جديد الكاتب

الشاعر العماني سيف الرحبي عن سيرة الطفولة والشعر (1-2) الوالي يسجنني ثم يشجعني لخوض اشتباك آخر

التقاه: حسام الدين محمد

هذا الحوار مع سيف الرحبي هو جزء من مشروع بصدد الإنجاز تباعا يتلخص في اللقاء بعدد من شعراء هذا الجيل الغريب الذي تصادفت ولادة أفراده في خمسينيات هذا القرن، واستفاقت طفولتهم على الحدث الأخطر في المنطقة العربية : سقوط فلسطين، وفتحوا أعينهم على بداية أحداث تمخضاتها، وتفتح صباهم مع حرب حزيران واحتلال إسرائيل للضفة الغربية والجولان وسيناء، وبداية شبابهم واكبت نهوض المقاومة الفلسطينية وموت عبدالناصر وحرب تشرين، ورجولتهم ، (وبداية اكتهالهم) واكبت الأحداث الكارثية اللاحقة المتمثلة بحربي الخليج الأولى والثانية.

هذه الأحداث الخطيرة في حيوات هؤلاء الشعراء تبدو – بعد أن صفت رؤاهم وأساليبهم واتضحت – غائبة وبعيدة، تبدو الأحداث غير حاضرة في أشعارهم، ولا رواياتها ولا أسمائها ولا تفاصيلها ما يحضر ويتضح ويسود هو تفاصيل الشخصي والفردي والذاتي، فهل يمكن إذن استكشاف علاقة ما بين حضور العام الخطير في حيوات الشعراء، وغيابه في أشعارهم؟ هذا مثل على ضرورة سؤال واستكشاف جدل العلاقة بين الحياتي والإبداعي، وكذلك جدل العام للقيام بقراءة حقيقية في التجربة الشعرية العربية الحديثة. في سياق ذلك كله ها هنا حوارنا مع سيف:

§ حدثنا عن ولادتك وأين كانت؟

§ الولادة كانت في عمان، قرية «سرور» 1956، أول ما فتحت عيني على المكان، الذي ليس مكانا عاديا، وإنما كما عشته وأستعيده الآن، وعبر تخييله المستمر، إبداعا وحياة، كان يمتلك كثافة خاصة، كان رواية أسطورية لمجرات من الجبال لا حد لها، ومن الجهة الأخرى البحر والصحراء. هذا المثل المرعب بالمعنى الجمالي الفظ للطبيعة العمانية، كان بمثابة المرآة الضخمة التي يبدو الكائن أمامها ضئيلا وهشا. كان المكان في وعيي دائما المهيمن والمخلوقات ليست إلا أشباحا لشاشته الضخمة.

§ كيف هي الطبيعة الاجتماعية التي ولدت فيها؟

§ كان المحيط ببيئاته الاجتماعية والأخلاقية والروحية محيطا قبليا عشائريا ودينيا إلى حد ما، فأنا نشأت في عائلة تنتمي سوسيولوجيا إلى المذهب الاباضي، وكان والدي متدينا لحد التصوف، بمعنى ما. وكانت في البيت مكتبة، بالمفهوم الكلاسيكي للمكتبة، كانت تحوي كتبا فقهية ولغوية وأدبية وهذا تقليد موجود في الثقافة العمانية الكلاسيكية فهناك ما قبل التحديث تماما، توجد مكتبات ومدارس ومعالم معرفية في الأماكن العمانية المختلفة، مدنا وقرى، أحيانا تكون لأشخاص وأحيانا تكون وقفا.

§ متى بدأت ترى إلى أكثر من مكانك المحدد؟

§ هذه البيئة المكانية والاجتماعية التي يمكن للخيال أن يذهب تجاهها حدا بعيدا هي التي كونت الوعي الأول بالأشياء والعالم وهي تبدو مكانا مغلقا على نفسه وانه نهاية العالم رغم انك حين تطلق النظر نحو الجبال والصحراء والبحر تبدو الأشياء لا نهائية في المطلق وبالتوازي البيئة الاجتماعية التي هي أيضا مغلقة على نفسها وتواصلها مع عالم مليء بالحذر والريبة. كانت أحلام الطفل، أي طفل كما أتصور، وخاصة إذا كان يمتلك حسا شاعريا مبكرا، في أن يحلم بالتحرر من اسر هذا المكان وهذا الوضع الاجتماعي المغلق والذي يدور على نفسه كالرحى، وكان في سفر العائلة الأولى من القرية، إلى البندر، «مطرح» الذي هو جزء من العاصمة العمانية مسقط والسفر الذي كان بالضرورة على الجمال والحمير، في تلك المرحلة التي أضحت غامضة وبعيدة وكان أول مشهد للبحر بعد الانفكاك من ربقة الجبال العاتية تمرينا لهذا الحلم بذلك الأفق الأخر ورؤية البواخر والمراكب والمسافرين تحفز أحلام الرحيل والانعتاق؟

§ كيف كانت علاقتك بوالدك ووالدتك؟

§ المجتمع كان بطريركيا أبويا صارما، وكان الأب هو الرمز القوي والمهيمن على العائلة وعلى المجتمع إلى أخر هذه المراتبية. كان الوالد بمكانته الرمزية هذه وكونه احد الوجهاء الدينيين والقبليين في المنطقة يبرز  حضوره الصارم والمتميز دائما تجاه أبنائه، يصل ذلك حد الضرب والاعتقال أحيانا، ويمكنني أن أتذكر دموع أمي الخفية في أكثر من موقف ومشهد يهيمن فيهما حضور الأب الساحق.

