جديد الكاتب

الشاعر سيف الرحبي: الصحراء رمزنا الأكبر الذي لا نستطيع الانعتاق من قدره الحتمي ثمة خيوط مقطوعة وأخرى متواصلة في الأحلام والحياة والموت

أجرى الحوار:    عبدالرزاق الربيعي

 

رغم  أن خطواته موزعة بين العواصم والمحطات والمطارات الا انه يبقى مشدودا بحبل سري الى (منازل خطوته الاولى).. الى الصحراء.. فنصوصه تضج بهذا الحنين الى رمالها واسرارها وعوالمها الخبيئة.. حتى على المستوى الاجتماعي يحتفي بالصحراء فغالبا ما يدعو ضيوفه من الأدباء العرب الذين يزورون (سلطنة عُمان) الى الصحراء.. ذلك هو الشاعر (سيف الرحبي) واحد من شعراء الحداثة الشعرية العربية تشهد على ذلك اصداراته العديدة ((نورسة الجنون))، ((الجبل الاخضر))، ((رأس المسافر))، ((مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور))، ((رجل من الربع الخالي))، ((ذاكرة الشتات))، ((منازل الخطوة الاولى))، ((معجم الجحيم))، ((يد في آخر العالم))، ((الجندي الذي رأى الطائر في نومه))، ((حوار الامكنة والوجوه)) تناول تجربته العديد من النقاد والباحثين العرب والاجانب فحصا وتحليلا.. مارس العمل الصحفي الثقافي وهو يترأس حاليا ومنذ عام 1994 مجلة (نزوى) الثقافية العربية الفصلية.

 

التقينا به وسألناه:

ما الذي يشدك الى الصحراء التي ترى انها ((محمولة على قرون الاكباش))؟

–         كمجال جغرافي تشكل الصحراء عاملا حاسما في تكويني الشخصي، وربما في التكوين الجمعي ليس في (عمان) فقط بل في الجزيرة العربية عموما، وربما في اللاشعور الجمعي للعرب جميعا، فالصحراء في مجالها الجغرافي المحدد عمانيا والذي يشكل منطقة ضخمة من الربع الخالي يجتذبني سرابها ولا نهائيتها كطيف شديد الحضور منذ طفولتي على حواف هذه المنطقة، ومع ذلك التقدم في التجربة والعمر صرت اكثر حضورا على المستوى الذهني والكتابي، وتحولت الى ما يشبه المنطقة الرمزية التي تترامى بالخواء والعدم واللامعنى على صعيد الكائن والوجود البشري والكوني بصورة عامة.

والبحر يتقاسم ايضا هذا الوداد أليس كذلك؟

–         رغم ان هذه البيئة التي شكلتني وحاولت تشكيلها عبر الكتابة وترويض هياجها الدائم تنقسم الى هذه المساحات الشاسعة بين صحراء مسمرة بجبال جرداء لا نهاية لها او مخضرة جزئيا في بعض المناطق، وبين بحار ومحيطات هي أيضا توحي باللانهاية والحضور الكلي لكن لا شعوري شكلت الصحراء الحضور الاكبر ورغم علاقتي العاطفية والتي اصبحت يومية بالبحر الا ان الغلبة كانت للصحراء.

على أي الاصعدة؟

–         على صعيد حضور اللاوعي للكتابة والممارسة الثقافية بأشكالها التعبيرية المختلفة، فالصحراء هي رمزنا الاكبر الذي لا نستطيع الانعتاق من قدره الحتمي.

وماذا يشكل لك البحر؟

–         متنفسا للاختناقات الوجودية والحياتية التي نعيشها ويشكل مهربا عذبا من هذا الانسحاق اليومي تحت عجلة الحياة الحاضرة بشروطها المختلفة ولا اتصور حياتي في مدينة ليس فيها بحر او نهر كبير وان عشت في هكذا مدينة فسأعيش لاشك ضيقا وكربا ومصائب لا نهاية لها.

ما تعليلك على ذلك؟

–         ان الرجوع الى الماء الى البحر، الى الطبيعة الاولى هو نوع من الرجوع الى الرحم، الى ظلماتنا المسكونين بالحنين دائما اليها.

