جديد الكاتب

الشاعر العماني سيف الرحبي: القصيدة ملخص الترحُل المأسوي لحياة الكائن

 لكل صحراؤه
ومتاهته أفراداً
وشعوباً وقبائل وحضارات  
يعيش العربي
في جلبة الرعد
اللفظي
 الضجر وتضاؤل الحماسة
دليلا عافية
روحية أحياناً
صباح زوين

شرط الحوار مع سيف الرحبي أن تتوافر لديه الرغبة فيه حقا، وذاك ما لا يعدنا به دائما الشاعر الدائم الترحال، والمثقف الذي لا يرى في الحياة ما يستحق سوى بضع قصائد واصدقاء. انما لا ينفي ذاك ميل الشاعر الى التمتع بأشياء الدنيا، وهو العبثي الايجابي، الساخط واللامكترث، المتمرد والهادئ في الوقت عينه. يحب الحياة بقدر ما يؤمن بفراغ الوجود، يبحث عن سكينة الداخل أكثر مما يجذبه صخب المجتمع، يتجاوز المعايير العامة في رؤيته الى التاريخ والثقافة والشعر، والوعي الفردي أساس سلوكه.

قال: نصعد الى الجبل، وهناك قد يأتي الحوار أو قد لا يأتي. وعلى التلال العالية بين الصنوبر وبيوت القرميد، كان الحوار تكملة لحديث شفهي عفوي سبقه بلا سابق تخطيط.

من أين نبدأ؟

من أي شيء، أو من اللاشيء. من هذا الفراغ المخيف، أو من هذا البحار، وتلك المرأة اللاهثة على شاطئ. من هذا الحطام العربي البهيج وما يشكل ربما هاجس شعر وموت وصحراء مترامية في العدم والوحشة.

كأنك تحمل الصحراء حتى الى الجبل اللبناني؟

أحملها في كل الأمكنة كقدر حتمي أو كما يحمل سيزيف صخرته الأبدية، في المدن الكبرى، وفي السفوح والجبال، وعلى ذرى الهملايا والغابة السوداء، أو على جبل لبنان حيث نحن في هذه اللحظة جالسان على صفحته الخضراء المزهرة في هذا الصيف اللاهب بعد سنين ومجازر وحروب.

ولدت الجبال العمانية المقفرة السوداء وصحراؤها لديك قصائد ذات صور غريبة: عساها توحي لك جبال لبنان شعريا؟

أعتقد أنني لست غريبا عن مشهد الجبال اللبنانية أو ما يضاهيه من جبال أخرى في العالم تحمل قدرا من النعمة والخصب والحياة. لكن ما ظل يلاحقني ومنذ فترة باكرة من هذا العمر الذي مر سريعا، ذلك المشهد الداكن المهيب للجبال العمانية النائية والتي أتخيلها أحيانا هابطة لتوها من القمر أو من جزيرة انفصلت للتو عن مصدرها الكوكبي اللا-أرضي في كل وحشتها وغربتها وتلك القسوة وما تبعثه من هواجس وهوام واحتدامات. انه مشهد يحفز على التأمل والكتابة والانجراف الى ما قبل عصور التاريخ. وكذلك الصحراء التي توازي في وحشتها وعدمها وأزليتها الراعبة لكل الجبال. وان كنت أنطلق ربما في تلك الصحراء المحددة جغرافيا ومكانيا، فلكي تتحول عبر النص الأدبي ومتاهته الخاصة الى العالم الآخر بمدنه وكائناته وعصوره المختلفة. ان صحراء الربع الخالي من هذا المعنى تلتهم العالم والتاريخ في أكمله.

اذن، ورغم عدمية مكانكم الصحراوي، ما الذي جعل العرب اليوم بعيدين في رأيك عن صرامة المعنى الوجودي حيال العدم، خلافا للغربيين؟

إننا في هذا المنحى ندخل مسألة الثقافة والفكر والمفهوم، وما أشرت إليه لا يتعدى الهواجس والحدوس التي يوحيها ذاك المعيش.

