جديد الكاتب

الشاعر العُماني سيف الرحبي في حوار حول ((معجم الجحيم)): انتقلنا بشكل تراجيدي من البداءة الى الحداثة خفوت صوت النشيد واللغة المنبرية في القصيدة لا يعني ضعف الشعر

حوار: فضيلة الفاروق

الحزن في قصائد سيف الرحبي له سحره وجاذبيته الخاصة، وتكشف عن شاعر صاحب مران، يقنعنا بقيمه الجمالية، خصوصا في ميله الى الاقتصاد في التعبير، ومداواة اللغة ببلسم الصورة، فالعبارة عند الرحبي تكاد تتحول الى نقش، والصورة مكثفة بسيطة تشير الى واقع خفي وراء الواقع المرئي والملموس. قصائده تنتمي الى جيل الكارثة، وتندرج تحت عنوان ((أدب الخراب)).

الرحبي جمع مختارات من قصائده، ونشرها تحت عنوان ((معجم الجحيم)) عن ((سلسلة كتاب شرقيات للجميع)) في القاهرة، وكنا قرأنا له ((نورسة الجنون)) (دمشق 1980)، ((الجبل الاخضر)) (دمشق 1981) ((اجراس القطيعة)) (باريس 1984)، ((رأس المسافر)) (المغرب 1986)، ((مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور)) (عُمان- الامارات 1988)، ((منازل الخطوة الاولى)) (القاهرة 1993)، ((رÿÿ;ل s5;&##1ÿÿ; الربÿÿÿÿ935;الخالي)) (بيروت 1994)، ((جبال)) (عُمان- بيروت 1996)، هذه العناوين توحي وكأن الرحبي شاعر الترحال والمطاردات بين العواصم. ورغم هذا التجوال نكتشف ان الرحبي شاعر المكان بامتياز. حول تجربته ورؤاه وعواصمه الحوار:

قصائدك في ((معجم الجحيم)) تقدم ذاكرة تتعدى، وماضيا متدفقا، الى أي مدى استسلم شعرك للذاكرة؟

الذاكرة تظل وقودا للحالة الشعرية والكتابية، فالاشياء التي تنبثق، وتأتي، وتتقادم من الذاكرة يتم تحويلها عبر المخيلة الى لغة، ومن هنا فالذاكرة الحنينية- عندي، تقودني الى أماكن مجهولة وشخوص غائبين، وتلعب دورا حاسما في توقيت وتحفيز اللحظة الشعرية، وما أريد قوله بصيغة أخرى، هو أن الذاكرة بأشيائها تتحول الى كائن آخر، وبطبيعة الحال ما يعطي للذاكرة دورها، هو الغياب الجارح والحدث اليومي والحياتي الذي يغذيها.

هل تشعر ان المستفز المكاني، والحالة المستثناة ضروريان لاكتمال الصورة الشعرية، أو على الاقل لتجميع خطوطها؟

المسألة جدل معقد من الأشياء واللحظات، فأحيانا يكون المرء في لحظة هدوء ولكنه مستفز داخليا، مع ان طبيعة المشهد الخارجي كثيرا ما تلعب دور المحفز الموقد للحالة الكتابية، هناك أماكن بالنسبة لي لعبت دورا أساسيا لتكوين نصي الأدبي هناك أماكن خامدة لا توحي بدلالات او بحياة، وهنا يسقط دورها كمحفز لتوارد الشعر.

وكيف تصف بيئتك الشعرية إذا جاز التعبير؟

الأماكن الأكثر مواءمة، وارتباطا بالشعر تنشط مخيلتي، بينما هناك أماكن تلعب دور المثبت، القاهرة، بيروت، باريس، أماكن عشت فيها، وانسجمت مع خصوصياتها، مثلما انسجمت مع روح كل عاصمة من هذه العواصم، فالقاهرة وبيروت بينهما مشترك روحي وثقافي. باريس او أي مكان آخر غربي، مسألة مختلفة، لكن من حيث منطلق الاحساس والتجربة وليس من منطلق التنظير والتجربة، تلعب الغربة أحيانا دورها، حين يشعر الفرد انه أكثر انسحاقا وتدميرا. هذا النوع من الاغتراب يلعب دور المؤجج للمخيلة، أكثر من المكان الذي نشعر معه بالتكيف، أو بنوع من الاشتراك الروحي اكثر من غيره، فالمقياس غير نهائي هنا، وغير صارم في هذا التوجه، وما أقصده إذن هو الحالة، فهناك حالات متناقضة ومشتتة وعديدة في هذا المجال.

هل يمكن للشعر العربي أن يحافظ  على  روحيته، وهو ينبثق من بيئة غربية؟

اعتقد ان الشاعر الذي يمتلك أدواته ويمتلك مستوى ما من النضج الفكري والتعبيري يستطيع المحافظة على خصوصيته وبيئته الثقافية، ذلك لأن الانسان يجتر تاريخه، ويحمل في وعيه ولاوعيه طريقه الخاص والعام، الذاتي والآخر، ويظل بالدرجة الأولى مخترقا استعادة وحنينا بمكوناته الخاصة.