قلت مرة (يستعيد الحنين صاحبه، لكنه استعباد عذب) اين تكمن عذوبة هذا الحنين الذي ورثته كحفيد لتيه الصحراء؟

–         لا أتصور انسانا ليس مخترقا بالحنين، والكتابة الخالية من الحنين بتجلياته المختلفة هي كتابة جافة وآلية، وليست على جانب كبير من الاهمية، وهي في نظري لعب لفظي، الحنين يأخذنا الى متاهته القاسية ربما، لكنها قسوة مشبعة بنوع من عذوبة من اشراق.

لكن للحنين جانبه التدميري ايضا؟

 لا مناص من هذا الجانب التدميري وله جانبه الاشراقي الخلاق على صعيد الكتابة وعلى صعيد الحياة نحنّ الى أوطاننا الأولى البعيدة.. نحنّ الى تلك المرأة التي فقدتها ذات ليلة مدلهمة، الى ذلك البر، الى المطلق، الى الصحراء بمتاهاتها اللامحدودة نحو الى اللاشيء.

كيف يمكن ان تصحب القصيدة جسرا للحنين؟

–         مثلما اشرت ان عمل الكتابة بصورة عامة مخترق بعنصر الحنين بدرجات متفاوتة لكن طبعا ليس الحنين بالمعنى البسيط الميلودرامي، انما الحنين بمعناه العميق مثل الغناء او الغنائية شيء رائع اذا جاءت في سياقها الفني والابداعي الرفيع، وتشكل عنصرا حيويا في العمل الفني، الغنائية شيء رائع اذا جاءت في سياقها الفني والابداعي الرفيع، وتشكل عنصرا حيويا في العمل الفني، الغنائية قرينة الحنين بالمعنى اللاتبسيطي للكلمة، واعجب احيانا من بعض الشعراء الذين يفتخرون باقصاء الحنين والغناء من كتاباتهم.. اننا نحنّ ونغني حتى في أقصى حالات الألم والخراب.

يرى الناقد زهير غانم (انك لست شاعرا ارضيا او واقعيا بل شاعر منفى وملكوت يحاول ترميم حياته المتصدعة باستدراجها الى الشعر)، كيف حوّلت هذا التصدع وما رافقه من ألم الى طاقة شعرية تضيء النص؟

–         طبعا انا شاعر أرضي وحسي وواقعي ومخترق ايضا بعناصر رومانسية وسوريالية لا أظن انني رهين مدرسة او اتجاه معين، وكل هذه العناصر التي تحاول ان تغني التعبير وتتضمنه تعيد صيغة الحياة وترمم خرائبها وتصدعاتها الكثيرة، فالألم البشري والانساني لا يستدعى في الكتابة، وانما هو عند الشاعر الحقيقي عنصر أصيل ودفين في الذات، وهو محرك هائل للكتابة الحقيقية، هذه الكتابة التي تستوعبه وتتحول في مواجهته كي يكون ألما ثريا وخصبا وليس ألم المسكين او (الغلبان) مثله ربما في هذا المجال مثل فكرة الموت، ان الموت ايضا هو معين لا ينضب للكتابة الحقيقية وهواجسه وتوقعاته المرعبة هي عناصر كتابة هامة في تاريخ الابداع البشري، ذلك اللغز الذي يواجهه البشر من غير حل ولا تفسير، فعلينا ان نحوّل عناصر الألم والموت والمنفى والمرارة الى ابداع حقيقي في حدود الممكن، وانا أطمح الى تحويل هذا الألم أو جزء منه الى طاقة ابداعية، واعتقد ان جيلنا هو جيل الألم والتيه الحقيقيين وقد نشأ وسط انقاض المدن والايديولوجيات والاماكن، وكان بحثه في الحياة والمعرفة بحثا شاقا وأليما.

تقول (مواطن الخطوة الاولى لا شك ستقود الى هاوية خطوات لا حصر لها، ستقود الى تيه الخطوة) هل بلغت تيه الخطوة؟

–         أتصور أن هذا سياق يحمل نوعا من المنطق المحكم رغم عبثيته التي هي جزء صميمي من الوجود الشامل وبطشه للكائن فكما نلاحظ ونعيش ونرى ان الخطوة الاولى قادتنا الى خطوات والمكان الاول قادنا الى أماكن، والسفر الاول قادنا الى آفاق وأماكن لا نهاية لها على المستوى الواقعي والرمزي بشكل كلي، وكذلك الاطلالة الاولى الى الهاوية مثل القفزة في الظلام ستقود الى تيه لا حصر له.