ماذا تعني؟

أي ان صرامة المفهوم العدمي للوجود كما تجلى لدى فلاسفة وأدباء غربيين كان وليد مسيرة فكرية وأدبية طويلة، ووليد تطور وصيرورات حضارية وفكرية آلت بهم الى هذا الارتطام المأساوي. لكن هناك الكثير من أصحاب الفكر والأدب يندرجون في السياق العربي التراثي بلغوا الارتطام نفسه لكن عبر تجليات رؤيوية مختلفة، أمثال المعري والتوحيدي وآخرين. وكانت حقبة الشعر الجاهلي، التي هي وليدة الصحراء، ضاجة بهواجس الترحل والعدم وتراجيدية المصير. ولكل صحراؤه ومتاهته الخاصتان أفرادا وشعوبا وقبائل وحضارات.

لكنك لم تقل لي ما الذي جعل عرب العصر الراهن بعيدين عن الفكر الوجودي الصارم، أي سقوطهم في فخ الامتثال والتقليد؟

بعض من التثاقف العربي مع الغرب أفرز في الخمسينيات  والستينيات نوعا من نزعة وجودية كانت تشبه أفكارا وأيديولوجيات أخرى سادت تلك المرحلة، ولا تعدو كونها على سطح الوجود الثقافي العربي، أي لا تعدو كونها فتات موائد الآخرين. بيد انه لا يلغي أهمية التثاقف في المعنى العميق والحاسم. وما أقصده أن الارتطام الوجودي بالعدم واللامعنى النابع من الوضع الصميمي للكائن (المثقف) هو ما أحاول مضطربا ومرتبكا الاشارة اليه. في مرحلة الحداثة العربية، في صورة عامة، مع كل ما يكتنف هذه التسمية من لبس وبعدما انكسر الكثير من تصوراتها شبه الايديولوجية اليقينية التي تدّعي محاربتها- تكشف المشهد الشعري والأدبي عربيا عن الكثير من تضاريس العدم واللاجدوى في المعنى الحقيقي والصادق واللامفتعل. فاذا كانت هذه النزعة هي ما يبلغه الكائن حتما في سؤال الوجود المخيف والفناء والاضمحلال، فما يوحيه مشهد الاجتماع العربي هو من اليأس واللاجدوى بحيث يزيد الطين بلة ويكثف المأساة على نحو أقرب الى الكوميديا  والمهزلة.

لكن ما الذي يجعل العربي يرى الموت كطقس جميل لا كمعنى للعدم والفراغ؟

أعتقد أن هذه الاشكالية تحمل أبعادا وهواجس مختلفة لكونها مسألة بالغة الغموض والتعقيد، عدا ما يموج بها طقسها الخارجي. يسعنا رؤية الأمر من وجهة نظر سياسية تبشيرية، وهي مسألة تجد مبرراتها في مراحل المواجهة القاسية في التاريخ مع عدو ما حيث يتحول الموت الى نوع من طقس احتفالي. وان يكن ثمة ما يبررها أخلاقيا وحياتيا فلا أعتقد باستمراريتها اذ لا يسعها أن تختزل حياة البشر الى وقود وتضحيات تجريدية. فحياة الانسان بكل نسيجها المأساوي يجب أن تعاش بجوانبها الاختيارية والجمالية الحرة وأن تنعم بالهدوء والسلام. وهو ما يفسر في معنى آخر غياب وعي المجتمع العربي والذي على نمطه من مجتمعات العالم. انه غياب الوعي المدني والحقوقي للفرد مما يجعله ضحية سهلة لادعاءات الأنظمة السياسية وأوهامها وحروبها. أما رؤية الموت كفناء ساحق فهو ما يهجس به بعض أولي أصحاب وعي وثقافة، أي تلك النخب الخاصة التي تخلصت من وهم تيمة التضحية في ذاك المعنى القمعي والتجريدي, وهو ما بلغه الفكر الغربي في شكل ناضج ومأساوي، فربما تصدق معادلة الحياة الحرة والجميلة للكائن البشري، تتبعها وتخترقها رؤية وتفكير ناضجان وعميقان للموت.