هل تجد هذه الصفة متوافرة في شعر الاجيال الجديدة؟

ألاحظ سواء في كتابتي، أو في كتابة الكثير من أقراني، من هذا الجيل الممزق الذي اسميه ((جيل الكارثة)) انهم مهما ابتعدوا، وشط بهم النوى، يظلون مخترقين ببيئاتهم الأولى، تلك البيئات الغائرة بالزمن، والجغرافيا، بحيواتها المتوحشة، وكائناتها الاولى، وبسديمها العجيب، وذكرياتها الاولى، التي يمكن تسميتها بذكريات ما قبل المكتسب المعرفي، والمعنى الحضاري والمدني… الخ.

ألا تقرأ في شعرك بعض التميز والاختلاف عن النص المتواجد حاليا، والذي ينتسب لهذا الجيل ((الكارثي)) على حد تعبيرك.

لا أدري، فلا يمكنني التحدث عن تجربتي بالتفصيل، لأن حديثي قد يفضي الى إطراء التجربة، نحن تحدثنا عن كتابة جيل، وهذا الجيل بأصواته المختلفة، ورؤاه الشعرية والثقافية المتنوعة لا يشكل وحدة، بقدر ما يشكل اختلافات متعددة، وفي هذا الاطار تدخل شعراء واصوات موهوبة تمتلك ثقافة عميقة، وتجربة لها أهميتها على صعيد الحياة والمراس. هناك آخرون يكتبون ولا يملكون هذه المكونات، والشعر عندهم لعبة لفظية، واعتقد ان هذا يعود الى قوة الوعي والموهبة واللغة ومراسها بالنسبة للشخص، وهذه الأشياء تلعب دورا حاسما تماما. وفي بداياتي الشعرية، كما أتذكر، كنت كأي مبتدئ يرتاد مجهولا معينا في التعبير الشعري والحياتي، ويرفع شعارات تنظيرية معينة، ربما قادمة بشكل جزئي من تراث كلاسيكي عربي، لكن معظمها مستقى من إرث أوروبي حديث، خصوصا الإرث التدميري اللاحق للدادائية والسريالية… الخ، هذا الإرث شكل ردة فعل اتنقامية تجاه البورجوازية الاوروبية بحروبها وكوارثها، والشعارات كانت تستعاد على شكل قطيعة، أو تفجير للغة، او تدمير… الخ.

لكن الى أي مدى استوعبنا هذه الشعارات على صعيد النص الشعري الشبابي في مرحلة معينة؟ هذه مسألة لا يمكن البت فيها إلا من خلال الممارسة الابداعية، وأتصور ان الواحد مع تقدم تجربته في الزمن يكتشف انه لا يمكن احداث قطيعة مع الإرث الشعري العربي.

هل تعتقد أن الشعر مجرد لعبة لغوية نكشف من خلالها عن تمايزنا وخصوصيتنا الابداعية؟

بالطبع ليس لعبة لغوية، فلابد من تواصل، وبقدر ما ينقطع الواحد منا، بقدر ما يتواصل مع التراث ومواقعه الخلاقة. هناك جوانب مضيئة في القصيدة العربية النثرية التي نكتبها الآن، مثلا، بدا وجه التأثر بالإرث الأوروبي فيها لكن ليس الى حد الارتهان، والموروث الكلاسيكي العربي يشكل توجها هائلا ومعينا كبيرا لامداد اللغة الإبداعية بذخيرة مهمة جدا، أعتقد أن المسألة، تبدأ من هنا، لتوضح التميز الشخصي، وتمنع التكرار في الانتاج، فالكل يكتب حول رؤى مشابهة، وأقانيم متقاربة بصورة أبدية، لكن قدرة الشعر هي الى أي مدى أضفي أنا، تلويناتي، وتأملاتي الخاصة على الأشياء، وهنا تأتي عبارات التمايز والاختلاف، فالخاص هو الامتحان.

الملاحظ ان النص الشعري الى تراجع، فيما النص القصصي والروائي، يكتسح مساحة الابداع، هل يمكن اعتبار ذلك صفة من صفات التخلص من البداوة والانتقال من مرحلة الخطاب الى مرحلة التمدن وتتبع الحركة المعقدة للمجتمع الحالي.

لا أعتقد أن هذا الكلام له سند، أو براهين في التاريخ الابداعي للبشرية، ربما الشعر في مراحل البداوة العربية كان موجودا وقويا وحاضرا بصورة مهيمنة، عبر السليقة، والعفوية والطبيعة الأولى للأشياء وليس عبر الثقافة او المكتسب، بالتأكيد كان هو الشكل الغالب في الذاكرة العربية القديمة، لكن فيما بعد تطورت العهود العربية، في العصرين لأموي والعباسي كان الشعر يلعب دورا حاسما بامتياز، فيما بلغت الفنون والفلسفة والعلوم مستوى عاليا ومركزيا على الصعيد الكوني، وكان الشعر في هذه البيئة الحضارية الكبرى (العصر العباسي) مؤسسا لكبار التجريبيين والمحدثين، إذن هذا الطرح الجديد مشكوك فيه، وليس مقياسا جادا للأمور.