تصور على المستوى الوجودي ان الكائن منذ الولادة قد قذف به الى ما لا يمكن رده، الى تيه الخطوة، والى التيه الذي لا مخرج منه الا بالموت، وذلك تيه وظلام من نوع آخر.

وتقول ايضا ان ((الخطوة الاولى في نظري هي الاكثر خطورة في تاريخ الانسان انها اللحظة التي تختزل كل شيء باتجاه اللاشيء، هل يمكننا ان نسألك عن خطوتك الاولى التي شكلت انعطافا كبيرا في تجربتك الشعرية؟

–         لا اتصور ان هناك خطوة انعطافية بذلك المستوى الحاسم، وانما هناك مجموعة خطوات تقود الواحدة الى الاخرى لتشكل في نهاية المطاف- اذا كان للمطاف نهاية- الوضعية الوجودية والكتابية الحاسمة في تاريخ الكائن ومساره ومصيره، من هنا لا اتصور ايضا ان هناك انعطافة تقلب الوضع هكذا دفعة واحدة رأسا على عقب، وانما هناك هذا المسار بتشظيه وخطواته وأماكنه وقراءاته المختلفة.

وما هو المكوّن الاول الحاسم في هذه التجربة؟

–         بطبيعة الحال البيئة الاولى التي انطلقت منها، بيئة المكان الاول بمحيطه وكائناته وحيواته المختلفة بشريا وجيولوجيا وروحيا، فهذه البيئة التي هي بيئة ولادتي ونشأتي الاولى شكلت هذه الخطوة الاولى التي ستنسحب لاحقا أي بعد انفصالي عنها على مجمل مساري الكتابي والحياتي وتطبعه بطابعها الخاص كقدر لا فكاك منه بطبيعة الحال، وتأتي لاحقا خطوة اخرى هامة جدا في هذا المسار، وفي هذا القدر الحياتي اللاحق. وهي خطوة انفصالي عن هذه البيئة، وهذا المحيط، ومن ثم انفتاحي على آفاق حياتية وكتابية مختلفة شكلت السؤال الخطير ربما على تلك الثوابت الكتابية المتوارثة في بيئتي الاولى.

وماذا لو لم يتحقق هذا الانفصال؟

–         لا اعرف ما سيكون عليه مصيري واي شكل ستأخذه حياة وكتابة، لا أستطيع ان اتصور ذلك لكن الواقع الحقيقي الملموس هي هذا الانفصال بتجلياته المختلفة، ولا استطيع ان أتصور وانا أحمل هذا النزوع، وهذا القلق المدمر ان أكون رهينة مكان واحد، أعتقد لابد أن يكون هناك نوع من مغامرة تخترق هذا الجهاز التعبيري والحياتي الثابت منذ قرون.

لو كنت قد نشأت في مكان آخر هل سيخترق الكتابة والحياة بهذا المستوى المأساوي البالغ الحدة والحضور؟

–         لا أستطيع الجزم بهذا لكن ما يتراءى لي قليلا ان المكان العماني تحديدا يشكل حضورا ساحقا ربما بسبب من طبيعته الخاصة المهيمنة والتي تبدو كشاشة عملاقة لا نهائية يتبدل الكائن في ضوئها الباهر شيئا شاحبا وبسيطا وملحقا بهذه الهيمنة المطلقة للمكان، انه – أي المكان- يمارس نوعا من (ميتافيزيقيا) لا نهائية بهواجسها واسئلتها الملحة دائما.

