جديد الكاتب

الزائرة الثقيلة

المرض، محنة المرض ترمي بنا دائما إلى وحدة أعمق من تلك التي نحملها كقدر طبيعي، وتلازمنا كما يلازم الظل المتطاول صاحبه، او كصفة هي ما تبقى لنا من ميراث الاجيال الحزينة والقلق الطويل.
وحدة أعمق، هاهو الليل يبدا نصفه الآخر، وأنا أتلوى على وقع الألم والحمى التي يرشح بها الجسد المقذوف في آخر كهوف هذا الليل الوحشي.
تتقاطر في مرآة هذياناته، صور الموتى القريبة وتلك التي أوغلت في الزمن وطواها النسيان أو كاد.
بعد مكالمتك الاخير ة في منتصف النهار، وكنت على الطاولة، أمامي القهوة والاوراق وكتب مبعثرة، أحسست بطلائع هذه الزائرة الثقيلة، وفق وصف المتنبي. لكن زيارتها بدأت قبل حلول الظلام، وان تمكنت من طريدتها، بعد ان حل والقى بمرساته الغليظة على الوجود والكائنات ولفها تحت جناح هيمنته المطلقة.
كنت قد بذلت جهدا لتفادي غزوة فيروسات الشتاء، كما عودتني هذه المدينة على مدار سنوات وأيام، لكنها أدركتني، كما يدرك ليل الخوف صاحبه المرتجف المذعور أمام زحف سورة الغضب… (وإن خال وسع المنتأى ومداه).
الوحدة والمرض، ولا شيء عدا روح ترتجف بالحرارة والشوق إلى شقيقها، تنظر إليه في معترك المسافة، وتستله من بين الجوارح والأشباح، لتبلل حلقها الجاف برضاب عسله الشافي، وتستحضر ذلك البهاء النبيل، لدحر فيالق الموتى التي بدأت تنتشر في أرجاء المكان، وتحتل الخيال بعزيمة واندفاع. لكن حتى في خضمّ هذه المحنة العابرة، امام ديمومة حمى الوجود وأسئلته المتناسلة كما يتناسل الموتى من الاحياء وفي احلامهم وطموحاتهم المتدفقة باستمرار نحو المصير، حيث الانتظار هو الرجاء الاخير للقاء المحبين، الأقارب والأعداء والأصدقاء، إن كان هناك أصلا من لقاء!
في هذا الخضم المحزون، لا أنسى أيتها العزيزة، أن وحدة المرض أقل فتكاً من معايشة اولئك الذين لا نمت لهم بصلة قربى روحية.
معايشة الوحدة والمرض اقل هولا من اولئك الذين لا يشبهوننا في شيء…
(حبيبي يغفو على كتف الليل
بعيدا جدا
يبدو نقيا وشفافا
حتى لا يكاد يرى
أغمض عيني كي أرسم تفاصيله
وأستمع إلى نبضات
قلبه الوحيد
وأغطي جسده المتعب
بالمعوذات وشراشف الدفئ والنور
حتى لا يلسعه
برد أحلامه البعيدة)