المرأة بطبيعة الحال كانت مهمشة إلى حد كبير لكن التهميش ليس بالمطلق وإنما تمتلك نوعا من حضور فهي تساعد في العمل الزراعي والاحتفالي وتساعد في أمور شتى، لكنها ككائن له رأي يظل غائبا تماما أمام حضور القيم البطريركية للبيئة. لكنني أتذكر أن ذلك المحيط بكل إشكالاته وسلبياته كان لديه نوع من التماسك الاجماعي والروحي وكان منسجما مع سياقات حياته المادية والروحية، بالمعنى التقليدي للكلمة كان ثمة قناعات وصدق ومبادئ في إطار تلك البيئة العشائرية الدينية.

§ كيف بدأ تلقيك موضوع القراءة والكتابة؟

§ في إطار تلك البيئة التي لم تكن المعرفة غائبة عنها بدأت قراءاتي الأولى الموزعة بين الفقه والدين وعلوم اللغة والأدب، وكانت المدارس «الكتاتيب» منتشرة بالإضافة إلى مدرس خاص كان يدرس مجموعة قليلة من أبناء القرية وكتعميق لهذه العلوم التي ذكرتها، وأتذكر اسمه حتى الآن (حمود الصوافي) وهو من المنطقة الشرقية من عمان، أتذكر طلعته البهية وقناعاته الصارمة واليقينية تجاه الأشياء والعالم ، كان صادقا إلى حد بعيد في ما يؤمن، وبعدها انتقلنا إلى العاصمة لنواصل الدرس في هذا المجال وهناك بجانب هذه العلوم التقليدية دخلت المدرسة السعيدية في مسقط حتى أكملت الشهادة الابتدائية بموازاة العلوم التقليدية الأخرى في جامع الخور بمسقط.

وفي تلك الفترة أتذكر بدأنا في كتابة الشعر وممارسة النقاش والسجال حوله. كما نكتب شعرا مقفى وموزونا بالضرورة ويأتي في أحيان كثيرة على الشكل السائد في الشعر العماني التقليدي، كانت القصيدة عبارة عن سؤال يتضمن قضية دينية أو لغوية أو أدبية للشيخ أو للمعلم ويجيب عليه المجيب بنفس النسق التعبيري من قافية وروي وزحاف.

وكان الشيخ الأكبر في تلك الفترة هو احمد الخليلي الذي أصبح الآن مفتيا عاما للسلطنة.

في تلك المرحلة أتذكر بدأت رياح التحديث والمغايرة والاختلاف عن جو الثوابت المتوارث في البيئة العمانية يأخذ مجراه في نقاشاتنا وكلامنا في السياسة والأدب والحياة.

وانطلاقا من هذا بدأ التصدع الأول في منظومة قناعاتي اليقينية المتوارثة والمتداولة منذ قرون في المجتمع العماني وبدأ الاختلاف وتصدع العلاقة مع المراجع والشيوخ يأخذ مجراه.

§ في ظل عناصر الأب القوي، المكان الجميل ولكن المفتوح على رغبة الخروج منه، والأدب، والسياسة من أين بدأ التغيير في شخصيتك؟

§ أنا أؤمن بإحدى مقولات الصوفيين حول الاستعداد. الاستعداد عامل حاسم في تقبل أشياء معينة والدخول فيها واجتراحها أولا.

وفي هذا السياق بالنسبة لي كجزء من ذلك الجسد الاجتماعي والبيئية الذي أشرت إليه كان المحيط العماني قبل الـ70 يعيش مرحلة استثنائية في تاريخه في حالة من الانغلاق والعزلة وعدم التماس مع معطيات العصر ومنجزاته المختلفة علميا وتكنولوجيا وأدبيا في تلك الفترة كان العمانيون بمختلف أعمارهم يرحلون إلى الخليج المجاور الذي بدأت فيه الاكتشافات النفطية وبدأ نمط المدينة النفطية الحديثة في الظهور كان العمانيون جزءا من تلك اليد العاملة جزءا من ذلك الشقاء البشري المريع الذي يعيش ويقتات على قيمته البدنية.

كان ذلك ظرفا قسريا واضطراريا عند العمانيين، وكنا في القرية قبل الذهاب إلى العاصمة مسقط نسمع العائدين من بلدان الخليج المجاورة يتكلمون عما شاهدوه هناك من عجائب. هذه العجائب طبعا تنحصر في بعض الأدوات الحديثة المستخدمة في الحياة اليومية والتي هي بالضرورة ليست موجودة عندنا في عمان في تلك الفترة يصحب ذلك كلام غامض عن أفكار سياسية وعن جمال عبدالناصر كرمز مخلص للأمة بكاملها. كلام على بساطته وسذاجته كان يهجس بميلاد مرحلة جديدة.

في العاصمة وفي ذلك الجو من التعاليم والقيم الثابتة كان هذا النوع من الجدل والنقاش يتخذ طابعا مختلفا ينم عن خلفية معرفية كلاسيكية بدأت تتوسل بعض نسائم التحديث، سواء في السياسة أو في الحياة أو في الأدب.