ولدت في قرية (سرور) ثم انتقلت الى مدينة (مسقط) هذا الانتقال هل كان وراء هذه التصدعات النفسية؟

–         لا أعتقد ان النصوص التي اكتبها تندرج بثنائية القرية والمدينة التي استهلكت وبسطت كثيرا في أكثر من تصور أو نص في الثقافة العربية، ان هناك نوعا من التعقيد في هذه المسألة عندي، فالنص الذي اكتبه يحاول ربما أن يؤرخ او يوثق بالمعنى الشعري والجوّاني او الداخلي للحياة وللحظة وللألم وللفرح والحب والكراهية، ان يكوّن هذه الوثيقة الشعرية عبر الصورة والتخييل، وعبر هذا النوع من التركيب الصعب على نحو اختزانه في ثنائيات معينة، فربما في هذا السياق تشرق احيانا ملامح قرية بعيدة كنوع من حنين الى براءة أولى، لكن ليس هذا يتحقق دائما، فهذه اللحظة تنسحب حتى على حياة ومكان  في المدينة، وربما القرية نفسها لن تكون رمزا مطلقا لبراءة مفتقدة دائما تتحول الى جزء من نسيج خرابي في النص.

* يشكل الماضي بكل تمثلاته (أشخاص، أماكن، أحداث راسخة في ذاكرة الطفولة) جزءا من نسيج نصك الشعري، متى يستفزك الماضي شعريا؟

– لا أستطيع حصر هذه المسألة في واقعة بعينها في السياق الموضوعي للماضي أي التاريخ، تستفزني شخصية تاريخية معينة، تستفزني واقعة معينة مرحلة بعينها، ملك او جندي او ديناصور، هناك مشاهد مختلفة محفزة للابداع في التاريخ العام والماضي الشخصي في المستوى الآخر من الماضي وهو احد تمثلات الطبيعة السحيقة، تحفزني الجبال العمانية على الكتابة، هذه الاطواد الصماء الملغزة دائمة الاستفزاز ومحفزة  للتأمل والكتابة.

تشغلك قضية الحوار بين السابق الذي يلتف حول مواقد الخيام واللاحق الذي يجلس حول مدفأة بمدينة حديثة، ما الصورة المثلى لهذا الحوار؟

–         فعلا هذه واحدة من انشغالاتي الفنية والوجودية، وهي سيرورة السلالات والافكار والهواجس والاحلام، فربما هناك احلام مشتركة بين القدماء الذين كانوا يسكنون الكهوف وبين الكائن الحديث الذي يعيش في مدينة حديثة، دائما أتخيل بما يشبه الاطياف الغامضة أي حوار سيكون بين هذا الانسان الملتف على موقده وعرائه الكاسر وبين انسان المدينة وعناصر تعقيدها الاجتماعي والتقني أكيد ثمة خيوط مقطوعة واخرى متواصلة في الاحلام والحياة والموت مهما شطت المسافة والازمنة والانقلابات، عموما فالظواهر الجيولوجية والماورائية تستفزني فكريا وشعريا وكثيرا وغالبا ما أتأمل ظاهرة ارضية او حسية لانطلق الى ما ورائها والى ما هو خبيئ وخفي في هذا الكون.

تدين بنصوصك وكتاباتك التشوهات الخلقية والروحية والانحرافات البشرية وحقول الشر لان البشاعة- كما تقول- والقبح والخواء هي الاركان التي تؤثث الامكنة والحياة، كيف يكون الخلاص؟

–         هذا نوع من تشخيص الواقع الذي آلت اليه البشرية رغم كل تقدمها العقلاني الهائل وما يؤثث المكان العربي بصورة خاصة هو هذا القبح وهذا التسطيح وهذا الخواء وانعدام الوزن بأي شيء حقيقي عميق لا استطيع- طبعا- تصور الخلاص بالمعنى التبشيري والسياسي للكلمة وانما لابد من نزوع وحنين الى حلم ما الى منطقة ما عبر الممارسة والاختلاف الى ما هو خارج هذه القيم القطيعية المتداولة والتي كرست وتكرس لتخدم مصالح انانية ضيقة وبليدة لابد من الحلم مهما كان هذا الحلم شاقا ومريرا.

تحتفي في نصوصك بالاصدقاء بينما تعيش متوحدا كيف تفسر هذا التناقض؟

–         تحتفي بالاصدقاء كثيرا رجالا ونساء وتحتفي بالمرأة في اشراقها الخاص أو تجليها الجمالي العام وتحتفي بالحياة وفي سياق احتفائها بالاصدقاء والعيش في خضم صخبهم اتذكر كلمة الصديق الشاعر سعدي يوسف ((أسير مع الجميع وخطوتي وحدي)) تصور ان هذه العبارة الشعرية الجميلة تعبّر عما أقصد اليه.

