيبة، وذهبت في نوم عميق، حتى صحوت على شابين يوقظاني، اتضح انهما يسكنان في الشقة المقابلة. بلطف وكرم مكثت في ضيافتهما ليومين حتى عودة الأصدقاء من رحلة خارج دمشق، كان الشابان لاعبي كرة في المنتخب، في إحدى المرات ذهبت مع أحدهما، وكان اسمه وليد من حمص، حين صعدنا إلى الحافلة باتجاه الصالحيّة، تهيأت لدفع ثمن التذكرة للجابي، لكنه قال، لا تفعل أخرج بطاقته، وذهب الجابي من غير دفع ثمن التذكرة ثم اطلعني على البطاقة الأمنية وأردف: صحيح انا محترف كرة قدم، لكن هون ما فيه شيء يمشي من غير أمن، أجبته، كل البلاد العربية تتشابه بدرجات متفاوتة.

***
تعرفت على الاخوة العاملين في مجلة (الأزمنة العربيّة) في فترتها اللندنية الجديدة، بمكاتبها الواقعة في منطقة تشكل ضاحية من ضواحي العاصمة.. لكنها على ما يبدو فريدة، رغم المشترك بينها وبين الضواحي الأخرى، من حيث اختلاط الأعراق والهويات الثقافية والدينية، كأي ضاحية لعاصمة كوزموبولوتية.. إلا أن هذه الضاحية التي تحمل اسم (هكني) تصل في هجنتها واختلافها حدود الغريب الفنتازي.. لا تكاد تلمح فيها عنصراً انجليزياً على عكس قرية (بريستون) ونواحيها من مدن وأرياف التي أنعم اللحظة بطقسها وألوانها المتحولة، ألوان الطبيعة البالغة الكرم والفيض… فهي ربما بالكامل للجاليات من الأعراق والشعوب الملوّنة.. ويزداد الأمر غموضاً حين ترى في الصباح الماطر قطعان السكارى ومدمني المخدرات، ينتشرون في الشوارع والأزقة بين حطام الزجاجات الفارغة والمليئة يجرعون الخمور ويدخنون في جلبة عالية، كأنما هذا الأمر محظ اعتيادي في هذه الضاحية الأكثر إثارة لخيال الأدب الهامشي والجاذبة للفضول والمغامرة.. أين منها (سوهو) ذلك الحي الارستقراطي الذي كان المتاه والضياع لبطل (كولن ولسن) الوجودي..
قلت، لا تكاد ترى العنصر الانجليزي يؤكد ذلك، تلك الليلة التي أخذنا فيها تاكسي من (بيكادلي سيركس) مشى ثواني وحين قلنا له إلى (هكني) تفكر السائق الأبيض قليلاً ثم قال انزلوا، خذوا تاكسي آخر، لا أذهب إلى تلك المنطقة.. عرفنا أن لا أحد يذهب إلى (هكني)، إلا اذا كان من تلك الاعراق أو على صلة، التي تستوطن تلك المنطقة النائية في خيال الرجل الأبيض وإن كانت جزءا جغرافياً من العاصمة، والتي لا يصلها مترو الانفاق.
حكايات كثيرة تتناسل بشكل شبه خرافي منها، ان «المختار» أو المسؤول أمام السلطات من أصل تركي، قضى فترات إقامته في السجن لجرائم ومخالفات تفوق العشرين عاما، والذي قبله من أصل افريقي، وطبعاً كلهم يحملون جنسيات بريطانية، وجدوا في حوش بيته او حديقته ما يشبه المقبرة الجماعية.
المطعم الذي كنا نرتاده في اوقات الوجبات الرسمية، كان اسمه (كازابلانكا)، رغم أن صاحبه الستيني، من أصل يوناني. معظم ديكور المطعم يتكون من شتات مشاهد لفيلم (كازابلانكا) أو الدار البيضاء، لأنجريد برجمان وهنفري بوجارد، الرومانسي المعروف.