كانت القرية تنام وتصحو على القسم العربي من الإذاعة البريطانية وإذاعة صوت العرب القاهرية.

بمعنى أن ذلك الجو المتماسك من المعرفة الثبوتية والوثوقية بدأ بالتصدع والتغير، وكنت بحكم ذلك الاستعداد واحدا من الذين اخترقوا ذلك الجو باتجاه آفق أخر.

§ كيف تصف آثار هذا التصدع على المستوى الاجتماعي لديك؟

§ أولا، باتجاه مرجعية الأب، الذي كان كامل الحضور في ممارسة وظيفته البطريركية وكان يعد ولده لان يكون متفقها في الدين واللغة والعلوم التقليدية التي ورثناها عن الأسلاف، وقد وصل شوطا من الدراسة لا بأس به في هذا المجال مع بداية التفكير بأي شيء مختلف.

الريح الأخرى بدأت تقتحم المحيط ولو بشكل بسيط، فكان ذلك جرحا لوثوقية تربيته وقناعاته تجاه الطفل.

بعد خدش مرجعية الأب، بمعناها الخاص، هناك أيضا مرجعية الشيخ أو الرمز، ومن ثم مرجعية المجتمع، والبيئة الاجتماعية بصورة عامة فقد بدأ نوع من التمزق في الوعي الذي كان متماسكا ومنسجما وبدأ التغير في نبرة الخطاب والمزاج والطموح، كل هذه العوامل الأساسية كانت تهجس بأفق أخر وبرؤية أخرى.

على مستوى القرية، أتذكر الطفولة الأولى في القرية مع كل انكفائها وانغلاقها عن العالم كانت تعيش نوعا من العيد المستمر وليس العيد بمفهومه الموسمي مثل عيد الفطر والأضحى  أو غيره فحسب وإنما أعياد مختلفة. ذلك العيد دائما ما يكون مخترقا بالموت العاري. الجنائز التي نشاهدها دائما عبر القرية على إيقاع نواح بنات آوى والذئاب  الكثيرة التي يتموج صداها عبر الجبال والنخيل- ذلك الموت العماني الذي ظل يطاردني في كل مكان تبدأ الطفولة من الصحيان المبكر جدا والاندفاع نحو السهول والجبال لصيد طيور القطا  والصبا والعقاعق وحيوانات أخرى، وأعياد أخرى تتخذ طابعا شرسا ودمويا أحيانا كالاشتباكات المستمرة بين الصبية.

أتذكر في هذا السياق أنني سجنت بقيد حديدي في قلعة سمائل التي كانت تسمى الحصن بسبب ضرب محراث قاتلة لصبي آخر. كانت تلك البيئة القروية بجبالها وبشرها وحيواتها المختلفة بكل فقرها وتقشفها تعيش نوعا من عيد مستمر. عموما كانت البيئة العمانية تشكل لي هاجسا وواقعا شبه ميتافيزيقي مهيمنا على مشاعري وكياني في حال الإقامة والرحيل. لذلك فهو يربض على كامل كياني الوجداني والشعري والكتابي. من هنا يأتي هذا الحضور الساحق لذلك المكان رغم ابتعادي عنه كل تلك السنوات، أتذكر في هذا السياق عبارة هربرت ريد بان الإنسان يعيش سنواته الكثيرة كصدى لطفولته الأولى، اعتقد أن هذا صحيح من خلال تجربة الانفصال والتصدع عن المكان الأول الذي ظل يخترق الشاعر كيانيا وكتابيا.

§ ما كان سبب رحيلك الأول عن عمان وكيف تهيأت السبل النفسية لذلك لديك؟

§ في ظل هذا الجو المشبع بهواجس الرحيل حتى الانفجار بدأ منعطف جديد في الحياة والمجتمع العمانيين، وهو المنعطف السبعيني، فعام 1970 الذي بدأت فيه عمان بالانفتاح على العصر والعالم بمجيء صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد، ففي تلك الفترة المبكرة حصلنا على دعم أنا وثلاثة آخرين للسفر إلى القاهرة، رجعوا جميعا باستثنائي، فقد واصلت الحياة هناك، ومن منطلق القاهرة انفتح مشهد الأفق الأخر المحكوم به معرفيا وحياتيا. كان عمري في تلك الفترة 14 عاما وانفتح أيضا ستار التيه والرحيل في أماكن شتى.

§ وبأي قانون سجنت عندما ضربت الصبي؟

§ سجنت من قبل والي المنطقة، أتذكر اسمه حتى الآن: الشيخ محمد بن زاهر الهنائي وهو من الزعامات القبلية، وكان رغم تنفيذه لقانون الجزاء يستدعيني إلى مجلسه ويعاملني بتميز. لكن في الليل أنام داخل المكان المخصص للسجناء. وكان ثمة قيد حديدي يثقل رجلي، وكان الوالي حسب ما أتذكر مولعا بالبسالة  والشجاعة القبليتين، وكان صديقا لوالدي، وحين أنهيت مدة السجن استدعاني وقال لي يا سيف أنت ذئب! بعد هذه الحادثة عدت للقرية وخضت اشتباكا ثانيا على ضوء تشجيع الوالي وسجنت مرة أخرى.