لكنك تميل بطبعك الى العزلة فهل يمكن للعزلة أن تكون أحد الحلول الممكنة لتجنب التفاهة وانحطاط الروح؟

–         طبعا العزلة هي حضننا الأخير لتجنب هذه التفاهة وهذا القطيع الذي يمضي الى حتفه ببلاهة نادرة لم يبق من مجال فيه من الدهشة والطفولة والشعر الا مجال العزلة علينا ان ندفع عن العزلة كما ندفع عن الانسان في طوره الراقي والانساني والعذب.

هل ترى ان المثقف يمكن ان يصلح العالم وهو يعيش بعيدا عن حركته اليومية الجارية؟

–         لا أضمن أن المثقف يستطيع ان يقوم بهذه المهمة الكبرى- اصلاح العالم- في عصرنا الراهن بينما يتضح الآن ان اصلاح العالم أمر صعب ومسألة التحكم بهذا العالم صارت بيد الساسة والاقتصاديين والاعلاميين والرياضيين عبر قنواتهم وكارتلاتهم الضخمة وهذا على ما يبدو ايضا انهم يسوقون العالم الى خراب اكبر واتصور تاريخيا معظم الحالمين بالاصلاح كانت لهم عزلاتهم واماكنهم القصصية.

 برزت في الآونة الاخيرة طروحات أعلنت موت الشعر لصالح زمن الرواية هل ترى اننا نعيش زمن الرواية بالفعل؟

–         أتصور ان هذه زوبعة سجالية فارغة فالصحافة غالبا ما تتلقف اطروحة معينة وتروجها بهذا المعنى لكن هذا لا يلغي ثمة جدل في هذا الموضوع ومنذ فترة شاركت في ندوة حول هل هذا زمن الرواية؟ أم زمن الشعر؟ وبتصوري ليس هناك زمن مطلق للشعر ولا زمن مطلق للرواية التي مارست في الفترة الاخيرة دورا مهما في الحياة الثقافية والروحية وكذلك ما زالت للشعر مكانته وتجدده الابداعي المستمر من غير ان يلغي او يقصي احدهما الآخر كذلك يمكن ان يثري احدهما الآخر من غير اقصاء او فقدان للحدود ان تميز الشعر عن الرواية او العكس وهذا السجال ربما بدأ في أربعينيات هذا القرن بين (العقاد) و(نجيب محفوظ) ويستمر حتى الآن بوتائر مختلفة وانني احب الاثنين (الشعر والرواية) الجيدين والمكان يتسع لاشكال مختلفة من التعبير الفني والثقافي والزمن العام في نهاية الكلام هو ليس زمن الشعر ولا زمن الرواية وانما زمن آخر بمواصفات وملامح اخرى تماما.

عكست نصوصك الجديدة بعضا من جوانب سيرتك الذاتية ما هو اصعب ما يواجه الشاعر عندما يقف امام ماضيه الشخصي؟

–         كل عمل فني يحمل قدرا من السيرة الذاتية ويتفاوت حضور هذه السيرة بين كاتب وآخر وتعجبني في هذا السياق جملة للمخرج الايطالي (فيلليني) اذ يقول: (حتى حين اعبر عن كرسي او كلب فلابد ان يحمل نوعا من سيرة ذاتية) لكن اتصور ان التحدي الحقيقي أمام الشاعر او الكاتب او الفنان الى أي مدى يستطيع ان تكون عناصر هذه السيرة منفتحة على الآخر وعلى العالم بصورة عامة؟ أي هذا الدمج الخلاق بين الذاتي والموضوعي، بين الانا والآخر، بين السماء والأرض، بين البحر والصحراء، هذا هو التحدي الفني الصعب امام الشاعر.

وماذا عن سيرتك الشعرية.. خطواتك الاولى في عالم الابداع الفني؟

–         مارست الكتابة عبر اكثر من أداة تعبيرية أو نمط تعبيري وبشكل مبكر كتبت شعرا عموديا تقليديا ومارست على نحو ما قصيدة التفعيلة.