كيف تفسر ما يحدث إذن؟

طرأت تقنيات جديدة، لكن الشعر يظل قوة روحية ضرورية لحياة أي شعب وأمة بدون ثنائية المجاراة أو الانتشار، هذه التقنيات تعتمد على وسائل تكنولوجية واسعة ومذهلة، والشعر منذ العصور القديمة كان للنخبة الى حد معين.

لكنه حين كان مادة مسموعة، كان يتجاوز المجال الضيق للاستيعاب، ألا توافق هذا الرأي؟

لكل زمن مرحلة لها تجلياتها المختلفة، التعبيرية والقرائية. وهناك ايضا التعاطي المختلف بين مرحلة وأخرى، وإذا خفتت نبرة النشيد في الشعر لا يعني ضعف الشعر، بالتالي لا أعتقد انه اذا خفتت النبرة المنبرية في الشعر، يخف معها عمق الشعر أو أهميته، أعتقد العكس تماما. ففي مرحلة معينة من تاريخنا العربي المعاصر كانت مرحلة ((صارخة جدا))، وجمعت شعراء كثيرين لا علاقة لهم بالشعر إلا من خلال علاقاتهم بالمنابر والصراخ، هذا الزجل المنبري حجب أصواتا شعرية حقيقية أكثر عمقاً.

لكن الشعر العربي رغم عمقه الزمني، لم يستطع ان يفوز بجمهور عريض، على عكس الرواية التي راجت بقوة رغم حداثتها الزمنية.

الكتابة الحقيقية بصورة عامة يجب أن تحصن نفسها في ركن حقيقي مضيء، ولو لم يكن مفتوحا للجميع، وان تحرص على تميزها. فالشعر العربي ما يزال الى الآن  يلعب دورا مهما على المستوى الروحي بغض النظر عن هذا الولع بالمقارنات مع الرواية، فأنا لا أجد جدوى من هذه المقارنات، فالرواية، شكل جديد من أشكال الابداع عند العرب، وليس بالضرورة ان تسحق في طريقها هذا النوع الابداعي أو ذاك، فالشعر بالتأكيد سيستفيد من روحية الشعر الكبيرة. وسبق ان قلت ان الشعر بالنسبة للعرب يشكل ذاكرتهم الاساسية للولوج الى الأشياء، ورؤية العالم.

كيف تقيم الحركة الشعرية العُمانية تدرجا عبر أجيال عديدة؟

مشكلة الابداع سواء في عُمان أو في الخليج العربي، ذات مستويات متنوعة، حسب الأجيال، فهناك شعر كلاسيكي وصل الى مستوى من المتانة والسبك والجودة، وامتلك المواصفات الكلاسيكية للشعر، لكننا في الفترة الحديثة، ومع بداية تشكل الخارطة الشعرية الجديدة في الوطن العربي، شهد الشعر بداية انكفاء في عُمان، وفي فترة السبعينيات بدأت أصوات شعرية جديدة تنطلق، مترددة وخجولة، الى ان صارت تسمع بوضوح في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. لكن هذا الحضور الشعري افتقر الى التواصل مع التجارب التي سبقته، فقصيدة التفعيلة لم تأخذ مداها، والآن القصيدة النثرية هي الطاغية على المشهد الثقافي العربي، وهذه المسألة ملاحظة على الصعيد الشعري والثقافي عموما. هناك أيضا نوع من التناول النقدي الطليعي، الذي يغفل التكوين الكلاسيكي للشخصية المعرفية، لقد قفزنا مباشرة الى المعاصرة، وهذا القفز ترافق مع القفزات العمرانية والسكانية والجيولوجية والنفطية. لقد انتقلت البلاد من المرحلة البدوية بشكل تراجيدي وموجع الى مرحلة يمكن تسميتها مرحلة ما بعد الحداثة، وهذا الانتقال خلق إشكالاته، رغم إيجاده لآفاق مدنية.

وماذا عن الأصوات الشبابية العمانية؟  

الأصوات الشبابية يلزمها فترة زمنية لتتضح، وتنفرز على أنحاء مختلفة، لكن ما يسجل عليها انها أصوات طموحة وقوية. وهناك محاولة لخلق نوع من التواصل مع جيلنا عكس الجيل الذي سبقنا وحاربنا. ولهذا خلقنا منابر كمجلة ((نزوى)) تتعاطى مع الوسط بروح جديدة، وفي النهاية نحن كلنا في السياق نفسه، ولا نملك حق القيادة، ولكننا من موقع التجربة نطرح أفكارنا، والتأثير أو عدمه قضية يحسمها الزمن. شعارنا في المجلة هو خلق الجدل، دون السقوط في التوجيه والموعظة. ولهذا تميزت هذه المجلة بين عدد من المجلات الضعيفة والاستهلاكية.

الكفاح العربي – بيروت – 22/7/1997