في سياق الإدارة المؤسسية فعمان من الدول العربية التي كانت تمتلك منذ القدم مفهوم دولة وإدارة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة وهناك هذا التنظيم الإداري والجنائي والمؤسسي في كل أنحاء عمان.

§ كأن هناك نوعا من التربية الاجتماعية الحربية. هل يوجد نظام من هذا القبيل في عمان، وهل تختلف عمان بالتالي عن باقي مناطق الخليج؟

§ المجتمع العماني عموما هو منذ عصور قديمة مجتمع مسكون بيقظة الحرب، إذا صح التعبير، باستمرار، منذ الجد الأكبر للازد العمانيين، مالك بن فهم، ومعركته الفاصلة في التاريخ ضد الفرس على شواطئ عمان وداخل جبالها ومغاراتها، وعمان أعطت القائد الإسلامي المهلب بن أبي صفرة وعلى المستوى البحري والملاحة احمد بن ماجد. لقد تكونت عند العمانيين تلك الذاكرة الحربية النابعة من تلك الريبة من الأخر الغازي والمحتل، وأنعشت هذه الذاكرة أحداثا كثيرة لاحقة: الأحداث المفصلية في تاريخ الاباضيين القدماء الذين كانت عمان معقلهم الأساسي وربما اليمن لفترة قصيرة من الزمن كانت الاباضية مذهبا فرضت عليه خيارات المواجهة الصعبة مع الدولة العربية الإسلامية المركزية كالدولتين الأموية والعباسية، وهنا لا احكي عن سلبيات وايجابيات هكذا مواجهة ولكن أتحدث عن أحداث حصلت في التاريخ العماني ومن ثم الحروب القبلية العمانية الكثيرة فتجد المعمار الهندسي العماني معمارا اقرب إلى البناء الحربي وتكويناته الخفية الجبلية ومن ثم خيارات المواجهة أيضا مع الأعداء الخارجين بدءا من البرتغاليين الذين احتلوا شواطئ عمان والجزيرة العربية لفترة طويلة من الزمن حتى جاء الإمام اليعربي ناصر بن رشد الذي كان يمتلك أسطولا حربيا وتجاريا وكذلك السيد احمد بن سعيد البوسعيدي جد العائلة الحاكمة حاليا، وطردوا البرتغاليين من كل المنطقة ومن الهند أيضا وساحل فارس وليس المنطقة العربية فحسب، وهناك المواجهات المستمرة مع الفرس، وهناك أحداث لا تحصى وتعج بها الرواية التاريخية العمانية وكان العمانيون يمتلكون أسطولا بحريا كبيرا ومن هنا سماهم الغربيون بالقراصنة وهم  بالحقيقة ليسوا قراصنة وإنما تجار ومحاربون يدافعون عن أرضهم وحقهم، وقد حطم الغربيون قواتهم البحرية تحت شعارات محاربة القرصنة والرقيق، بالإضافة لهذه اللمحة من تاريخ كثيف بالمآسي والمحن والحروب، هناك محن المواجهة مع طبيعة شرسة وقاسية من هنا صلابة ذلك الإنسان الذي نحت حياته في ظروف بالغة الصعوبة حياتيا حتى الاستحالة.

   

الشاعر العماني سيف الرحبي عن سيرة الطفولة والشعر (2-2)

أنا أسير أسلافي وهم يتحكمون في سلوكي!

 

التقاه: حسام الدين محمد

 

لندن – « القدس العربي».

 

 

§ كيف تأسس الجانب الإبداعي لديك وما هي علاقته البدئية بالتراث عموما؟

§ التراث العماني شاسع جغرافيا وتاريخيا على الصعيد الكتابي يمكن القول إنني تشربته برؤيتي الخاصة. هذا التراث الذي بدأت مبكرا في رفض ممثليه ورموزه الوثوقية حد الوصاية الأبوية علي والمانعة أي أفق للاجتهاد أو الجدل المتعدد حوله.

يمكنني الزعم أنني حاولت مقاربة هذا التراث بالمعنى الروحي والاركيولوجي المكاني في كتاباتي المختلفة، وهو ليس فقط خيارا معرفيا بدأ يتعمق مع التجربة والكتابة وإنما هو أيضا شيء قسري يرقد في أعماق الكائن وينفجر لا شعوريا في الكلمات والحركات والسلوك.

أيضا هذا الخيار بدأ يتضح أكثر كموئل للتميز الإبداعي، أتصور أن الكتابة لا يمكنها أن تضيع في خضم نموذج الأخر من غير اجتراح خصوصية إبداعية ما وتعميقها بالخبرة الحسية والجمالية..