حكاية أخرى تقول ان هذا المطعم يستقطب مشردين مراهقين ومراهقات، يعفيهم من دفع الفواتير، على ان يراقبهم صاحب المطعم وهم يمارسون القبل والحب على الطاولات والكراسي، في الأضواء والصور ذات الإضاءة الشاحبة حدّ العتمة، كي لا يلفت نظر السلطات الأمنية، التي لا تهتم عادة بمثل هذه الأماكن القصيّة، وتتدخل فقط في الحوادث الدموية المدوّية..
مرة سألت محيي الدين اللاذقاني، وكان يعمل مديراً لتحرير مجلة (أوراق) وزهير قصيباتي وكان مديراً لتحرير الأزمنة… قد عملنا معا فترة من الزمن ومجلة (أوراق) تقع في نفس مبنى (الأزمنة العربية) سألتهما لماذا لا تكون المكاتب في (سنتر) المدينة مثل الكثير من المطبوعات العربيّة، أجابا على سبيل الفكاهة، كي نتعرف على البروليتاريا الانجليزية!! لكن ليس هنا من بريطانيين ولا من بروليتاريا، حتى تلك التي وصفها (لينين) بالرثة؟
كان هناك الكثير يعملون من غير تأشيرة عمل، حالمين بتدبر أمورهم في المستقبل، لذلك كان هناك هاجس الحملات البوليسية الدائم، وحين يأتي هؤلاء، وقد أتوا بالفعل، يسري الخبر بين الجميع لحظة وصولهم، لتقلب المكاتب وتغير معالم جو العمل، إلى شيء آخر، ونتفرق في الردهات والمطاعم المجاورة حتى يذهبون لنعاود كرة العمل من جديد.

***
الجيل العربي الذي كبر بين الثكنات والكتب والاحلام المُجْهضة، لابد أن يكون (زائر الفجر) هاجسه الرئيس، حتى في البلدان التي تحكمها القوانين والقيم الدستورية الديمقراطية، وان بدرجة اقل… يصحبه عضويا ووجدانيا، مثل ظله أنى توجه وذهب.. في هذه اللحظة التي تتراءى فيها فاتنة آسيوية في مقهى القرية الانجليزية، أتذكر المصري (ممدوح شكري) الذي أبدع تحفته الوحيدة فيلم (زائر الفجر) في سبعينيات القرن الماضي، ورحل كأنما هذا الفنان الشاب ببصيرته وحساسيته الحادة رفض الاستمرار تحت ضغط وهيمنة زوار فجره الدامي، الذين تكاثروا وتعاظمت سلطتهم في البلاد العربية والعالم، وان بشكل مختلف، من وراء مكاتب وأبنية تلك الحضارة المديدة ذات البريق الأخاذ، التي لا يمنعها بريقها وقوانينها عن إبادة أي شعب اذا ارتأت منه أي تلويحة شبحيّة بتهديد مصالحها وامتيازاتها..
في هذه اللحظة وبعد هذا القطيع الهائج من السنوات والأحداث، أتذكر شرطي (اسكوتلنديارد) يدخل من الباب الخلفي للمقهى ببذلته الأنيقة، وليس مثل عم (حسّان) يلقي نظرة ماسحة على الطاولات، ثم يركزها على الطاولة المنزوية في الركن الذي كنت أختبئ مع أوراقي خلفها، ولسان حاله يقول: ها أنت هنا، نحن نعرف انك في الثمانينات من القرن الماضي، أتيت للعمل ومارسته ولو لفترة ليست طويلة، ونعرف أشياء أخرى كثيرة لا تعرفها عن نفسك..
وبمناسبة سيرة عم حسّان، كان هذا المخبر الصغير، لا يدوخه أحد ويجعله يلعن المهنة، وأسلافها، إلا الطلبة اليمنيون.. في تلك الفترة كانت المخابرات المصريّة كريمة مع عناصرها، وما زالت على الأرجح، فحين يكلف أحدهم لمراقبة شخص آخر أو أشخاص، اذا كانوا يستقلون تاكسي او سيارة خاصة، فمن حق المخبر أن يأخذ تاكسي للتمويه أو سيارة مثلهم، وهذا ما يتحقق غالبا مع طلبة الخليج، لذلك كان حسان الطيب، ينبسط لهؤلاء الطلبة. أما أبناء اليمن السعيد فمعظمهم يستقل الاوتوبيسات والمواصلات العامة، مما يجعله يتشعبط من أوتوبيس دمّره الزمن إلى آخر (تلك المواصلات التي خبرها كانت هذه الكلمات فترة من الزمن، حين كان يذهب من حي (الدقي) إلى العباسية، لأن مدرسة البعوث الاعدادية والثانوية تقع هناك)، وأحياناً يضطر إلى الصعود فوق سطح الاتوبيس حين يختنق المكان بالركاب. لذلك حين تأتي سيرةُ اليمنيين يعلو صوته «ما تجيبوليش سيرتهم دول مبهدلين حياتي، الخلايجة بس هم اللي مريحني».
