جديد الكاتب

السياحة الروحّية والكتابة

تحيل كتابة (الرحلة) أو السفر و”السياحة” وهو تعبير صوفي قبل أن يستخدم في وكالات السمسرة التجارية – إلى أسئلة ومصادر ومرجعيات مختلفة ، ومتباينة بمعانيها الواقعيّة والرمزيّة ، تبدأ من سفر المشاهدة الخارجيّة البرانيّة التوثيقّية ، ولا تنتهي على عتبة الرغبة في الاكتشاف الأعمق والسياحة الروحّية الجوانيّة طارحة أسئلة الوجود والكون برّمته ، تلك الغابة المتشابكة المدوّخة بهواجسها وجوارحها اللامتناهية حياة وموتاً وآخرةً ..
بهذا المعنى يصبح الانفصال عن المكان أو الأمكنة والترحّل في أصقاع ومطارح شتى ، وسيلة ضروريّة ، ليس لذاتها ، وإنما لاستفزاز مكامن الروح ، في الذات المترحّلة والعالم بحيواته المختلفة . وتكون الأماكن والشخوص والمسافات لا لرغبة حفظها الإرشيفي والتاريخي ، وذكر صفاتها ومعالمها ، على طريقة الأدب الجغرافي او ” المسالكي ” على أهميته البالغة وإنما لما تضيئه وتكشفه من خفايا روحيّة ونفسيّة ووجوديّة في الذات المتّرحلة في التخوم والآفاق … وتكون الكتابة تاريخاً مفارقاً للتاريخ السائد وقائع وكتابةً ، تاريخاً روحيّا للذوات والوقائع ينزع نحو الباطن والكشف لما يمور ويختبئ خلف الظواهر الحسيّة والعيانيّة.
***
الرحلة الواقعيّة تكون عاديّة ومضجرة حد القرف ، إذا لم تقترن بأبعادها الرمزيّة والماورائية… وسيطارد التأسّن والعفن جراّء المكوث في المكان الواحد ، خاصة إذا كان هذا المكان بالغ الضيق والانغلاق ، سيطارد المسافر أو المترّحل أينما حل ويقع في نفس الدائرة الرهيبة التي هرب منها …. السفر أصبح مع الإنجازات التكنولوجيّة الحديثة ، بالغ العاديّة والروتين اليومي ، ولم يعد مغامرة خاصةً بكل المعاني الدينيّه والمعرفيّة ، والجمالية التي يهدف إليها مغامرو الأسفار كما في الماضي ..
وحدها الأبعاد الروحيّة والتأمليّة تنتشل الذات وتطوّح بها إلى مناطق أخرى مفعَمة بالنضارة والبهاء والجمال عبر التأمل والكتابة والمرأة.
***
السفر الخارجي الذي يقود إلى السياحة الروحيّة والجماليّة ، في جانب أساسي منه يستبطن رحلة الكائن في عبوره على هذه الأرض الهرمة .. هذا السفر أو الرحيل الذي يبدأ منذ الخروج من الرحم وإطلاق تلك الصرخة الأولى في وجه العالم ، ليمضي في رحلة مزدوجة صعوداً حيث يكبر الطفل ويشبّ ويكتهل ويشيخ . هذه الرحلة التي تحمل في أحشائها منذ الولادة بذور الانحدار والعودة إلى رحم الأم ، أو الحاضنه الكبرى : الأرض.
***
المخيّلة النشيطة المدربّة الجامحة (كما يدرب الرياضي عضلاته وجسده) هي المنقذ من وحل الواقع والتاريخ المحبط للمسافر والمقيم … وبدونها تكون الرحلة عقيمة والفضاء مكفهراً جافاً … الأماكن متشابهة ومعظم أنماط الحياة والأذواق …

“النظام العالمي” استطاع إلى حد بعيد إنجاز ذلك التوحيد القسري مما أوقع العالم في دائرة القطيع المتشابه على مستويات شتى ، وفقدت الفروق ماهيتها الجوهريّة والجماليّة الفريدة.
***

لا ندين لأحد بشيء
عدا أرجلنا الثكلى
بالمسافات

 

 
1