§ أريد أن أقول أن في قراءتنا لرحلتك أننا نجد محاولة للرفض والخروج على الثابت، ومن ثم محاولة مستمرة للعودة، إلى الطفولة المستحيلة، والعلاقة مشابهة مع التراث، الذي رفضته، بعد أن تشربت به وتغلغل في كيانك، فمن ناحية قمت رمزيا برفض الأب والإمام والبنية الاجتماعية ومن ناحية أخرى قمت بتمثل جوانبها المضيئة، كتمثلك ما يمثله العمانيون كشعب رحال وبحار ومسافر، وهكذا تقوم بتمثل لما ترفضه، وتعيد جدل مجتمعك وتاريخك داخلك؟

§ يبدو أننا نهرب من أماكننا الأولى ومن طفولاتنا كي نعود إليها بشكل أكثر عمقا وأكثر جراحا. فربما البقاء في المكان الأول الواحد الوحيد يدمر علاقتك بجماليات ذلك المكان وروحه التائهة في الزمان. لم يكن الهرب والرحيل إلا عودة عميقة للمنابع الأولى للأحاسيس الأولى وللجراحات الأولى لكياننا ووعينا. اعتقد أن هذا مربض السر وعرين الشقاء الأبدي للكائن.

هذه الجملة من التمزقات والتصدعات للمكان والكائن والعلاقات الغامضة والغريبة بينهما هي التي تمضي بالكائن إلى الحدود الأقصى في رحلته الحياتية. إنها مسألة مغرية ومدمرة في الآن نفسه. وربما مردودها الإبداعي وثراؤها الروحي كبير جدا لكن عبر برازخ من الألم لا حدود لها.

أفكر أحيانا في خضم الرحلة بالأماكن المختلفة أنني أسير الأسلاف العمانيين الرحالة وأنهم يتحكمون في سلوكي لا شعوريا.

أن هديرهم عبر الجبال والبحار والصحاري يجرفني باستمرار ويطوح بي إلى أقاص بعيدة. أحيانا أقوم برحلات وأسفار لا أهداف واضحة لها. حصل ذلك مرات متعددة.

هم كانت لهم أهدافهم بالتأكيد. لكننا عشنا أحيانا! وربما هذه جزء من رؤية معينة: انتقاء الغائبة في أحيان كثيرة. أفكر أيضا أن الإنسان عليه أن يسكن قدره مهما كان هذا القدر، والعبارة على ما أتصور صدى لمقولة نيتشوية. علينا أن نسكن أقدارنا وتيهنا مهما كان.

بالإضافة إلى هذا الشيء السيكولوجي هناك الخلفية التاريخية للرحيل وهناك عوامل المعيشة الحية فانا جزء من جيل عربي فتح عينه على خضم من الشتات المكاني والفكري والروحي فكانت المرحلة التي تفتح فيها وعينا مرحلة انكسار عربي على كافة الأصعدة. هذا عامل مفصلي لشقاء الوعي والتمزقات التي نعيشها باستمرار. لم ننعم بطمأنينة الوعي ونعمة الحضارة التي يعيشها الآخرون والتي عشناها تاريخيا في المستوى العربي مهما كانت ضرائبها وتكاليفها.

§ أين تجد التأثير النسوي على وعيك الطفولي؟

§ خرجت مبكرا من القرية ولم تكن هذه المسألة ملحة بدرجة مهيمنة لكن الطبيعي أن هواجسها الأولى كانت موجودة، وكانت المنافذ خارج الإطار الشرعي الديني والقبلي صعبة إلى حد ما نتيجة لصغر حجم القرية الجغرافي والسكاني، لكن لا تعدم هذه البنية خروقات معينة سواء على مستوى الصبية والمراهقين وبشكل اكبر على مستوى الكبار الذين لهم خبرة في اختراق المجال والبنية المهيمنة.

§ لننتقل إلى القاهرة، كيف كان استقبالك للمكان وللمجتمع في مصر، هل حصل نوع من الصدمة؟

§ القاهرة لم تكن غريبة علينا بدرجة كبيرة فقد كانت في تلك المرحلة حاضرة في وعينا، برموزها السياسية (جمال عبدالناصر)، وكذلك الأدبية والفكرية. لكن هذه الرحلة كانت أول تشظ للمكان المتماسك الأول بما يعنيه من بداية تصدع في الوعي وبشتى صوره. إنها أول خطوة باتجاه أفق أخر كنت احلم به وانا محاط بجبال من الفزع والكتب وأشباح الموت المهيمنة في البيئات الأولى. كانت خطوة كبيرة باتجاه التحرر الجسدي والذهني.

§ صف لي الصورة الأولى للقاهرة في ذهنك.. أتذكر هنا مرسيا الياد الذي يقول ما معناه أن الإنسان الحديث الفاقد للقداسة يجد هذه القداسة والسحر في تجارب مختلفة كزيارة مدينة للمرة الأولى؟

§ القاهرة كانت هذا الطقس السحري والفكري والسياسي الذي ألجه لأول مرة فهناك بدأت التماس مع مناخات فكرية وسياسية وأدبية جديدة. كانت تلك المرحلة تهيمن عليها النزعة السياسية اليسارية وكانت حركات الطلبة العرب والخليجيين ناشطة بشكل كبير محمولة على قوائم الأفكار الكبرى للتحرر والعدالة والاشتراكية التي تصل في اوهامها حدا كونفدرالية الطلبة العرب التي كنت عضوا في هيئتها الإدارية. كان الجو تبتلعه السياسة بالمعنى التبشيري السطحي أكثر من أي بحث فكري أو أدبي يتوسل عمقا ما وكان هذا أمرا طبيعيا بالنسبة لأعمارنا وبالنسبة لتلك المرحلة التي كانت تشهد أولى علائم التحول السياسي والفكري باتجاه عالم أخر نعيش واقعه الآن. بهامش  هذا الجو السياسي كان هناك الجو الأدبي المترامي النقاشات والطروحات والاتجاهات المختلفة. من صلاح عبدالصبور وحتى جيل السبعينيات في الشعر المصري مثل حلمي سالم وحسن طلب وعلي قنديل الذين عرفتهم منذ تلك المرحلة وكانت صلتي بمنجزات الثقافة العربية واللبنانية في بيروت أيضا متميزة عن غيرها عبر القراءة والمتابعة والإطلاع.