الكل يسافر في هذه الأيام كثيرا، وأنت أحد المسافرين في أصقاع هذه الدنيا. الا يُتعب القصيدة التنقل الدائم؟

لم أبق أسافر كثيرا في الواقع. أمكث مثلا ستة أشهر في عُمان على التوالي. لعلي استعضت عن هذا السفر الواقعي في الجغرافيا بنوع من أسفار المخيلة والحلم، فلم يبق ثمة قدرة على الدمج الدائم بين هذين الرحيلين مثلما كان في سابق الأيام. يبقى أن القصيدة والكتابة نوع من ترحل دائم وفي أصقاع وعصور وجغرافيات روحية مختلفة، وهي ملخص الترحل المأساوي لحياة الكائن في أكملها من صرخة الولادة الى صخرة القبر، وما بينهما من مسافة نترك لوعل الجبال أن يتخيلها بما اننا الآن جالسان في احدى قرى جبل لبنان العالية.

أسوأ الخطابات الثقافية هي الخطابات التنظيرية.

خاصة ذاك النوع من التنظير العربي الذي يسود كثيرا فكريا وأدبيا، والذي يجر ألوف الصفحات باسترسالاته وسيلانه اللفظي الفارغ. خطاب لا علاقة له بالتاريخ ولا بالاجتماع ولا بالحياة ولا بالموت. تهويم مجاني في اللغة من غير دلالة ولا طرافة ولا فكر.وهذا النوع الذي نقرأ كثيرا في البرهة العربية الراهنة يمارس في اساليب شتى، فجزء من هذا الخطاب يمثله دعاة التحديث والتنوير و((العقلانية)) العربية، وهو كما أشرت، خطاب لا صلة له بالوقائع التي يزعم تحليلها. فهو مبتور بترا تاما عن البحث في الحقيقة وفي الكيان الحي لتاريخ البشر. والجزء الآخر يمثله دعاة السلفية الذين باتوا يحتلون مساحة شاسعة في الوعي العربي وما يفرزه هذا النوع من أشكال دموية للتعصب والتخلف والظلامية. وجاء تطور التكنولوجيا والمعلومات الرقمية، هذا التطور الهائل في العقل البشري الذي اكتفى منه العرب باستيراد الفضائيات واحتلالها لكل الأرض العربية، لتقود هذه الخطابات الفقيرة فقرا مدقعا الى اللغة المجردة إلا من لفظيتها، اللغة الفارغة من روحها وعقلها وجسدها، لتقع في المساحات التهويمية والاستبدادية المطلقة. لذا نرى العربي يعيش من محيطه الى خليجه في جلبة هذا الرعد اللفظي الخلّب. ويبتعد عن حياته وواقعه وتاريخه وخياله. وقبل هذه القفزة ((الفضائية)) كان العرب قد استوردوا من تكنولوجيا الغرب أدوات القمع الأكثر فتكا وتدميرا، لتكتمل حلقة الخروج الفعلي من التاريخ ومن الفعل البشري في اطار الحضارة المعاصرة. كنت أبغي التطرق الى التنظيرات في المجال الأدبي تحديدا لكني ضجرت من الحديث في هذا السياق.

هل الضجر دليل عافية لديك؟

المأخذ السائد على الضجر وجهه السلبي، لكني أعتقد عكس ذلك. الضجر وتضاؤل الحماسة أحيانا دليلا عافية روحية وادراك حاد للعلاقة بالأشياء والعالم.

النهار – 31 تموز 2001