لكن قاربك رسا عند قصيدة النثر؟

–         على الشاعر ان يستمر في الاسلوب الذي يجد فيه حياته وايقاعه النفسي والشعوري في أي ساحة كانت.

لو خطرت ببالك فكرة اتخذت (الشعر العمودي) شكلا لها فهل ستكتبها بهذا الشكل؟

–         لو جاءتني تلك الفكرة لما ترددت في الكتابة بهذا الشكل فانا اكتب من غير تخطيط مسبق لاسلوب التعبير الذي ستكونه هذه الكتابة فالمخزون الشعري والمعيشي والتجريبي الذي يلح في الظهور والتحول الى لغة والى تعبير يتجلى في اشكال مختلفة وانا لا استطيع قسر الشكل ضمن رؤية مسبقة وانما هو ينبع من هذه النفس، من هذا الايقاع، من هذا الشعور، هذه العناصر تفرض حضور الشكل اللاحق.

لكننا لم نقرأ لك نصوصا عمودية منشورة لماذا؟

–         لم تكن مجالات النشر متاحة حينها، بل لم تكن موجودة، وعندما اتيحت كنت قد اتخذت الاسلوب الذي وجدت فيه ايقاعي النفسي.

وكيف ترى راهن الشعر العربي؟

– الشعر العربي الراهن بمستوياته التعبيرية المختلفة وفي جوانبه المشرقة والاصيلة هو ما يمكن ان نفتخر به امام الكتابة والشعر في العالم فلنترك الجانب السيئ منه وهو ما ينطلق منه الرأي السلبي تجاه هذا الشعر فهناك انجازات وهناك تجريب وتجريد وهناك بحث وقلق في الشعرية العربية وهناك اتجاهات تتقاطع وتأتلف،اتجاهات تثري الشعرية العربية في مجملها وأتصور ان الدرس الحقيقي لمستويات هذه الشعرية في الاماكن العربية المختلفة او المنافي ستقود الى نتيجة هامة ومفيدة في هذا المجال فأي قراءة تنطلق منذ بدايات المرحلة الحديثة للشعر العربي منذ الرواد وحتى الستينيات وحتى البرهة الراهنة،هناك اتجاهات متلاطمة وثرية في خضم هذه الشعرية واندفاعاتها ويأسها وبحثها الدائم.

تعرضت (قصيدة النثر) لانتقادات من قبل شعراء عرب كبار كمحمود درويش واحمد عبدالمعطي حجازي بماذا تدافع عنها باعتبارك من اهم أقطابها؟

– بالنسبة لمحمود درويش فانه لم يهاجم (قصيدة النثر) وانما تحدث عن تحفظات عن بعض الممارسة الشعرية وهي تحفظات تنطبق على شعر التفعيلة وعلى الشعر الكلاسيكي بل تحدث اكثر من مرة انه بانفتاحه على المشهد الشاسع (لقصيدة النثر) استفاد من بعض تقنيتها وعناصرها في دواوينه الاخرى التي اتسمت بتطور فني كبير يليق بشاعر مثله اما بالنسبة (لحجازي) فهجومه دائما عصبوي وعشوائي ولا مجال للحوار او السجال الحقيقي مع تلك النبرة المتعصبة المصابة بنوع من العمى المعرفي والثقافي لما يتحرك ويتفاعل ويمور في احشاء الثقافة العربية وبصورة عامة أنا لا اريد ان أدافع عن (قصيدة نثر) أو تفعيلة انما أدافع عن الشعر الحقيقي فهو موجود أكثر في تراثنا الشعري الكلاسيكي الخلاق الذي لا تزيده الازمنة الا نضارة وتألقا وهذه هي طبيعة الشعر العظيم في كل زمان ومكان وبأية أداة تعبيرية كان.