والقاهرة بصفة عامة مدينة في حياتها اليومية ووقائعها تعيش بمستوى الأسطورة وهناك دائما طقس خفي وميثولوجي للظواهر العيانية لخطوات البشر ونسجيهم الحياتي.

§ أين نزلت في القاهرة، ومن أول من قابلتهم، وكيف صارت لك حياة قاهرية؟

§ أتذكر الخطوة الأولى في القاهرة. نزلت بفندق في العتبة يطل علي ميدان العتبة تماما وكانت لأول مرة وبذهول أشاهد تلك الحشود البشرية والباحات والعربات: نساء ورجالا وأطفالا. جلبة لا تنتهي وكل شيء يختلط بكل شيء، أنا القادم من بلد فيه مساحات شاسعة بين المنزل والأخر، بين الكائنات والحيوات، أنقذف فجأة لهذا الخضم البشري المترامي. أتذكر أيضا فيما بعد عانيت من مشاكل على صعيد السكن (وهنا في البدايات) وذهبت إلى شيخ الأزهر وكان الشيخ محمد الفحام وقابلته حيث أمر لي بسكن فوري من مدينة البعوث الإسلامية التي أسسها جمال عبدالناصر.

قضيت فترة فيها حيث انتقلت لاحقا إلى حي الدقي حيث يسكن طلبة الخليج والجزيرة بإعداد كبيرة. وتظل القاهرة بالنسبة لي تلك المدينة التي يسكنني الحنين إليها وتظل محطة ولادة ثانية لحياتي الجسدية والفكرية . أتذكر ذلك الضباب الصباحي الذي يتدفق في أعماقي قبل انفجار حركة الحشود.

§ إذن ها أنت هنا في خضم جسم اجتماعي طلابي خليجي ذي طابع يساري، وأنت في أهاب الشباب الأول، وضمن محيط عربي، ما كانت مشاغلك وقتها سياسية أم أدبية؟

§ كانت الموجة العارمة والمهيمنة على الجو الطلابي الانشغالات السياسية ومتابعاتها وأوهامها وكنا غارقين في مياه التجريد وعلى كل فرد في هذا الخضم أن يكون جزءا منه، لكن بالنسبة لي كنت اهجس بعدمية سياسية مبكرة تجاه الأفكار المطروحة في تلك المرحلة وخاصة  من طلبة الخليج الذين كانوا يعيشون مستوى ماديا راقيا ومترفا وكانت طروحاتهم السياسية بالغة الجذرية والراديكالية. ليس هناك صلة واقعية تربط الأفكار بسياقها التاريخي المجتمعي. كانت لدي هذه العدمية المبكرة وكان الأدب بأشكاله المختلفة والسينما هي المناطق التي أجد فيها نفسي واجد فيها بدايات هذا الوعي المرتبك والممزق والذي تبلور لاحقا كخيار حياتي ووجودي.

§ انتقلت إلى دمشق في نهاية السبعينيات ونشرت كتابك الشعري الأول «نورسة الجنون» عام 1981، تواكب إذن انتقالك من القاهرة إلى دمشق مع بدء تأسيس ذاتك بصفتك شاعرا، هل كان الشعر فراقك لعالم كامل، وأحلام، وخيارات؟ هل كان تصفية حساب مع الماضي؟

§ بصفة عامة الشعر كان موجودا كهاجس لدي منذ فترة مبكرة وكنت دائما حتى وانا في خضم انشغالات أخرى اعرف أن الشعر أو الأدب هو الذي ينتظرني في منعطف ما أو منطقة ما، لكن فيما بعد اتخذ الشعر شكل خيار حاسم إلى حد ما وكانت تراكمات الخبرة الحياتية والحسية والجمالية. وتراكمات الألم والتشظي بالدرجة الأولى دافعا أساسيا لهذا الخيار الذي لا يخلو من طبيعة انتقامية تجاه العالم مع كل ما يحتمل الشعر من نزوع إنساني عميق ونزوع نحو العدالة والشفافية، الروحية العالية للكائن بقدر ما يرتبط أيضا بجذر دموي وتصفوي كونه مرتبطا أولا بواقع تنضح شرايينه نزيفا دمويا وخرابا وكونه محملا بأعباء ماض وتاريخ تنوء بثقله الجبال.

§ من هم الشعراء الذين تأثرت بهم في بداياتك؟

§ الشاعر في النهاية يبحث عن هوية وسط ركام من الإنجازات والتحقيقات الإبداعية في محيطه وفي العالم. النص في النهاية كما أتصور إعادة قراءة للمنجز الإبداعي والثقافي وللوجود بتجلياته المختلفة، في هذا السياق تأثرات ستكون على أكثر من مستوى وأكثر من رمز فهناك القراءة الأولى على صعيد الحداثة الشعرية العربية بمرحلته الأولى ورموزها وروادها وافقها وهناك لاحقا القراءة الثانية لشعراء المرحلة الثانية- إذا صح التعبير – الذين وجدت نفسي أتقاطع معهم في أكثر من مستوى تعبيري ورؤيوي من غير أن أنسى صدى القراءة المتجذرة في أعماقي للتراث الشعري الكلاسيكي العربي الذي تربيت ونشأت في كنفه.