تدخل عائلة عمانية أو سعودية، سياح او طلبة حيث إن المرأة الشابة المحجبة، هي التي تأتي بالطلبات إلى الطاولة.. تسقط قبعة الطفل على أرضية المقهى.. السبعيني الانجليزي، يقوم من كرسيه يحمل القبعة ويضعها على رأس الطفل العربي من جديد. ثم يأخذ في تدليله ومداعبته والطفل يستجيب له كأنما يعرفه منذ زمن.. مثل هذه الخلجات العاطفية الانسانية، لاحظتها في مناطق الريف، أكثر من المدن المكتظة السريعة التي تندر فيها مثل هذه الوقفات، ليس بسبب اختلاف جذري، إنما الهدوء والتركيز – ربما أفضل حالاً- معبرة عن الجوهر الانساني المغيّب خلف غبار الخطابات الإعلامية، والكراهيات والحروب والأحكام الايديولوجية الجاهزة.. مثلها أيضا أضحى نادراً في بلداننا التي تَدّعي البساطة والتقاليد المضيئة والتراث، وهي تفترس بعضها أفراداً وجماعات ولا يبقى منها غير زَبد الخطابات والهذَرَ اللفظي..

***
فكرت من غير يقين، أن الطقس والديمقراطية، جوهريان في خلق التنوع والثراء الانساني والأخلاقي. فالمجتمعات المكبلة المقموعة والمصادرة حياة وموتاً، لا يمكن أن تنتج شيئا عدا البغضاء والحروب المجانية، سواء عبر لغة السلاح وضجيجه أو عبر التواطؤ والصمت الإكراهي: دروب مختلفة لمجزرة واحدة تجرف ما تبقى من حلم لتلك الشعوب المطحونة تحت عجلات التاريخ والحياة.

***
طوبى لكم أيها الأطفال، أيتها الحقول الصماء الناطقة، أيتها الطيور والحيوات الصاخبة في الغابة، أيتها الكلاب تسلحين على العشب الأخضر وعلى حواف البحيرات.. طوبى للقطط الأليفة والمتوحشة، للبوليس والهومليس.
طوبى لهذه الحياة العابرة الهنيئة.. ولطفا، يا الله بأولئك الذين حكمتْ عليهم الاقدار بحمل الأثقال الأزليّة.

***
باكستاني بلباسه المعهود يغطي رأسه (بكمّة) تشبه الكمة العُمانية أو السواحيلية، مطابقة لهذه الأخيرة أكثر.. شرطيّة تعبر ليست بجمال شرطيّة المطار، لا، إنها ليستْ شرطيّة بالضبط، بل جنديّة الـ(أولدنيفي) نضِرة يانعة، (أندريه بريتون) السوريالي الفرنسي الذي يدعو إلى انتهاك المحرّم وممارسة الحب مع شرطيّة في كنيسة، ليس (إليوت) الانجليزي المحافظ. الفرنسي راديكالي بطبيعته على ما يبدو من شواهد التاريخ، لم يدمّر عرش الملكية الفرنسية فحسب وإنما حطم (نابليون) عروش أوروبا ورموزها التي تهاوت أمام أحصنته الكاسحة…
الانجليز حافظوا على الملكية من غير أن يخسروا الممارسة الديمقراطية وقيمها. (إزراباوند) رمز الصرامة والمحافظة، أوصله حلمه بمشروع صحوة أوروبا وخلاصها إلى تبني المشروع النازي، الفاشي بالكامل.