هل ترى ان الحداثة العربية نجحت في تجاوز البنى السائدة في الكتابة الشعرية؟

–         الحداثة العربية المحلوم بها ليست بعيدة عن التاريخ والواقع دائما كان حلمها الانطلاق من هذا التاريخ لتغيير الواقع واللغة والبنى السائدة لكن الطور التاريخي الذي تمر به المنطقة كان اكثر تعقيدا وغلبة بما لا يقاس بتلك الاحلام وليس فقط من جراء نقصان هذه الحداثة وخللها وهو خلل اكيد هناك الآن على ما اتصور استشراقات وتصورات سينتجها التطور الموضوعي للواقع والكتابة واللغة لا استطيع الجزم بأي شيء.

التطورات التكنولوجية هل قلصت مساحة القراءة؟

–         بالمعنى المستخدم الآن طبعا التكنولوجيا مخترع تقني عظيم فما نراه الآن توسيع مساحة الجهل والعماء الفكري والغنائي والفني وبدأ القارئ الجيد يتقلص تدريجيا لينسحب الى هامش الهامش مفسحا المجال لهذا الخضم الهائل من التفاهة والسطحية والفظاظة التي تروج له التكنولوجيا وكأنما يذهب الانسان بمخترعاته التي هي نتاج المعرفة والعلم الى ما هو ضد المعرفة وضد الروح وضد الانسان بالمعنى الحقيقي مثل الاسلحة ووسائل الدمار الاخرى.

قبل عقدين نشر الشاعر الراحل(بلند الحيدري) مقالا اعلن فيه اعتزاله الشعر وكذلك كتب الشيخ (الخليلي) قصيدة استقال بها من دولة الشعر لكنهما عادا ليواصلا الكتابة الشعرية هل يمكن اعتزال الشعر؟

–         أتصور هذا النوع من مزاج عابر لشاعر ما وأحيانا يتخذ طابع اللغو والهذر ولا اتصور ان الشاعر يعتزل ويعكس اعتزاله وكأنه على رأس مؤسسة سياسية او اقتصادية، هذه مسألة مجافية لطبيعة البشر، الشاعر الذي قدره الوجودي الشعر والكتابة لا يمكن له التخلي عنهما بهذا النوع من النزعة البرانية، ربما يصمت فترات، ربما ينقطع على نحو ما لكن يظل مسكونا في صمته بصخب الشعر وروحه المتمادية ومسكونا بالعودة الدائمة الى هذا الخيار المأساوي الجميل.

من خلال تفاعل الشعراء العرب مع الانتفاضة الفلسطينية جرى تطور في علاقة الشعر بالحدث السياسي خصوصا انك كنت في قلب الحدث الفلسطيني الغاضب خلال الايام الاولى من الانتفاضة عندما كنت ضمن وفد زار الأرض المحتلة حينها؟

– شيء طبيعي جدا ان انتفاضة بهذا الحجم المأساوي يكون التعاطف معها باشكال مختلفة منها الشكل الشعري، لكن ما ينشر وما يتداول الآن ليس هو الشعر الذي سيكتب له البقاء ويتسم بسمات فنية هامة الأدب المهم هو الذي يكتب خارج الشعار السياسي والفكري المتداول في خضم هذا الحدث، ولديك تجارب في هذا السياق من الحرب اللبنانية الى حروب الخليج الى الجزائر، كان معظم الشعراء اللبنانيين الذين دمرت الحرب الاهلية بلدهم على دراية بهذا الامر ووعي تام فكتبوا شعرا آخر بهذا المعنى ليس رهين الحدث وكذلك بعض الفلسطينيين والعراقيين لاحقا وبلدان عربية اخرى أي ان وعي الشعر وعلاقته بحدث ما قد تطور بدرجة هامة جدا في الشعرية العربية الراهنة.

* تزامنت رغبة ملحق عمان الثقافي في اجراء حوار مع الشاعر العماني البارز سيف الرحبي مع طلب تقدمت به جريدة الزمان التي تصدر في العاصمة البريطانية لندن، لذلك وبالتنسيق مع الزميل الشاعر عبدالرزاق الربيعي المراسل الثقافي لجريدة الزمان في مسقط تم الاتفاق على نشر اجابات الشاعر الرحبي والموجهة لقراء خارج الساحة العمانية. وقد حرصنا على اثبات هذا التنويه مقابلة.

 

نشر بجريدة عمان الملحق الثقافي (1 فبراير 2001م)
ومجلة الزمان – لندن