§ المناخ العربي في الثمانينيات شهد تغييرات سياسية وأدبية كثيرة اتجهت بجيلك إلى سياق تبنى في غالبيته نزوعا نحو التعبير عن الانكسار والاحباط وصولا لاحقا إلى العزلة والوحشة الفردية حتى، ما هي باعتقادك  أسباب هذا النزوع، هل تكمن – هذه الأسباب – في سياق الانكسار العربي، أم أخذت أحيانا شكل الدرجة والموضة الفكرية، التي شهدنا في الخمسينيات شبيهات بها، كالتأثر بالوجودية وغيرها؟

§ أولا، بالنسبة للعزلة الوحشة ، اللذين لابد تنتجان عن فردية عالية، فهذه الصفات من طبائع الشاعر الأصيلة عبر أطوار التاريخ والعهود المختلفة، فالشاعر لا بد أن يدفع ضريبة الانفصال عن السياقات القطيعية للفكر والحياة طموحا إلى حياة روحية أرقى. هذا موجود في كل الأزمنة وحتى لدى شاعر القبيلة الذي كان صدى لها ولسان حالها هو مسكون العمق بعزلته الخاصة. بطبيعة الحال تتكثف هذه الصفات وهذه الخصال التدميرية الخلافة في المنعطفات المأساوية للشعوب والأمم التي لا مناص أن يكون الشاعر جزءا منها ومن نسيجها، في المستوى العربي الذي نحن بصدده دائما كان من الطبيعي حين شهد (المشروع) الحضاري والثقافي العربي ذلك القدر الكبير من الهزائم والانكسارات أن تتغير طبيعة التعبير وطبيعة الرؤية وتجنح أكثر نحو تعميق العزلة والوحشة والفردية والانغراس أكثر في مشهد الخراب القائم. هذا ينطبق على الشاعر الحقيقي والأصيل بالمعنى الإبداعي، لكن هناك كما في كل مشهد ثقافي وإبداعي في التاريخ البشري اقتحامات من خارجه لشعراء أو متشاعرين يتلبسون هذه الصفات وهذه الآلام التي ليست من طبيعتهم كأزياء فضفاضة ترفية ويكونون صدى للأخر من غير سياق طبيعي لحياتهم وتعبيرهم أي أنهم يقومون باستعارة الإشكالات والهموم والقضايا التي ليست من صلب وجودهم وحياتهم. هذه هي الموضة الفكرية. أنهم ليسوا مسكونين بذلك القدر المأساوي للشعر والتاريخ لكنهم يستعيدونه بشكل جاهز ومسبق. لقد تعمقت طبائع الوحشة والعزلة الفردية وتقلص الصوت الجماعي أو التواصل الجماعي بين الشاعر ومحيطه في العصر الحديث، صار هناك صدع لا نهاية له.

§  كيف كانت علاقتك مع الشعراء والمثقفين في سورية، من رافقت، أو أحببت؟

§ في الفترة السورية من حياتي ويمكن أن اسميها الفترة السورية – اللبنانية، وهي فترة هامة جدا ارتبطت بصلات حميمة ووثيقة مع كتاب ومثقفين، في المستوى السوري، كنا شلة من الأصدقاء الحميمين نلتقي دائما ونتحاور ونضحك ونعبث أتذكر في مقدمتهم الناقد يوسف سامي اليوسف، الذي كان صاحب إطلاع واسع وذائقة شعرية عميقة وهو للأسف لم يأخذ حقه من الشهرة، وأتذكر الشاعر حسان عزت، وعبدالقادر الحصني، وإبراهيم الجرادي، وفيحاء الناظر، ورياض الصالح الحسين الذي خطفه الموت بشكل مبكر جدا، وجميل حتمل أيضا، الذي اقتفى اثر رياض وذهب عنا مبكرا في صقيع وحشته وغربته بباريس، وهناك نزيه أبو عفش طبعا الذي يشكو من ذئب صداعه الدائم (كان مصابا بالشقيقة) وبندر عبدالحميد وطاهر رياض.

 هذه الكوكبة أتذكرهم كما تذكر حسان بن ثابت قديما عصبته بجلق في الزمان الأول. وأتذكر أيضا في المرحلة الشامية من أصدقائنا الجزائريين الزاوي أمين، ربيعة الجلطي، وواسيني الأعرج، وزينب الأعوج وآخرين.

§ الثيمة الدائمة الظهور في شعرك هي ثيمة الرحيل، هل ما زالت ترحل، والى أين؟

§ الرحيل كثيمة أساسية في كتاباتي ارتبط بسلسلة من تصدعات المكان بدءا من الطفولة وحتى مشارف الأربعين من العمر. هذا السياق المثقل بتشظيه وأرواحه الممزقة لا بد أن يكون ظهوره أساسيا وربما مكونا لنسيج النص بكامله.