باوند وإليوت لا تغويهما هواجس الجندية الشقراء وفتنتها، أما (بريتون) فسيلحق بها أو يكتب قصيدة ايروتيكية..

***
واقف في مطار (برمنجهام) تعصف برأسي الأحداث والذكريات، يترنح رأس المسافر، ويدور في فلك الأميال والمسافات، على اختلاف الأماكن والزمان… هناك في البلاد العربية، ما هو أكثر قسوة ومرارة من شرطة الجمارك البريطانية والأوروبية.. (وهذه الحكايات الصغيرة ليست إلا عينات على الماشي) أتذكر، مرة ذهبت من فرنسا إلى المغرب عبر مطار طنجة، حين نزلت من الطائرة لأقف في طابور المسافرين، الذين كان معظمهم من الأجانب، جاءتني الشرطة بلباس مدني وعسكري، أخذتني عنوة من الطابور، وبحركة سريعة خاطفة إلى غرف التحقيق والتفتيش، ولكي يبرر رجال الأمن تصرفهم الذي ليسوا بحاجة إلى تبريره، قالوا: انك جئت إلى المغرب من غير (تأشيرة) أجبت انني دخلت المغرب عشرات المرات ومن معظم مطاراتها من غير تأشيرة، التي لا يحتاجها حامل الجنسية العمانية، وهناك أختام الدخول والخروج، فالجواز لم يتغير، لم يهتموا بأي جملة من كلامي حول الوقائع البديهيّة، واصلوا التفتيش والتحقيق.
(من تعرف في المغرب، مع من تتواصل…. الخ؟)
وسألوني عن كتب لمغاربة كنت أحملها معي، وهناك رسالة من صديق في باريس للروائي ادمون عمران المليح، كيف تعرفه وهو يهودي، قلت : أعرفه ككاتب ونصير للحقوق الفلسطينية والعربية، ولا يعني لي أمر دينه شيئا، فكلنا أبناء الديانات التوحيدية اذا أُخذت في سياق الخطاب الحضاري الصحيح.. في الواقع ونقيضه كنتُ حائراً ومرتبكا ومن فرط العصبيّة لهذا الحدث المرير، الذي لم يحصل من قبل بالنسبة لي، كبحتُ نفسي بقوة وانا اندفع إلى القول، بان الملك الحسن، أكبر مستشاريه يهودي، كي لا أصل إلى المنطقة التي لا تُحمد عقباها كما يقال، فحركة رجال الأمن بلباسهم المدني، كانت متوترة ومخيفة، كأنهم ألقوا القبض على مجرم مطلوب أمنيا لديهم منذ زمن طويل..
قال احدهم بحسم وتجهم، (عليك أن تعود إلى البلاد التي أتيت منها) باريس، قلت ليس من حقكم ذلك، أريد الاتصال بمحمد بن عيسى أو محمد الأشعري أو أي صديق مغربي له مكانة في الدولة والمجتمع.. لن تتصل بأحد عليك أن تغادر في الطائرة التي جئت فيها… وإن لم تكن لدي تأشيرة عودة إلى فرنسا؟ قال ضابط الأمن المغربي (… ليعتقلوك هناك)..
حاولت في آخر المطاف، حين ضاقت بي السُبل وأُغلقتْ على هذا المجهول المظلم، أن يعطوني خيار المغادرة إلى جبل طارق، أو اسبانيا القريبة، في هذه الأثناء اقتادوني قسراً وإكراها، إلى الطائرة العائدة إلى باريس، ومن حسن حظي انني دخلت مدينة الأنوار التي أحسست بها كذلك فعلا، أمام ذلك الظلام المغربي والعربي القاسي..
بعد فترة عرفت أن ظرفا أمنيا مضطرباً كانت تمر به المغرب، يتعلق بالملك الحسن، وعلى ضوئه اتخذوا تلك الاجراءات الاستثنائية الصارمة، التي لم تشمل في ذلك المساء القاتم بمطار طنجة، أحداً غيري، اذ ان كل (الخواجات) من ركاب الطائرة، دخلوا بسلام آمنين.
عنف رجال الأمن وقسوتهم جعلني أتساءل، هل أنا في المغرب أم اخطأت الطريق ونزلت الطائرة في بلد آخر؟