الرحيل بالمعنى الحياتي والتجربي والذي اتخذ فيما بعد أبعاده الرمزية الوجودية كون الكائن في رحلة بحث في المجهول ومختزلا أيضا برحلته المتجهة حتما نحو القبر. بؤرة الرحيل تشع بهذه الأبعاد ومنذ البداية ليس هناك من مخطط واضح لهذا الرحيل. أي ليست هناك غائبة أو قصدية لهذا الرحيل. كان هناك ربما نوع من هواجس وأحلام غامضة قد لا تخدم الكائن في بعده الحياتي المنفعي لكنها ربما تخدم الشعر.

أتساءل أحيانا هل الشعر أو الانفصال المثري للذات والاختراق عن السائد كمتعة جمالية خاصة ومفارقة هل هو بحاجة لهذا القدر من التصدعات والانهيارات؟

§ ضمن انتقالاتك المستمرة، عشت فترة في صوفيا وأخرى في باريس، وبالتالي خضت تجربة جديدة مع المكان، الذي هو أيضا ثيمة كبيرة في شعرك. كيف عايشت فكرة الغرب كمكان، وكيف كان تأثير ذلك على شعرك؟

§ المكان عبر الإشارات حول أماكن الطفولة كان من تلك البدايات الموغلة يخترقني كهاجس وجودي أساسي. كنت أرى الكائن دائما ضئيلا في مرآة ذلك المكان المهيمن والباذخ بجباله وصحرائه وبحاره. فيما بعد اتخذ هذا البعد مسارا أخر صار المكان متشظيا إلى أماكن والى أبعاد والى جراحات كثيرة.

 نوع من التيه لازم فكرة المكان كأنما هذا المكان لم يوجد إلا ليكون مستحيلا وهاربا. أحيانا تحلم بمكان ما وحين تصل إليه ينتقل الحلم إلى مكان أخر وكذلك النساء والصداقات وكأنما الغياب هو المهيمن على الكائنات والأماكن. هو سرها الخفي.

 الغرب في هذا السياق يتبدى أيضا بصورة مختلفة. لم يعد الغرب غربا كما في الماضي. لقد انتقلت الثقافة العربية بعد الحرب اللبنانية إلى أماكن غربية، باريس ولندن، بآلياتها وعدتها ومؤسساتها وصارت تعيش في الغرب بنسيج عربي، وحياة غربية لم يكن الغرب بهذا المعنى صارما، أو مختلفا إلا في تفاصيل معينة.

تأثير المكان على الشعر؟ لا بد أن يكون هناك تأثير ما: الطقس وتفاصيل الحياة اليومية المتناثرة هنا وهناك كل هذا يؤثر في طبيعة وتكوين النص الأدبي، من منطلق أن النص يتشكل كلغة من نسيج الحياة اليومية كما يتشكل من الذاكرة ومعطياتها التاريخية والأسطورية والا لاستحال النص جسدا جاهزا لا علاقة له بالبحث في المعيش والوجود اليومي.

§ المرحلة العمانية في حياتك تشهد غنى، على الأقل ثقافيا، فأنت ترأس تحرير مجلة تعمل في صحراء ثقافية على مستوى المجلات العربية ما هو معنى العودة على المستوى الروحي والشعري لديك؟

§ على مستوى العودة والاستقرار بعد طول غياب ورحيل لا بد أن تكون هناك إشكالات في مستوى التكيف والتعاطي مع المكان الأول.

هناك نوع من مسافة قاسية تحصل بشكل لا إرادي عبر غيابات الإنسان عن محيطه وأهله وناسه.

هناك رموز الحياة الحميمة الأهل على سبيل المثال الذين تحبهم بشكل عميق وهم جزء من ذاكرتك ووجدانك. لكن على مستوى التعاطي والتعامل اليومي تحصل هذه المسافة العاتية بتجليات دمارها الذي أنتجه الغياب الطويل.

هناك تمزق من نوع خاص، لا اعرف كيف على العائد أن يعالجه فيما يحاول الحياة من جديد وتأثيث المكان الأول بوجدانه وتجاربه المختلفة.

هناك أيضا نوع من مسؤولية جسيمة أحس بها تجاه بلدي ومكاني الأول وهي مسؤولية ثقافية وحضارية. أحاول أن أؤدي جزءا منها في حدود الممكن. يتجلى ذلك في منبر ثقافي كمجلة (نزوى) التي ذكرتها وفي محاولة إنعاش الفعاليات الثقافية والإبداعية في عمان التي تتميز بارث حضاري وكتابي واسع الأرجاء من بين بلدان المنطقة. أنا باختصار أحاول أن أكون مجديا.

على المستوى الشعري، كما أشرت أن ربوع المكان الأول كانت دائما بمفرداتها وبشدها وحيواتها تسكن كياني ونصي لكن لابد أن يكون التفاعل والتماس معها بمستوى أخر حين تعود وتعيش ثناياها وتفاصيلها اليومية والحسية. من هنا ربما تشاهد في ديواني الأخير (جبال) وفي لاحقه (يد في آخر العالم) والمقالات النثرية المختلفة أن هناك قربا وتماسا يشكل مستوى تعبيريا أخر عير مقطوع الصلة بطبيعة الحال بالكتابات السابقة لكنه قراءة مختلفة للمكان.

 

لندن – « القدس العربي».